قبل فترة وجيزة، طرح زميلنا د. مالك أبو حمدان مقاربةً تساؤلية حول مسألة تحويل كيانات المنطقة من دول بسيطة أو مركزية إلى دول فيدرالية.
وفي الأمس القريب، طرح الكاتب أ. حازم صاغية الفكرة نفسها، لكنه انطلق من مقولة انتهاء دور «الدولة–الأمّة» ليناقش مسألة التقسيم.
كاتب هذه السطور كان أيضًا، في كتابه ما قبل الأخير بعنوان «من نحن»، قد تحدّث عن مسألة تراجع دور الدولة–الأمّة، بعد أن بدأت هذه الصيغة تتوقف عن كونها مفيدة (نسبيًا) لخدمة الرأسمالية (كما كانت تفعل منذ معاهدة وستفاليا عام 1648 التي أنهت حرب الثلاثين عامًا في أوروبا). بل باتت عقبةً أمام تبلور النظام العالمي الجديد للعولمة التكنو–رأسمالية.
أشرنا في هذا الكتاب أيضًا إلى أن الطبقة الفائقة الرأسمالية، التي لا تشكّل سوى 0,1 بالمئة من البشر، قرّرت، تسهيلًا لسيطرتها العالمية، تفكيك الدول عبر الحروب الأهلية، وتعزيز كل أنواع الهويات الفرعية أو إحياء هويات من القبر، ثم لعب دور التوازن الشكلي بينها، على قاعدة دمج «رعاياها» كأفراد مستهلكين في سوق عالمي موحّد (راجع هنا الكتاب القيّم لنيغري وهارت: الإمبراطورية).
كل هذا يعني أن ما تشهده الآن المنطقة العربية–الإسلامية من احتمال تفكك الكيانات السياسية الراهنة ليس استثناءً، بل هو القاعدة والجزء المحلي من كلٍّ عالمي.
حسنًا. لكن ما يغفل عنه دعاة تقسيم الدول البسيطة إلى دول فيدرالية أو كونفيدرالية أو انفصالية بالكامل يتمثل في ثلاث نقاط:
النقطة الأولى؛ في أي بوتقة أو إطار تتم الدعوات إلى التقسيم أو الفيدرالية؟
الاتحاد الأوروبي شكّل، منذ تأسيسه في خمسينيات القرن الماضي، هذا الإطار، ومهّد بذلك الطريق لبدء تجاوز قومية الدولة–الأمّة نحو الهوية الأوروبية (على صعوبتها)، التي ترقص كليًا وفق قواعد العولمة والسوق العالمي الجديد.
من دون توافر هذا الإطار، كان تراجع أو تآكل دور قوميات الدولة–الأمّة في أوروبا سيؤدي إما إلى ردود فاشية مدمّرة (مجددًا)، أو إلى حروب قد تكون أشرس من كل حروب المئة عام والثلاثين عامًا والحربين العالميتين في أوروبا.
بكلمات أوضح، إذا تم تطبيق سيرورة التقسيم تحت عباءات الفيدرالية أو الكونفيدرالية في المشرق والمغرب قبل قيام كيان إقليمي، كالاتحاد الأوروبي أو “آسيان” أو الـ”نافتا”، أو حتى صيغة محدثة ديموقراطية من الصيغة العروبية أو العثمانية، فهذه ستكون دعوةً مفتوحة إلى حروب أهلية دموية وأبدية تشرف عليها وتديرها الإمبراطورية الإسرائيلية الناشئة.
النقطة الثانية؛ من قال إن الهوية الوطنية في كل بلدان المنطقة، المستندة إلى حكم القانون والديموقراطية والحريات وحقوق الإنسان واللامركزية الإدارية (بكلمة: المواطنة الكاملة)، والمنطلقة من إيمان بالهوية الحضارية المشرقية الجامعة، لا تحقق لمكوّنات أي دولة في المنطقة طموحاتها ورغباتها؟
حتى سويسرا، التي تعج بالقوميات والمذاهب، لم تكن لتنجح فيدراليتها الكانتونية لولا بروز حركة وطنية عابرة لهذه القوميات والمذاهب، كما يرى، عن حق، العالم الدستوري الكبير (وصديق شارل ديغول) إدمون رباط.
النقطة الثالثة؛ أي كيانات انفصابية قد تنشأ في المنطقة، درزية كانت أو علوية أو مسيحية أو سنية أو كردية أو أمازيغية، لن تستطيع البقاء على قيد الحياة الاقتصادية (وأيضًا الأمنية–الوجودية) من دون التكامل مع محيطها الوطني وعمقها الإقليمي. وبالتالي، سيبرز مشهد تاريخي طريف، حيث ستجد مشاريع الدويلات نفسها «تناضل» من أجل التقسيم والانقسام استنادًا إلى هويتها الفرعية، فيما هي ستكون مدفوعة، بحكم المصلحة الاقتصادية–الأمنية، إلى التكامل مع الدويلات المحتملة الأخرى ومع السوق الإقليمي وتوازناته الاستراتيجية.
والخلاصة؟
يُفترض الآن أنها باتت واضحة:
أي توجّه فيدرالي لا يتم عبر:
-
وجود هوية وطنية قوية وحديثة وديموقراطية وعادلة؛
-
ووجود إطار توحيدي إقليمي، كما وطني، تندرج فيه كل المكوّنات؛
-
ووجود عمق وهوية حضاريتين–استراتيجيتين يلمّان شمل الوطنيات العربية والتركية والإيرانية والكردية والمكوّنات الدينية والإثنية الأخرى في كل المشرق المتوسطي؛
-
ومن دون إدراك المخاطر البيئية الكبرى والمشتركة التي تحيق بكل شعوب المنطقة وتهدد حتى حضاراتها بالانقراض (كما حذّر مؤخرًا مسؤول إيراني)؛
-
ومن دون التكامل الإقليمي لمواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي وباقي تقنيات الثورة التكنولوجية الرابعة، التي تهدد الآن كل مكوّنات المنطقة في مجال البطالة الأسطورية الزاحفة، وقرب انتهاء دور الأرض الزراعية الإنتاجي، وتغيير طبيعة الإنسان نفسه (هذا إذا بقي الإنسان)؛
من دون كل هذه العوامل، لن تكون كل مشاريع التقسيم والفيدراليات سوى مفارقة تاريخية (Anachrony) سرعان ما سيتبدد مفعولها كزبد البحر، في عالم يسير نحو قطيعة كاملة مع تاريخه الممتد لعشرة آلاف سنة، أو ستسفر هذه المشاريع عن حروب طائفية–إثنية دائمة ومطلقة تشرف عليها حركة صهيونية معادية (حرفيًا) لمفهوم الحياة، ومتحالفة مع عولمة تكنو–رأسمالية لا قلب لها ولا روح ولا ضمير.
