زمن التفاهة: حين يصبح الجهل مهنة وتسقط الصحافة

تذكّرك التقارير الحديثة أن مهنتك التي عشقتها، أو ربما أدمنتَها، والتي دفعت أثمانًا كبيرة لتبقى على هامشها إن لم تستطع أن تكون في قلب مشهدها، إنها في طريقها إلى الانقراض، أقلّه بصيغتها التي عرفناها. ليس لأن العالم لم يعد بحاجة إلى الصحافة، بل لأن الإعلام، عبر سنوات طويلة، وفي محاولاته للبقاء وعدم الانقراض وسط أمواج كبيرة من عالم يتحوّل إلى التكنولوجيا الحديثة السريعة جدًا، حوّل المتلقي إلى وسائل التواصل ليتلقى الخبر أثناء وقوعه، لا لينتظر حتى موعد صدور الجريدة أو نشرة الأخبار على محطتك المفضلة. هنا يأتي الخبر سريعًا في بضع كلمات أو سطر، وبعدها تعود لما كنتَ أنت فيه من أعمال أو واجبات، أو حتى لفضاءات واسعة لرجال ونساء برزوا فوق زبد وسائل التواصل، بأسماء وتعريفات، لينشروا أي شيء وكل شيء، وكثير منه لا يحمل سوى التسطيح والبلاهة.

لم تسقط الصحافة فقط بسبب سرعة تكنولوجيا التواصل على اختلافها، بل لأنها، ومعها الإعلام، تحوّلت إلى أدوات في يد من يملك أو يسيطر على صناعة أو صياغة أو تحديد ما هو الخبر، وما هو التحقيق أو الاستقصاء. صحافة وإعلام معلبان، مكرران، مثلُهما مثل علب البسكويت أو الشوكولاتة أو الشيبسي على أرفف السوبرماركت، عابران للحدود!

***

في زمن التفاهة، لم يعد الجهل عائقًا أمام الشهرة، بل صار جسرًا إليها. فجأة، ينتشر من يعلّمك ماذا تقرأ وكيف تقرأ، ومن ينصحك كيف تحافظ على صحتك، وكيف تشفى من أمراضك، وكيف تعالج اكتئابك، وكيف تنقذ زواجك، وكل ذلك في دقائق معدودة، وكأن المعرفة، رغم أنها كثيرًا ما لا تكون علمية، تُختزل في وصفات معلبة تُبتلع على عجل. لا حاجة للكتب، ولا للتراكم، ولا للشك؛ كبسولة واحدة تكفي.

***

في مقطع مصوَّر، يقف أحدهم داخل مسجد الرفاعي في القاهرة ليُعلن لمتابعيه «خبرًا جديدًا» لم يعرفه العالم من قبل: شاه إيران مدفون هنا. يقولها، أو تقولها، بنبرة اكتشاف مذهل، وكأنها تصرخ: «وجدتها، وجدتها!» وكأن كتب التاريخ، والباحثين، والأرشيف، لم يمرّوا من هنا قط. وحين يصبح الجاهل صاحب منصة، ويُمنح أتباعًا أو «مريدين»، يتكفل هؤلاء بنشر المقطع، فتنتشر قلّة المعرفة، لا بوصفها خطأ عابرًا، بل كحقيقة بديلة، مرفقة بثقة عالية، وصوت جهوري، وبعض من مساحيق التجميل، حتى للرجال!

***

هكذا تُعاد تدوير الأخبار القديمة باعتبارها اكتشافات، وتُقدَّم التفاهة على أنها تبسيط، ويُسوَّق الجهل بوصفه قربًا من الناس. مؤثّرون، ومقدّمو بودكاست، وحوارات على يوتيوب، يعيشون على فتات اقتصاد هش: اقتصاد التفاهة. صناعة كاملة لا تنتج معرفة، بل تستهلك الانتباه، وتزرع مفردات جديدة، ومعايير هشة، وتطبع العقول على الاستسهال. قامت التكنولوجيا والتطور الحديث بفتح أبواب واسعة لكل «محظوظ» يحمل جهازًا ذكيًا فقط لا غير. وسمحت وسائل التواصل الاجتماعي، عن قصد أو دون قصد، لفرق كاملة، بل لجيوش من الحمقى — أو ربما ليسوا جميعًا كذلك، بل أنصاف متعلمين وباحثين عن الشهرة أو عن وظيفة في وقت أصبحت البطالة فيه أكثر انتشارًا من رغيف الخبز — بأن يسترسل بعضهم في ثرثرة بلا توقف، وينشروا الأوهام، ويقدّموا المسكنات بدل الفهم. وهي مسكنات تلائم إيقاع حياة سريعة، يركض فيها البشر خلف معرفة فورية، بلا صبر، ولا سياق، ولا مساءلة. حتى الصحة لم تسلم: مرضك له حل سريع، ونفسيتك لها وصفة جاهزة، وأوجاعك تُختصر في فيديو مدته دقيقة. هي أيضًا ثقافة الاستسهال، والربح، والشهرة السريعة.

***

ولم يكتفوا بالدواء والغذاء وغيرها، بل ظهرت مهنة جديدة اخترعوها عبر وسائلهم السريعة، وهي «اللايف كوتش»، ليعلّمك كيف تعيش، وكيف تتعايش مع مشاكلك العائلية والنفسية والوظيفية واليومية، دون أن يسألك عن جذورها أو عن البنى التي صنعتها. نصائح عامة، لغة تحفيزية، ووعود فارغة، تُباع بوصفها خلاصًا فرديًا في عالم يرفض الاعتراف بمسؤولياته الجماعية. وبالطبع، مع انتشار واسع لعلماء أو دارسي علم النفس على أيدي أساتذة ومعلمين بيض، وكأن العالم بأكمله هو همّهم!

***

لسنا أمام موجة عابرة، بل أمام مشهد كامل تُدار فيه حرب صامتة: حرب على المعنى، وعلى المعرفة، وعلى الحق في السؤال. حرب لا تُقصي العاقل فقط، بل تُشيطنه، وتُقدّم البلادة بوصفها خفّة، والتفاهة بوصفها قربًا من الناس. وربما هنا يكمن الخطر الحقيقي: حين يصبح الجهل ذا مكانة، ويُكافأ بالانتشار، ويتحوّل إلى سلطة ناعمة لا تحتاج إلى قمع، لأن الضجيج وحده كافٍ لإسكات كل ما عداه. بل حين يحاول بعض العقلاء أو أصحاب المهنة الأصليين من الإعلاميين والصحفيين أن يمارسوا مهنتهم، يكون مصيرهم — كما الكلمة الصادقة — الزنازين أو المحاكم الصورية، حتى تُغلق كل الأبواب في وجه الخبر أو المعرفة الحقة في زمن التفاهة.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  مصر وصندوق النقد.. الأثمان بالأمس وغداً
خولة مطر

كاتبة من البحرين

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  أنا المُستعمِر.. المُستعمر أنا!