لكل “دولة وظيفية”.. وظيفتها!

مضت شهور على ثورة العام 1958 في لبنان، قبل أن يُقرّر الأميركيون التدخل عسكرياً لمصلحة الرئيس كميل شمعون. وعندما نزلت طلائع قواتهم في الخامس عشر من تموز/يوليو، في شاطىء منطقة الأوزاعي جنوب العاصمة اللبنانية، انبرى أحد الصحافيين لمخاطبة قائد القوة الأميركية: ألم تأتوا متأخرين؟ فأجابه ضابط "المارينز"، حسب الرواية السياسية المتداولة: ألم تسمع بما جرى أمس في العراق؟

في الرابع عشر من تموز/يوليو 1958 وقع انقلاب في العراق قاده عبد الكريم قاسم، وتمكن من إسقاط النظام الملكي الهاشمي الحليف للأميركيين هناك. حدثٌ تسبب بصدمة كبرى في واشنطن، لأنه بدا امتداداً لصعود التيار الناصري. بعد يوم واحد فقط، أنزل الأميركيون قواتهم على شاطئ الأوزاعي قرب بيروت، في استجابة متأخرة لطلب شمعون؛ الزعيم الماروني الذي كانت تُنسب إليه عبارة مفادها أن من يريد فهم ما يجري في لبنان والمنطقة، عليه أن يراقب العراق، لأن أي حل إقليمي ينطلق من النموذج العراقي.

لا أسوقُ هذا المثل اللبناني للتوغل في تفاصيل مجتمع تنخره فوضى الطائفية والفساد والسلاح والاحتلال والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، بل للقول إن لبنان مرتبط بنيوياً بإيقاع الإقليم. ففي فترات الاحتدام الإقليمي تتحول عاصمته الى مرآة للصراعات، وفي لحظات التهدئة تصبح بيروت أول مختبر للتسويات. من هنا لا يعود السؤال عن غياب الدولة أو ضعفها في لبنان، بل كيف يصبح الإقليم شريكاً في صناعة السياسة اللبنانية وتحديد أولوياتها، وهذه الظاهرة ليست لبنانية خالصة. لكنها بلغت في لبنان درجة متقدمة جعلت هذا البلد النموذج الأكثر اكتمالاً لما يصطلح تسميته بـ”الدولة الوظيفية”.

***

لا تُصنَّف الدول في علم السياسة وفق حجمها الجغرافي أو عدد سكانها فقط، بل وفق موقعها في النظامين الإقليمي والدولي، والدور الذي تؤديه داخل شبكة التوازنات المحيطة بها. هناك دول تُعدّ “مرتكزات” في النظام الإقليمي، وهي دول تنتج التوازنات وتفرض إيقاعها على محيطها. في المقابل، ثمة دول “وظيفية”، لا تصنع التوازنات بقدر ما تستوعبها وتتحول إلى مسرح تتجلى فيه نتائج الصراعات أو التسويات الخارجية.

يُستخدم مصطلح “الدولة الوظيفية” في الأدبيات السياسية بأكثر من معنى. فقد عرّفه المفكر المصري عبد الوهاب المسيري بأنه الدولة التي تُنشأ أو يُعاد تشكيل دورها لخدمة وظيفة استراتيجية ضمن محيطها الإقليمي أو الدولي. بينما تناولت المدرسة الوظيفية في العلاقات الدولية، ومن أبرز منظريها ديفيد ميتـراني، مفهوم “الوظيفة” من زاوية التعاون بين الدول والمؤسسات. في هذا السياق، لا يقصد بالدولة الوظيفية أيًا من هذين المعنيين حرفيًا، بل الدولة – المرآة التي تتحول، بحكم موقعها الجيوسياسي وتركيبتها الداخلية، إلى ساحة تتجسد فيها توازنات الإقليم وصراعاته، فتتلقى سريعاً آثار الصراعات عندما تحتدم.. وثمار التفاهمات عندما تكتمل.

هذا التوصيف يفضي إلى دلالة سياسية مهمة لكل لاعب إقليمي يطمح إلى لعب دور في النظام الإقليمي. إذ لا يكون التعامل مع “الدولة الوظيفية” قائمًا على ردود الفعل. “الدولة الوظيفية” تستقطب النفوذ لا الأوامر. والنفوذ يبنى على استراتيجية تراكمية طويلة النفس تتكيف مع طبيعة المرحلة الإقليمية. فعندما يكون الإقليم في مرحلة تنافس، يصبح الرهان الأساسي على بناء التحالفات المحلية وتعزيز الحضور داخل المؤسسات وترسيخ النفوذ الاجتماعي والسياسي.

أما عندما يدخل الإقليم في مرحلة تهدئة أو تسويات، فإن الأولوية يجب أن تنتقل من تثبيت المواقع إلى بناء الجسور مع الخصوم. فالاستقرار يخلق فرصًا لا تنتجها المواجهة، ويفتح الباب أمام تسويات كانت مستحيلة في زمن الاستقطاب. والسياسي الذي يواصل إدارة مرحلة الاستقرار بعقلية الصراع يفقد الفرصة التاريخية التي توفرها التسويات. كما أن السياسي الذي يتصرف في زمن المنافسة بعقلية المصالحات غالبًا ما يخسر أدوات القوة التي يحتاج إليها.

***

لا يتحقق النجاح في “الدولة الوظيفية” عبر سياسة ثابتة. لا بد من مرونة في الحركة وقدرة على تغيير الأدوات من دون تغيير الهدف. المشروع الاستراتيجي يبقى واحدًا لكن وسائل تحقيقه تتبدل وفق حركة الإقليم. الفرق ليس في حجم القوة. من يصنع الفرق هو القدرة على قراءة المرحلة وتعديل الأولويات في الوقت المناسب.

ولعل التحدي الأكبر لا يكمن في تغيير طبيعة “الدولة الوظيفية”. التحدي هو في تحديد نوع الوظيفة التي تؤديها. فالدولة التي تستقبل الحروب ليست كالدولة التي تستقبل الاستثمارات، والدولة التي تصبح ساحة للمواجهات ليست كالدولة التي تتحول إلى مركز للاقتصاد والخدمات. وبين هذين النموذجين يتحرك لبنان منذ عقود، مرةً حاملاً أعباء صراعات الآخرين، ومرةً أخرى مستفيدًا من توافقاتهم. ولهذا، فإن فهم طبيعة “الدولة الوظيفية” هو مفتاح لفهم تاريخ لبنان والعراق واليمن وليبيا والسودان، وربما مستقبل عدد من دول الشرق الأوسط التي قد تجد نفسها، بفعل موقعها الجغرافي وتركيبتها السياسية، تلعب الدور نفسه.

***

“الدولة الوظيفية” تتشارك سمات معينة أينما وجدت، وأبرزها أنها تتحول في أوقات المنافسة الإقليمية إلى المكان الذي يفرز فيه الإقليم أسوأ ما لديه. فالتنافس لا يبقى سياسيًا فقط، بل ينتقل إلى مستويات أكثر خطورة مثل سباقات التسلح، والتعبئة المذهبية، والحروب الإعلامية، وتمويل الجماعات المسلحة، وظهور المنظمات العابرة للحدود، واستخدام الاقتصاد والمال كسلاح في الصراع. “الدولة الوظيفية” لا تنتج هذه الظواهر من تلقاء نفسها، بل تصبح البيئة القادرة على استقطاب الصراعات الخارجية، ولذلك، تبدو أحياناً أزماتها داخلية في الشكل، بينما تكون جذورها مرتبطة بميزان القوى الإقليمي.

إقرأ على موقع 180  عن زمانٍ اسمه طلال سلمان

لكن هذه الصورة ليست قاتمة دائمًا؛ فالخاصية نفسها التي تجعل “الدولة الوظيفية” تستوعب أسوأ ما في الإقليم أثناء الصراع، تجعلها أيضًا تستوعب أفضل ما فيه عندما يسود الاستقرار. فعندما تنخفض حدة المنافسة، تتحول الساحة الوظيفية إلى مركز جذب للمواهب والاستثمارات والطاقات البشرية، ويبدأ الإقليم بتصدير عناصر القوة الناعمة إليها بدلًا من أدوات الصراع. لهذا الرهان الحقيقي ليس على إنهاء صفة “الدولة الوظيفية”.. الرهان هو على تحويل الوظيفة من استقبال الصراعات الى استقبال الفرص. فالدول الوظيفية لا تختار لحظتها لكنها تستطيع ان تحسن استثمار اللحظة الإقليمية التي تفرض عليها. وإذا كان لبنان قد أمضى العقدين الماضيين في استقبال الحروب وارتداداتها فان المرحلة التي يدخلها الشرق الأوسط اليوم تعيد تعريف الوظيفة وليس الدولة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
طارق زيدان

كاتب سعودي

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الأنا المتضخمة.. مرض الفرد والمجتمع