مع نواف سلام في “لبنان بين الأمس والغد”.. وطنٌ يسيرُ بعكس الزمن!

في كتابه "لبنان بين الأمس والغد"، يقارب الباحث نواف سلام مسألة العقم الذي تعانيه التجارب الهادفة إلى اخراج الكيان اللبناني من المعضلة الطائفية التي يستغلها أهل السلطة بهدف تكريس نفوذهم، ليخلص إلى اقتراح آلية حوكمة تتيح للمواطن اللبناني محاسبة حُكّامه على ما يقترفونه من أخطاء، تحاذي الخطايا، بحق الوطن، بينما هم مطمئنون إلى متانة الغطاء الطائفي الذي يضعهم في مأمن من المحاسبة.

من وجهة نظر الكاتب، فإن الطائفية المُسيسة، استناداً إلى ما تستبطنه من إغواء سلطوي، تمتلك قابلية، وربما حتمية، تخطي إطارها الديني الصرف لتتحول إلى عصبية تتسم بالكثير من صفات النرجسية الجماعية التي تحيل أي محاولة إصلاح للنظام السياسي إلى نوع من الطوباوية الجوفاء، الخالية من الفعالية.

أيضاً بين ما تكشف عنه القراءة المتأنية لمضمون النص في اتجاه شرعنة النموذج الطائفي، أنه يكتسب مع الزمن رسوخاً مستعصياً على التفكيك بالرغم من افتقاده لمقومات النسق السلطوي المشروع. بما يُحوّل أي عملية انقاذ مفترضة إلى مزيد من الغرق في المستنقع الطائفي. بإمكان التجارب الإصلاحية المتراكمة أن تكشف بوضوح فداحة المآزق التي يعانيها لبنان، والتي تجعل أي محاولة لتشذيب نظامه السياسي نوعاً متقدماً من العبث.

وبوسع المزيد من التوغل في دلالات المادة موضوع البحث أن يكشف عن كون المحاولات الساعية إلى إرساء ما يُفترض أنها منصة للقفز نحو مساحة الأمن والأمان، قد أثمرت صيغاً توفيقية مزعومة تستند إلى قوننة المفاهيم التسووية الملتبسة، وتحويلها من علاجات مؤقتة، كان الزعم أنها قادرة على تسكين الصداع الطائفي، إلى ضرورات بنيوية تُمثّل مكوناً حيوياً من مقومات الكيان المستعصي، منذ ولادته القيصرية، على التحول إلى وطن.

بوسع كتاب نواف سلام، الأصح يجدر به، أن يكون بياناً وزارياً دائماً لحكومته، كما لسائر الحكومات التي ستأتي بعدها، وذلك إذا كان الهدف تنقية مستقبل لبنان من الشوائب التي اعترت ماضيه وأفرغت حاضره من معنى الدولة وحقيقة الوطن

يتناول الكتاب أيضاً عملية المأسسة التي ساهمت في تحصين الطائفية السياسية، بخاصة على الصعيد التربوي، ما أدى إلى رفع منسوب الحواجز الفكرية والعقائدية بين اللبنانيين، وإقامة ما يُشبه الحجر الطائفي والمذهبي على عقولهم في الأماكن التي يُفترض أنها تتولى تصنيع تلك العقول.

في واحدة من مقارباته للأيديولوجيا الطائفية، يعمد الكاتب إلى تحليل ظاهرة الهيمنة على الطائفة استناداً إلى مفهوم وحدة القيادة. وهي التيمة التي خضعت لمراحل مدروسة ومتتالية من إعادة التدوير والتحوير والتزوير حتى أمكن أن يُبنى عليها مفهوم الميثاقية المزعومة، الكثير التداول راهناً.

من شأن الإستغراق في كتاب نواف سلام أن يستوجب إعادة صياغة السؤال حول دلالة تكليفه بتشكيل الحكومة العتيدة، وهو البعيد عن هذه المهمة نظرياً بحكم افتقاده للمواصفات الطائفية، وإعلانه التمرد على المقاييس والمعايير الرائجة. يمكن للسائل أن يبحث في العوامل الدافعة لدخول أحد الخارجين على القانون الطائفي إلى نادي “الزعماء” المتمتعين بقبول أصحاب الرأي المهيمن.

المنطقي أن الإجابة لا بد لها أن تنطوي على قدر وازن من الضرورات العابرة التي أتاحت، ولوقت محدود، ما كان محظوراً. والبديهي أن أولئك الذين منحوا الرجل أصواتهم لم يفعلوا ذلك مُنجذبين نحو ما يمثله من زخم عقائدي، ولم يكن يتملكهم حافز إعادة تصويب الرأي أو تصحيح الرؤية. دافعهم الوحيد إلى خطوتهم المباغتة كان تعديل ما طرأ على مسيرتهم من خلل في موازين القوى بينهم وبين بعض شركائهم التاريخيين، والذين سيظلون شركاءهم في المستقبل.

بوسع كتاب نواف سلام، الأصح يجدر به، أن يكون بياناً وزارياً دائماً لحكومته، كما لسائر الحكومات التي ستأتي بعدها، وذلك إذا كان الهدف تنقية مستقبل لبنان من الشوائب التي اعترت ماضيه وأفرغت حاضره من معنى الدولة وحقيقة الوطن. بعيداً عن ذلك سيكون على اللبنانيين التوّاقين إلى الغد، والساعين نحوه، انتظار نواف سلام آخر ليُشكل متكئاً مؤقتاً لأحلامهم في المواطنة والعيش الكريم.

وحتى يحين الوقت ليس هناك من خيار أمام الباحثين عن هوية المواطن سوى الإكتفاء بواقعهم، والإرتضاء تالياً بكونهم مجرد خانات شاحبة في جداول الإحصاء.

(*) “لبنان بين الأمس والغد”، دار شرق الكتاب، بيروت 2021، 181 صفحة. 

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  غسان كنفاني.. جيفارا فلسطين
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  غسان كنفاني.. جيفارا فلسطين