بل يُمكننا أن نَتجاوزَ ونُخاطرَ قليلاً (وليس كثيراً) فنقول: إنّ جوهر أو أساس هذا “الحبّ” المقصود.. هو فكرة أو مفهوم (أو وهم، كما سنرى).. “الحبّ المشروط”. فحواسّك وغريزتك المشتركة مع عالم الحيوان عموماً، وعواطفك/مشاعرك، وأفكارك البدائيّة – على العموم إذن: تميل ميلاً تلقائيّاً – أو شبه تلقائيّ – إلى أن تُحبّ فُلانةً أو فُلاناً، بشرط أن تُحبّك فُلانةٌ أو أن يُحبّك فُلان.. أو بشرط أن تنال كذا أو كذا، من اللّذّة أو من المنفعة المادّيّة أو المعنويّة، وما إلى ذلك من مُقابل واعٍ أو لا-واعٍ (بما في ذلك، ما تستحسنه المجتمعات المتمدّنة عادةً من زواج ومن استئناس بالمعاشرة اليوميّة ومن إنجاب ومن بناء أُسر.. وما إلى ذلك أيضاً).
ومن مثل هذا، كذلك، أن تحبّ فلانةً أو فلاناً مع شرط ضمنيّ، غير واقعيّ بل ووهميّ كما سنرى: وهو “ثبات” أو “عدم فناء” أو “عدم تغيّر” فُلانةٍ أو فُلان.. أي “بقاء” فُلانةٍ أو فُلان لا سيّما من زاوية كونهما شكلاً، أو نمطاً، أو جسماً، أو تصوّراً (مُعيّنة جميعها).. إلى ما هنالك من تصوّرات تبنيها الحواسّ بمساعدة الذّهن والمشاعر (راجع ما سيلي أيضاً).
ومن خلال هذا التّجاوز المفاهيميّ، أو من خلال هذه المخاطرة المفاهيميّة (الصّغيرة واقعاً) التي قُمنا بها للتّوّ: يُمكننا أن نرى بوضوح أنّنا ندخل في صلب، بل وفي عمق الموضوع العجيب الخطير هذا.
فأن تُحبّ فلانةً بنتَ فلان، على أن تُحبّك (أو بشرط أن “تبقى” الفلانة تلك كما رأينا؛ أو أن تناسب تصوّرك الذّهنيّ للكمال؛ أو بشرط أن تنال “أنت” كذا أو كذا منها أو من غيرها، بما في ذلك وعد الزّواج وبناء الأسرة وما إلى ذلك كما أشرنا أيضاً): لَمَوقفٌ خطيرٌ جدّاً، وله تداعياتٌ محتملة (وشائعة) خطيرة، وقد تكون من النّوع “القاتل” لك أو لكما.. بل ومن النّوع القاتل ذبحاً، أو تقطيعاً، أو صلباً على الأخشاب المعنويّة غالباً.
-هل نُوصّف شيئاً جديداً بالنّسبة إلى الحياة الانسانيّة؟ لا أعتقد أبداً: فكم من عاشق “مقتول” في تراثنا البشريّ، وحولنا، وفي حياتنا الخاصّة؟
-كم من مُحبّ مقتول، لا من أهل الظّاهر كما في حالة الحبّ الالهيّ الصّوفيّ، بل مقتول من قبل “الحبيب” نفسه؟
***
-كم من مقتولٍ بيننا.. بسيف “الحبيب” نفسه؟
-كم عدد جرحى ومعوّقي وقتلى ومفقودي وأسرى.. هذا النّوع من الحبّ حولنا.. بدءاً من أنفسنا؟
قبل أن نتزوّج بشكل خاصّ، أي قبل أن نبنيَ مشروعاً عقلانيّاً ومؤسّساتيّاً ما، يؤطّر هذا النّوع من الحبّ في أغلب الأحوال (إن وُجد أصلاً، لكن، هذا بحث آخر)..
-كم مرّةً عشنا وربّما نعيش حالات الذّبح، والتّقطيع، والصّلب، والحرق أحياء هذه.. لا سيّما من قبل من “نُحبّ” نفسه؟
-كم مرّة أحببنا سرّاً أو جهراً، فعشنا معاناة عدم تحقّق شرط.. الحبّ المُقابل؟ أو عشنا معاناة اكتشاف “التّغيّر” و”التّبدّل” و”الفناء”؟
-كم مرّة عشنا معاناة اكتشاف زيف هويّة.. من أحببنا، كما تصوّرناها في ذهننا؟ كم مرّة؟
-كم مرّة أحببنا بهذه الطّريقة، فهَجَرَنا الحبيبُ فجأةً كالظّبية الشّاردة.. أو قرّر هذا الحبيب، في الغالب فجأةً أيضاً، أن يتحوّل إلى عبارة عن وحشٍ قاتلٍ ذابحٍ صالبٍ حارقٍ قاطعٍ مُعذّبٍ مُخيف؟
-كم مرّة كنّا نعتقد أنّنا “نُحبّ”.. قبل أن نكتشف أنّنا في الحقيقة إنّما بتنا نعيش أعلى درجات الكراهية تجاه هذا “الحبيب” نفسه؟
-كم مرّة نظرتَ إلى هذه المخلوقة أمامك، والتي كنت تراها كالغزالة المضيئة لغابة حياتك، أو كوردة حمراء – منتصبة ومائلة معاً – من ورود جنّتك الدّاخليّة.. فتشعر بأنّك إنّما بتّ أمام امرأة ظالمة أو مستبدّة أو قاتلة؟
-كم مرّة صحتَ في داخلك: كيف تقتلُ تلك الورود، ذات النّواعم العذبة من الخدود؟ كيف؟
-كم مرّة نظرتَ إلى نفسك وهذه الغزالة المتوهَّمة أمامك.. فقلت لنفسك: كيف تَسفكُ غزالةٌ كهذه دماً يُحبّها كهذا الدّم؟ أيّ نوعٍ هو هذا النّوع من الغزلان؟ أيّ نوع؟
-لماذا تسفكين دمي يا أيّتها الزّهرة الوديعة بهذه الطّريقة؟
-لماذا يحلو للحبيب سفكُ الدّماء بهذه الطّريقة؟ أما من طرق أخرى؟
-لماذا حصل الذي حصل، وبهذه الطّريقة؟
-لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟
-لماذا تجنّون وتنقلبون فجأة؟ لماذا تهربون فجأة؟ لماذا ترحلون فجأة؟ لماذا تختفون فجأة؟ لماذا تؤذون؟ لماذا تظلمون؟ لماذا تقتلون؟ لماذا تدوسون كلّ شيء بأقدامكم وتمشون بهذه الطّريقة؟
-أما من طُرقٍ أخرى؟
-حقّاً.. لماذا قد يؤدّي هذا النّوع من “الحبّ” عموماً.. إلى هذه المعاناة الشّديدة وإلى هذا الظّلم – الظّاهر – الفظيع؟
-لماذا؟
***
بعيداً عن أدوات وتجلّيات الشّعر والعاطفة، وضمن إطار ما نحاول التّعمّق فيه والكتابة عنه عادةً، أعتقد أنّ الاشكاليّة الخطيرة هذه يُمكن اختصارها بالنّقاط التّالية، مع التّذكير بأنّها اشكاليّة أساسيّة بالنّسبة إلينا كبشر من جهة، ومتعلّقة بأسباب أو عوامل معاناتنا – الرّئيسيّة – في هذه الدّنيا عموماً من جهة ثانية:
- كما نُكرّر عادةً، ومع التّبسيط: الحقيقة، أو الواقع الحقيقيّ، هو أنّنا كموجودات – جميعنا – واحد. الانفصال، أو الفصل، أو حتّى الكثرة.. هي وهم بالنّسبة إلى وعينا الأزليّ (أو إلى روحنا كما تُعبّر بعض الأديان). وبالتّالي، فما نسميّه حبّاً: هو في أساسه أو في قلبه.. تجلّ للقوّة الوجوديّة أو الادراكيّة اللّا-متناهية.. التي تُجبرنا عمليّاً وبشكل مستمرّ وأزليّ، على “العَودة”.. إلى الواحد، إلى الواحديّة (بل إلى الأحديّة كما سنرى في ما يلي).
- الأرواحُ إذن، إن شئت التّعبير كذلك: تعيش، في حقيقة الأمور، ضمن الواحديّة. كلّ شيء عندها وفي نظرها وفي وعيها.. واحد. هذه طبيعتها الحقيقيّة، وهي مضطّرة واقعيّاً للعودة إليها مهما كان شكل أو نمط الحجاب أو الغطاء الذي قد تقع ضحيّة لهما.
- ومن الواضح الجليّ بالنّسبة إلى الكثيرين من أهل التّجربة والتّأمّل والتّفكّر والوارد: أنّ كلّ روح، إنّما لها معشوق حقيقيّ.. واحد. هو “الواحدُ” بل “الأحدُ” نفسه: أي الوجود الكامل؛ ذو الوعي الكامل؛ وذو المحبّة الكاملة المطلقة؛ وذو الجمال المطلق.
أي: هُ-و. أو: الحبيبُ، هُ-وَ.. لا غيره ولا سواه ولا معه ولا مثله.
- ولكن، في العالم الذي نعيش فيه هنا، أو في هذا البُعد الذي نحن عالقون فيه عمليّاً حتّى الآن: فجسدنا/دماغنا، ومشاعرنا/دماغنا، وأفكارنا/دماغنا/ذهننا.. تَفصلنا؛ تُبعدنا؛ تَحجُبنا عن هذه الحقيقة العميقة والمُتعالية.
- لذلك، فالرّوح تبحثُ عن الحبيب الحقّ، هُوَ.. ولكنّ الجسد والدّماغ والذّهن توهمها على الدّوام، وكأنّ الأشكال والأنماط الفانية – أي مثلاً، مع التّبسيط، هذه الفتاة أو هذا الفتى – هي “الحبيب” الحقيقيّ. توهمها بأنّ هذا الحبّ الذي بدأنا به.. هو الحُبّ الحقيقيّ.
- كروح، وفي حقيقة الأمور، ولأنّ الأرواح جميعها ضمن الواحد إذن: فقد تكون “فُلانةٌ” هي “الحبيب” الحقيقيّ، بشكل أو بآخر. ولكنّها، كجسد/ذهن/شخص/إنّيّة Ego، أي كشكل أو كنمط فانٍ ومُتوهَّم الانفصال: ليست كذلك. باطنها كذلك إن شئت.. لكن ليس ظاهرها. مضمونها الأزليّ كذلك.. لكن ليس شكلها الفاني.
والجسد والدّماغ والذّهن والأنا (Ego) تميل إلى ايهامك، على الدّوام وبإصرار، بأنّها كذلك: فتتوهّم، كأغلب البشر، لا سيّما في أوقاتِ حجاب قويّة مُعيّنة.. وكأنّ هذه “الانسانة” أو هذا “الانسان” هما، في ظاهرهما، ما تطلبه روحك الأزليّة.
وليس هذا، في الحقيقة، الحبيب المطلوب في بواطن الأمور.
وليس هذا، في الواقع الحقيقيّ، هو الحبّ.
ومع التّبسيط والايجاز، فعندما يُدرك الطّرفان أو أحد الطّرفين.. أنّ “الحبّ” الميّت حتماً إنّما قد مات؛ أو عندما يتنبّه إلى أنّه ميّتٌ أصلاً؛ أو إلى أنّه إنّما أمام وهمٍ في وهمٍ وسرابٍ في سراب؛ أو إلى أن ليس هناك “المقابل” المنتظر أو المتوقّع على اختلافه.. فقد يقع كلاهما أو أحدهما..
في جنون مفاجئ، أو في أزمة عميقة، أو في معاناة شديدة قد تبدو غير مَحمولة.
فما الحبيب، يا سيّدتي ويا سيّدي، هو الحبيب. ولا هذا الحُبّ هو الحُبّ.
قد يكون علينا أن “نُحبّ” بشكل مُختلف.. لكي لا تكون فتنة ولا ذبح ولا جرح ولا معاناة.. أو، لكي لا تكون هناك معاناة لا تُساعد على التّخلّص من الذّات الفانية، للاقتراب من معرفة الذّات الباقية. فحتّى من فهم معنى الحبّ، مثل سلطان العاشقين وأمير المحبّين، ابن الفارض الحمويّ المصريّ.. حتّى هو يُحذّر من عدم (توهّم) ذهاب المعاناة عمليّاً، مع التّمييز بين مُعاناة ومُعاناة، فيقول:
هو الحُبُّ: فاسلمْ بالحشا، ما الهَوى سهلُ
فما اختارَهُ مُضْنىً بهِ… ولهُ عقْلُ! (…)
نصحْتُكَ عِلماً بالهَوَىْ، والذي أرىْ
مخالَفَتي، فاخترْ لنفسكَ ما يحلوْ
فإنْ شئتَ أن تحياْ سعيداً.. فمُتْ بِهِ،
شَهيداً، وإلاّ… فالغرامُ لهُ أهْلُ!
