تحليل إحصائي لأسماء اللبنانيين.. من هم الأكثر شيوعاً؟

تتعدّد التحليلات التي ترافق صدور لوائح الناخبين (لوائح الشطب) قبل كل مناسبة انتخابية في لبنان، سواء تمت أم لم تتم. فبعَيد كل انتخابات بلدية أو نيابية تسعى جهات متعدّدة للحصول على هذه اللوائح لدراستها وتمحيصها، من قبل مرشحي المقاعد البلدية في القرى والبلدات، وصولًا إلى رؤساء الكتل في أكبر الدوائر الانتخابية النيابية. كما أن الباحثين، مؤسسات وأفرادًا، يبادرون للحصول عليها، وتحليل الأرقام الموجودة فيها، كلٌّ حسب حاجته وتطلعاته.

تُركّز معظم تحليلات لوائح الشطب على توزّع الناخبين حسب العائلة (اسم الشهرة)، الدوائر الانتخابية، الدين والطائفة. إلا أن هناك كنزًا لم يخطر على بال كثيرين التطرّق إليه، ويتعلق بتوزّع اللبنانيين وفق اسم العلم.

اسم العلم معطىً اجتماعي بالمعنى الميكروي. لا ينشأ من الفرد نفسه، إلا في ما ندر، بل يُمنح له من قبل الأهل والمجتمع. هكذا، فوفقًا للمفهوم الدوركايمي، هو سابق على الفرد، ويمارَس عليه بنوع من الإلزام. هو مؤسسة اجتماعية، حين ندرك أن التسميات هي نظام قائم بنفسه له مجموعة معايير وأدوار تساهم في تنظيم “الاجتماعي”. فالتسمية، كمعطىً اجتماعي، تحمل تطلّعات المجتمع (الأسرة والعائلة) وقيمه وجمالياته، وتعبر عن عاداته وتقاليده. أما التسمية، كمؤسسة اجتماعية، فتمارس دورًا في التنظيم الاجتماعي من خلال القواعد القانونية للتسجيل المدني، والأعراف العائلية، والدلالات الدينية، والثقافية، والآليات الرسمية للاعتراف والتعريف بالهوية.

هكذا، يتحوّل الاسم من مجرّد كلمة إلى ناظم للهوية والانتماء وأنظمة القرابة. ولتقريب كل هذا يمكن أن نقول إن الاسم مثل “زيد” أو “عبيد” هو معطىً اجتماعي ينشأ من المجتمع الأكبر، ويعبّر عنه المجتمع الأصغر (الأسرة والعائلة) عاكسًا القيم والعادات المتبناة. أما نظام التسمية قهو أشمل من ذلك بحيث يتكوّن من معايير ووظائف تساهم في تنظيم الهوية والانتماء الاجتماعي.

وعليه، نميل من خلال هذا التقديم، وعلى عكس ما ذهب إليه جون ستيوارت ميل[1]، إلى اعتبار أن الاسم يخبرنا عن الشيء أو الغرض، وهو هنا الإنسان. ولا يكتفي بتحديده أو تمييزه عن غيره، لنصبح هكذا أقرب للتعريف السوسيولوجي، بحيث يصبح كما يشير غوفمان إلى نتاج للتفاعل اليومي، وعملية تقديم الذات للآخرين، ليتحوّل الاسم إلى بطاقة هوية اجتماعية، وأداة لتحديد الموقع داخل الجماعة، بالإضافة إلى ما تصبغه على الأسماء بأن لها وظائف ثقافية ودالّة على الهوية، وبخاصة عندما تحمل دلالات تاريخية ورموزاً حضارية و/أو دينية كأسماء القديسين والأنبياء والفاتحين والأعلام.

نسعى في ما نكتبه هنا إلى تكميم الاسم وتحويله إلى معطى إحصائي يمكن قياسه ومقارنته[2]، وفق عدد من المتغيرات منها الجنس والعمر وسنة الولادة والطائفة والدين. تتيح هذه المقارنات الإحصائية إلى اكتشاف خصائص نظام التسميات في لبنان على صعيد ماكروي بحيث يعمل التحليل على أكثر من 4 ملايين فرد. وهذا ما يعطي تفرّدًا لهذه السلسلة من المقالات التي نبدأ فيها اليوم بعرض خصائص الأسماء عند الذكور والإناث.

الخصائص الديموغرافية للناخبين اللبنانيين

يبلغ عدد الناخبين اللبنانيين المسجلين عام 2026 ما مجموعه 4285508 ناخب. يتوزّع الناخبون بطريقة شبه متساوية بين الإناث والذكور، بحيث تبلغ نسبة الذكور بينهم 49.2%. أما نسبة الإناث فهي 50.8%.

تنتمي غالبية الناخبين إلى محافظة جبل لبنان بنسبة 22% من المجموع. وهذا يشكّل تناقضًا واضحًا مقارنة بنسبة السكان. إذ تحتوي محافظة جبل لبنان على 43% من سكان لبنان، ما يعني أن معظم سكان محافظة جبل لبنان هم من خارج المحافظة. أما على صعيد الأقضية فإن أعلى نسبة للناخبين في سجل نفوسها هي بيروت بنسبة 12% من المجموع. أقل عدد ناخبين موجود في محافظة عكار بنسبة 7.9%. أما أقل قضاء يحتوي على عدد ناخبين فهو قضاء حاصبيا حيث تبلغ نسبة الناخبين من المجموع 1.3%.

على صعيد الانتماءات الدينية والطائفية، بلغت نسبة المسيحيين بمختلف طوائفهم 33.8% من المجموع، أما على صعيد التوزيع الطائفي، فتأتي نسبة الشيعة والسنّة متقاربة للغاية حيث تبلغ 29.9% للشيعة و29.7% للسنة، بينما بلغت 19.3% للموارنة و6.5% للروم الأرثوذكس و5.5% للدروز. نشدّد هنا على أن هذه النسب لا تعكس واقع التوزع الطائفي لمجموع السكان، لسببين أساسيين: الأول، أن هذا التوزيع هو فقط للناخبين، أي من أتموا الـ 21 من العمر. أما السبب الثاني، فهو في كون ما يقارب الـ 20% من مجموع الناخبين لا يقيم بشكل دائم على الأراضي اللبنانية.

توزع الأسماء في لبنان

يتوزّع مجموع الناخبين (وعددهم 4285508 ناخبًا) على 178455 اسمًا مختلفًا، وذلك عند الذكور والإناث، أي ما معدله 24 فرداً للاسم الواحد. هذا لا يعني أن الناخبين موزعون بالتساوي على هذه الأسماء، بل على العكس. إذ يتوزّع 672139 ناخبًا على أكثر 10 أسماءٍ تكرارًا، أي ما نسبته 15.7% من الناخبين. كما أن أكثر من نصف الناخبين يتوزعون على 158 اسمًا فقط، أي أن أكثر 158 اسمًا هي أسماء العلم لـ 2146586 ناخبًا. أما النصف الثاني من الناخبين، فيتوزّعون على ما يقارب 65500 اسم مختلف. أكثر الأسماء تداولًا بين مجموع الناخبين هو “محمد” بنسبة 3.52% من المجموع. (راجع الجدولين أعلاه من 1 إلى 158)

إقرأ على موقع 180  العراق: لا دواء للحراك.. إلا بالحوار مع الشارع

2-1 أسماء الذكور

عند توزيع الأسماء بين ذكور وإناث، يتبين أن اسم “محمد” هو أكثر الأسماء تداولًا عند الذكور، وذلك بنسبة 7.2% من مجموع الأسماء عند الذكور. كما أن الأسماء الـ 10 الأكثر تداولًا يُسمّى بها أكثر من 28% من الناخبين الذكور. أما بالنسبة لأهم خصائص أسماء الذكور، فنشير إلى ما يلي: تتوزّع أسماء الذكور على 75853 اسماً مختلفًا، أي ما معدله 27.8 فردًا لكل اسم عند الذكور. كما أن نصف الذكور يطلق عليهم واحد من 43 اسمًا فقط، أو بمعنى آخر، فإن 1.045 مليون ناخب يتوزّعون على 43 اسمًا بينما يتوزع الـ 1.045 مليون الآخرون على ما يزيد هن 75800 اسم آخر. يدل هذا الأمر على تركز أسماء الذكور وتكرارها.

عند دراسة الـ 100 اسم الأكثر تكرارًا عند الذكور، يتبين معنا أن 39 اسمًا منها تحمل دلالات دينية: 13 اسماً يحمل دلالة دينية إسلامية، و19 اسماً يحمل دلالة دينية مسيحية، و7 إسماء تحمل دلالة دينية مشتركة. يتبيّن أيضًا أن 9 أسماء فقط من المئة الأكثر تداولًا هي أسماء أجنبية (المعنى الأجنبي لاسم أحد القديسين). بينما كل الأسماء المتبقية أسماء عربية ومعظمها أسماء لا تحمل دلالة دينية.

2-2 أسماء الإناث

تبرز بعض الاختلافات في توزيع الأسماء بين الذكور والإناث. يكمن الاختلاف الأول في عدد أسماء الإناث التي تبلغ 106655 اسمًا مختلفًا. أي أن معدل توزع أسماء الإناث هو 20.5 ناخبات لكل اسم. أكثر الأسماء تداولًا عند الإناث هو فاطمة بنسبة 2.9% من مجموع الأسماء. إلا أن نسبة الإناث اللواتي يتوزعن على الأسماء الـ 10 الأكثر تكرارًا هي 12.8%، والأسماء التي يتوزع عليها نصف الناخبات تبلغ 138 اسماً. بالنسبة للأسماء ذات الدلالات الدينية فإن 8 من الـ 100 الأكثر تداولًا هي ذات دلالات إسلامية، و3 أسماء ذات دلالات مسيحية، واسمين بدلالات دينية مشتركة. أما الأسماء الأجنبية فبلغت 8 من الـ 100 الأكثر تداولًا.

الإسم بين الذكور والإناث

لا تعتبر الاختلافات أعلاه وليدة مصادفات، بل هي نتيجة الموروثات الثقافية اللبنانية. فتوزّع الأسماء عند الإناث أقل تركّزاً من الذكور. وهذا يعكس ذهنية التعامل مع اسم الأنثى واسم الذكر. فالذكر يحمل بالتوارث أسماء الأسلاف. فالذكر هو المسؤول عن استمرارية العائلة من خلال تكرار أسماء الآباء والأجداد والأقارب المباشرين. بينما الأنثى يمكن أن تكون من نصيب عائلة أخرى بالزواج، وبالتالي “منتجة” لأبناء يتسمّون بأسماء عائلات أزواجهن. وهي عادة لا تزال متداولة في معظم المناطق اللبنانية، أكثر من تداول أسماء الإناث. وهنا تدخل أسماء جديدة لتسمى بها الإناث، عوضًا عن الأسماء التقليدية “القديمة” لجداتهن. هذا بالإضافة إلى ما يوحي به الاسم من جمال وفتنة. من هنا، نجد أن عدد أسماء الإناث يكاد يزيد عن أسماء الذكور بحوالي الـ 30 ألف اسم فريد.

على مقلب آخر نجد تركّزًا في عدد من الأسماء عند الذكور. وهذا ما يفسّر أن نصف الذكور يتوزعون على 43 اسمًا بينما نصف الإناث يتوزعن على 138 اسمًا.

تكمن خلاصة هذا العرض في أن الحداثة والتحديث في الأسماء تتمتع بها الإناث أكثر من الذكور الذين لا يزالون يحافظون على إرث التسميات، وكأنهم حرّاسه. وذلك يتّضح من السلوك الاجتماعي الذي لا يزال يحافظ على تسمية الحفيد على اسم جده وإعفاء الحفيدة من ذلك. وهذا من شأنه المحافظة على الأسماء التقليدية عند الذكور والتوجه إلى تحديث الأسماء عند الإناث وفق ما يتواءم مع متطلبات كل عقد من العقود. وهذا ما سنسعى إلى تبيانه في المقال المقبل عند عرض تطوّر الأسماء عبر العقود الأخيرة.

[1]. يرى ميل أن “الاسم العَلَم يؤدي غرض إظهار الشيء الذي نتحدث عنه، لا غرض إخبارنا بأي شيء عنه”.

a word that answers the purpose of showing what thing it is that we are talking about but not of telling anything about it.

[2]. لن نتعمق في هذه المقالات بالتحليل السوسيولوجي لمنظومة التسميات فقد تصدى لهذه المسألة عدد من علماء الاجتماع العرب ومنهم عاطف عطيه في كتبه وبخاصة في: المجتمع الدين والتقاليد (1992) صادر عن جروس برس – طرابلس، لبنان. وفي “منظومة التسمية العربية ؛ مصدر إسم الإنسان، المعنى والتوجه مع مسرد ألفبائي لأسماء مختارة من الذكور والإناث” (2021) – صادر عن جروس برس – طرابلس، لبنان.

Print Friendly, PDF & Email
شوقي عطيه

باحث متخصص بالديموغرافيا وأستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  الحريري بين إغتيالين أو.. أكثر!