“السلاح الموازي” في لبنان.. من يتحمل تاريخياً مسؤولية انكشاف الجنوبيين؟ 

تُعدّ إشكالية السلاح الموازي في لبنان من أكثر الإشكاليات استعصاءً، لتداخل عوامل سياسية وطائفية وداخلية وخارجية فيها، ولأنها تمسّ في الوقت نفسه جوهر السيادة وأمن المجتمع: من يقرّر الحرب والسلم؟ من يحتكر العنف؟ ومن يحمي الأطراف؟

يقرأ بعضهم إشكالية السلاح بوصفها امتداداً للحرب الأهلية اللبنانية (1975)، ويُطلق على المقاومة توصيف “الميليشيا” لربطها بميليشيات الحرب التي قتلت على الهوية واستولت على مؤسسات الدولة ومواردها. في المقابل، يرى آخرون أن الظاهرة أقدم من الحرب الأهلية، وأنها نتاج شرط تاريخي سابق جعل السلاح الموازي قابلاً للولادة ثم للترسّخ: دولة تبنّت عملياً عقيدة دفاع سلبية (هدنة/حياد/دبلوماسية)، واستعاضت عن بناء قدرة ردع جدّية بتكثيف الضبط الأمني الداخلي، ثم جاءت صدمة النكسة في العام 1967 لتُسقط فعالية نموذج الهدنة وتفتح الباب أمام الاستثناء المسلّح الذي جرى تقنينه في اتفاق القاهرة عام 1969.

ومن هنا تنطلق المقالة من سؤال مركزي: لماذا اختار لبنان “الحدّ الأدنى الدفاعي”، ثم انتهى إلى واقع يصعب فيه تفكيك السلاح الموازي لأنه صار يُقدَّم كتعويض عن ضعف الدولة؟ ويقود هذا السؤال إلى مطلب عملي: ما الذي يجب أن يتغيّر في منطق الدولة وقدرتها كي تزول شروط السلاح الموازي؟

هدنة 1949: غطاء لعقيدة دفاع سلبية

ساعدت اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل (1949) على ترسيخ شعور سياسي بإمكان تحييد لبنان عن الحرب النظامية، عبر تثبيت خط الهدنة على الحدود الدولية. وارتبط ذلك بقناعة لدى النخبة الحاكمة- ولا سيما دوائر “المارونية السياسية”- بأن لبنان ليس دولة مواجهة، بل دولة اقتصاد وخدمات ومصارف وسياحة. لذلك جرى تثبيت الهدنة عملياً والحرص على عدم خرقها بين 1949 و1967، فبدت الجبهة اللبنانية الأكثر هدوءاً مقارنة بسائر جبهات دول الطوق.

لم يكن هذا الخيار قراراً معلناً، بل تعبيراً عن مسارين متوازيين:

  • مسار دولي تمثل في الحرص على أفضل العلاقات مع الغرب والاقتراب من أجندته الإقليمية (وتجلى بوضوح في عهد كميل شمعون).
  • مسار عربي اتخذ طابعاً خطابياً مرتفعاً في القمم والبيانات والبرلمان، من دون ترجمة دفاعية حاسمة.

في المقابل، كانت السلطة التنفيذية تدير الملف الفلسطيني بمنطق أمني: رقابة مشددة على المخيمات عبر المكتب الثاني، وتقييد حركة الفلسطينيين، ومنع اندماجهم الطبيعي. وبرغم كون لبنان من البلدان الأكثر قربا في المنطقة آنذاك من الولايات المتحدة الاميركية والغرب، كما أسرّ وزير الخارجية اللبناني جورح حكيم عام 1967 للسفير الأميركي في لبنان، بقي لبنان بعيدا عن امتلاك قوّة لديها قدرة دفاعية تحمي اللبنانيين وحدود دولتهم، وبرغم توقيع لبنان معاهدة الدفاع العربي المشترك (1950)، ومشاركته بكل القمم العربية والتزامه بقرارت جامعة الدول العربية ذات الطابع العسكري، لم يشارك لبنان في أي مواجهة عربية – إسرائيلية بعد اتفاقية الهدنة، وفي هذا المناخ ترسخت فكرة أن الأمن يُدار بالدبلوماسية والشرعية الدولية أكثر مما يُدار ببناء ردع تقليدي.

ثورة 1958 لحظة تأسيسية للسلاح الموازي

مثّلت أزمة 1958 في عهد الرئيس كميل شمعون محطة مبكرة لظهور السلاح الموازي، إذ ظهرت القوى المتصارعة محمّلة بالسلاح، وتحدثت الروايات عن تدفقات من سوريا وإسرائيل. والأهم أن الدولة المفترض بها أن تحتكر السلاح والعنف، ترددت في استخدام الجيش لحسم الصراع الداخلي خشية انقسامه. فكان الخيار تدوير الأزمة بدل الحسم بالقوة، وأصبحت وحدة الجيش شرطاً أعلى من فرض احتكار الدولة للعنف. هنا تتشكل بنية هشّة: إذا كانت الدولة غير قادرة على فرض الاحتكار في الداخل من دون خطر وجودي، فإن المجال يبقى مفتوحاً لظهور أشكال حماية حزبية ومحلية، ثم لتضخمها عند تغيّر البيئة الإقليمية.

الشهابية دولة أمنية لا دولة مواجهة

عالج الرئيس فؤاد شهاب هشاشة الداخل ببرنامج إصلاحي، لكنه في المجال السياسي والدفاعي اعتمد أداة الأمن والاستخبارات: توسّع دور المكتب الثاني لمنع اضطرابات جديدة، فتضخمت الرقابة والتدخل في السياسة. وقد انعكس ذلك في زيادة الميزانية، وتوسيع النشاط ليشمل مختلف المناطق، وتعزيز التنسيق مع الأمن العام عبر وزارة الداخلية (وكان يرأسها رشيد كرامي إلى جانب رئاسة الحكومة)، ثم منذ 1959 بات “المكتب الثاني” يتحكم بالأجهزة المعنية بالشؤون الفلسطينية.

في المقابل، بقيت عقيدة الجيش بعيدة عن التعبئة الشاملة: لبنان فضّل جيشاً محدوداً ولم يعتمد التجنيد الإجباري، بخلاف إسرائيل. وعندما جاءت حرب 1967، انتهت النقاشات اللبنانية حول المشاركة إلى رفض قائد الجيش إميل بستاني الانخراط واعتبار المشاركة “انتحاراً”. هذا يعني أن الدولة لم ترفض الحرب لعجز فحسب، بل لأن نموذجها السياسي–الأمني رأى أن الحرب النظامية مع إسرائيل تهدد الداخل أكثر مما تحميه.

1967: سقوط الهدنة ولبنان ساحة بديلة

غيّرت حرب 1967 قواعد الصراع: تراجع دور الجيوش النظامية وصعد العمل الفدائي. لكن الدولة اللبنانية لم تُجرِ مراجعة حقيقية لوظيفتها الدفاعية، فاستمرت بمنطق الحدّ الأدنى، بينما دفع التحول الإقليمي لبنان إلى موقع “الساحة البديلة”. ومع الوقت غدت الحدود اللبنانية–الفلسطينية مسرحاً شبه وحيد للصراع، فتراجعت عملياً قابلية “الحياد” وتحول لبنان إلى دولة مواجهة رغماً عنها: لا تستطيع المواجهة ولا تستطيع حماية أهلها.

واللافت للانتباه أن سوريا شكّلت المعبر والداعم اللوجستي الأساسي لدخول المقاتلين الفلسطينيين إلى الجنوب اللبناني. فبعد خسارة الجولان، أغلقت دمشق جبهتها المباشرة لكنها شجعت العمل الفدائي انطلاقاً من لبنان، وأسست تنظيم “الصاعقة” على هذا الأساس، وسهّلت مرور الفدائيين والسلاح من الحدود السورية إلى منطقة العرقوب التي عُرفت لاحقاً بـ”فتح لاند” بهدف إبقاء القضية مشتعلة من أرض الجيران لتجنب رد مباشر على دمشق.

وساهم أداء الرئيس شارل حلو في التغطية على توغل الفدائيين الفلسطينيين في منطقة العرقوب ذات الغالبية السنية والتي شكّلت بيئة حاضنة للعمل الفدائي في الجنوب. وبالتزامن اشترط أعضاء نادي رؤساء الحكومات في تلك المرحلة (أواخر الستينيات) أمثال رشيد كرامي وصائب سلام وعبدالله اليافي للقبول برئاسة الحكومة أن يوافق لبنان الرسمي على جعل جنوبه منطلقاً للعمل الفدائي الفلسطيني نحو فلسطين المحتلة. أي أن البيئة الحاضنة الأولى للعمل الفدائي كانت إسلامية سنية من الجنوب إلى بيروت، وهو ما بيّنته لاحقاً نتائج قرار “المكتب الثاني” بجعل قبضته رخوة جداً أمام الانتشار الفلسطيني المسلح في بيروت وجبل لبنان والجنوب. ساهم ذلك في تضخم الوجود الفلسطيني المسلح وتحول لبنان إلى ساحة احتكاك مع إسرائيل، لا بل إن تباشير ذلك الانخراط اللبناني تُرجم في استشهاد الشاب البيروتي خليل عز الدين الجمل في معركة خاضتها مجموعة فدائية في الأردن، وعندما تم تشييعه براً من الأردن إلى لبنان مروراً بسوريا، احتشد أكثر من 100 ألف لبناني من المصنع إلى الطريق الجديدة مشاركين في التشييع والتكبير وحمل النعش على الأكف.

إقرأ على موقع 180  ما معنى تجاهل فلسطين في خرائط "الممر الهندي"؟

وهنا تتضح فكرة المقالة: الازدواجية لم تنتج عن “غياب الدولة” بالمطلق، بل عن استخدام انتقائي لأدواتها، ثم عجز سياسي عن فرض قرار سيادي واحد عندما بدأ الاستثناء يتوسع. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الزعيمين المارونيين ريمون إده وسليمان فرنجية (الجد) كانا معارضين لاتفاق القاهرة (1969)، بينما كان موقف الزعيمين المارونيين بيار الجميل وكميل شمعون أقرب إلى منطق المشاركة في السلطة على أساس التعامل بواقعية مع المستجد الفلسطيني. وفي المقابل، تحفظ كل من كامل الأسعد وصبري حماده على الاتفاق.

ويُمكن النظر إلى السيد موسى الصدر في ستينيات القرن الماضي بوصفه فاعلًا إصلاحيًا سعى إلى إدماج الشيعة اللبنانيين في مؤسسات الدولة، لا عبر القطيعة معها، بل من خلال انتزاع الاعتراف والحقوق داخل النظام القائم، وهو مسار بلغ ذروته مع تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في نهاية ستينيات القرن الماضي، ولم يصبح جدول أعماله المتصل بمقاومة إسرائيل أولوية إلا عندما غابت مؤسسات الدولة اللبنانية عن الجنوب في منتصف سبعينيات القرن الماضي وتركته ساحة للفوضى الناجمة عن العمل الفدائي الفلسطيني من جهة وتصاعد الاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني ولا سيما في القرى الحدودية الأمامية من جهة ثانية.

غارة مطار بيروت وأثمان العمل الفدائي

شكّلت الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت في أواخر العام 1968- غداة عملية أثينا الفدائية- لحظة تعرية للحياد اللبناني القائم على عدم استفزاز إسرائيل والاعتماد على العلاقات مع الغرب. فقد حمّلت إسرائيل لبنان مسؤولية فعل لا يملك السيطرة الكاملة عليه، وردّت باستهداف رمز مدني سيادي هو مطار بيروت وأسطول شركة طيران الشرق الأوسط (الميدل إيست). عندها اندفعت الدولة إلى محاولة ضبط المسار، لكن الضبط كان متأخراً ومفتقراً إلى قرار موحد، ما مهّد للانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “تقنين الاستثناء”.

في هذا السياق، كان دور مصر جمال عبد الناصر حاسماً في شرعنة الوجود الفدائي الفلسطيني ومنع الجيش اللبناني من تصفيته، خصوصاً بعد اشتباكات 1969 التي خلقت أزمة سياسية داخلية بين شارل حلو ورشيد كرامي. اعتكف كرامي (أزمة السبعة أشهر) ضاغطاً لمنع ضرب “المقاومة”، ما شلّ قدرة الدولة على اتخاذ قرار حاسم. كان حلو ميالاً إلى الحسم العسكري بدفع من اليمين المسيحي، بينما كان كرامي مؤمناً بحق الفلسطينيين في العمل المسلح انطلاقاً من لبنان. ثم تدخل جمال عبد الناصر وسيطاً، وأنتجت الوساطة اتفاق القاهرة (1969) الذي وقعه قائد الجيش اللبناني وإلى جانبه ياسر عرفات تحت رعاية مصرية. وهكذا أضحى الاتفاق وثيقة تأسيسية لازدواجية السلاح؛ اعتراف رسمي باستثناء مسلّح خارج الدولة، وتسهيلات للمرور والعمل من الجنوب، ونتيجة مؤسسية تمثلت في انتقال السيطرة على المخيمات من “المكتب الثاني” إلى القيادة الفلسطينية للكفاح المسلح.

لم يكن دخول المقاتلين “تسللاً حدودياً” فحسب؛ بل نتيجة تلاقٍ بين استراتيجية سورية بتصدير الصراع، وضغط مصري لشرعنة الوجود، وانقسام داخلي قدّم فيه زعماء مسلمون ويساريون غطاءً سياسياً وشعبياً، فازدادت حماية العمل الفدائي على حساب القرار السيادي الموحد.

شرعية “الحماية البديلة”

بعد العام 1967 صار الجنوب اللبناني مسرحاً لتبادل النيران يدفع سكانه- وغالبيتهم من الشيعة- الكلفة من دون توافر أدنى مقومات وأدوات الحماية. وبرغم احتضانهم للمقاومة كقضية عادلة، كانوا يرفضون تحويل الجنوب إلى ساحة يدفع أهلها الثمن وحدهم من دون تدخل من الدولة لحمايتهم ودعم صمودهم.

من هنا تبلورت شرعية “الحماية البديلة” للسلاح الموازي بوصفها إجابة على انكشاف محسوس. وبرزت في تلك الفترة الزمنية نداءات الإمام موسى الصدر التي طالبت الدولة بالحماية والتنمية معاً، وحذرت من أن ضعف الدولة ليس حلاً بل دعوة للاعتداء. ومع استمرار العجز، أسّس الصدر حركة المحرومين وجناحها العسكري (أمل) بوصفه إطاراً للدفاع الذاتي المحلي لردم الفجوة التي أحدثتها الدولة المتخلية عن عن أهلها وسيادتها.

 قبل الطائف وبعده.. الثابت والمتحرك

تحولت الازدواجية في الحرب اللبنانية 1975 إلى “نظام سلاح” شامل، فلم يعد تفكك احتكار الدولة للعنف مقتصراً على الجنوب أو السلاح الفلسطيني، بل صار سوقاً سيادياً تتقاسمه ميليشيات وفصائل وتدخلات خارجية. ثم جاءت الاجتياحات (1978، 1982) لتُعمّق جاذبية الردع خارج الدولة، ومع خروج منظمة التحرير في العام 1982 انتقلت وظيفة المقاومة إلى أطر لبنانية، خصوصاً في البيئة الشيعية، ما أسس لمشروعية انطلاقة حزب الله.

جاء اتفاق الطائف عام 1989 لنزع سلاح الميليشيات وتسليم السلاح للدولة، لكنه ورث واقعاً استثنائياً في الجنوب وبلداً منهكاً. فتم تفكيك معظم الميليشيات وبقي سلاح المقاومة لبقاء “شروطه” من جهة ولغياب استراتيجية دفاعية جامعة من جهة ثانية وبسبب استمرار الانقسام حول قرار الحرب والسلم من جهة ثالثة.

وبعد انسحاب إسرائيل عام 2000 تصاعد الضغط الدولي عبر القرار 1559 (2004) ثم القرار 1701 (2006) الذي نصّ عملياً على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية في منطقة جنوب نهر الليطاني. ومع ذلك استمر التوتر: دولة تطالب بالاحتكار دون استكمال شروطه (حماية، تنمية، قرار موحد)، ومقاومة تطالب بالاستثناء نتيجة استمرار التهديد، وغياب الاستراتيجية الدفاعية المتكاملة.

 نفي الشروط بدل الاكتفاء بنزع السلاح

وعليه، وبعد استعراض الواقع التاريخ للسلاح الموازي، يظهر بأنّ هذه الحالة نشأت واستمرت انطلاقاً من واقع موضوعي، وأن ضعف الدولة وابتعادها عن تبني سياسة واستراتيجية ردع فاعلة كان في كثير من الأحيان خياراً لا قدراً، لذا فإن ّمعالجة الظاهرة لا تكون بقرار فوقي بنزع السلاح، بل بنفي شروط وجوده التي جعلته ضرورة اجتماعية وسياسية. لذلك، نفي شروط وجود السلاح الموازي، يقتضي تتبع ثلاثة مسارات متلازمة:

  1. استراتيجية دفاعية واضحة تضمن قراراً واحداً للحرب والسلم، وتحدد قواعد الاشتباك، وتؤمّن ضمانات تحمي المدنيين، من خلال منظومة دفاعية متكاملة، ما يجعل احتكار الدولة للعنف وظيفة دفاع لا مجرد تجريم للسلاح.
  2. تحويل الجيش من “حارس توازن داخلي” إلى مؤسسة ردع وحماية.
  3. تنمية الأطراف كشرط سيادي، فالسيادة لا تعيش في النصوص وحدها؛ جنوب مهمّش أو مكشوف اقتصادياً سيبحث دائماً عن بديل يحميه ويعيله.
Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  التحديات الميقاتية "دمشقية".. والسعودية "لن تخضع للإبتزاز"!