تستعرض الكاتبة في المقال علاقات غوركي الشخصية والفكرية بكل من فلاديمير جابوتنسكي وبنحاس روتنبرغ، لتخلص إلى أن غوركي لم يكن مجرد صديق لعدد من قادة الحركة الصهيونية، بل كان متعاطفاً مع مشروعها السياسي، وساهم في دعمه معنوياً وثقافياً، كما تحمّله مسؤولية أخلاقية عن صمته تجاه ما ارتكبته التنظيمات الصهيونية المسلحة في فلسطين لاحقاً. ويعزز المقال هذه الخلاصة بسرد عدد من الوقائع التاريخية، مثل مساعدة غوركي لجابوتنسكي في نشر أول أعماله الأدبية، ومراسلاته معه، ومواقفه المناهضة لمعاداة السامية، وعلاقته بروتنبرغ، ودور زوجته في تسهيل هجرة بعض الصهاينة إلى فلسطين، لينتهي إلى الدعوة إلى إعادة النظر في المكانة الأخلاقية والفكرية لغوركي، باعتباره أحد “الأصنام” الثقافية التي ينبغي إخضاعها للمساءلة في ضوء ما آلت إليه الصهيونية وما ارتكبته الحركة الصهيونية من جرائم بحق الفلسطينيين.
عند قراءتي للمقال الذي زوّدني برابطه أحد الأصدقاء السوريين المقيمين في مونتريال، وهو من خريجي المدرسة السوفياتية في مجال الأدب، أدركتُ أن في الأمر التباس ما، إذ أنني من الذين تأثروا كثيراً بغوركي، وخلال دراستي في موسكو قرأتُ عدداً من أعماله باللغة الروسية (الثلاثية) بعد أن كنت قرأت في لبنان رواية “الأم” بالترجمة العربية، وهو يمثل في وعيي نموذجاً للأديب الثوري، وكنتُ واثقاً أنه لا يمكن لأديب بهذا المستوى من الالتزام السياسي والإنساني والأخلاقي أن ينحاز للصهاينة، وكان عليّ المباشرة بالبحث عن سياقات الاتهامات الواردة في المقال المذكور أعلاه.
سأحاول مناقشة هذه الأطروحة، لا من خلال إنكار الوقائع التي يستند إليها المقال، بل عبر اختبار المنهج المعتمد في قراءة تلك الوقائع، ومدى مشروعية الانتقال منها إلى الاستنتاجات التي يبنيها، والتمييز بين ما تثبته المصادر التاريخية فعلاً، وبين ما ينتمي إلى التأويل السياسي أو الإسقاط التاريخي.
***
إن الإشكال المركزي في هذا المقال لا يكمن في استحضاره لوقائع تاريخية في ذاتها، بل في الطريقة التي تُعاد بها صياغة تلك الوقائع وإدماجها داخل سردية تفسيرية واحدة تُنتج حكماً مسبقاً على الشخصية التاريخية. فالمقال ينتقل من مستوى الوصف إلى مستوى الإدانة عبر سلسلة من القفزات المنهجية التي تستبدل التحليل التاريخي بالإسقاط الأيديولوجي، وتتعامل مع الماضي بوصفه امتداداً مباشراً للنتائج اللاحقة، لا بوصفه سياقاً مستقلاً بذاته.
أولاً، يعتمد المقال على المغالطة الاسترجاعية .(Retrospective Fallacy) فهو يحاكم مواقف غوركي في مطلع القرن العشرين على ضوء ما آل إليه المشروع الصهيوني بعد عقود، ولا سيما بعد قيام إسرائيل وحروبها. لكن الصهيونية التي عرفها غوركي بين 1903 و1917 لم تكن في نظر كثير من المثقفين الروس آنذاك مرادفة لما ستصبح عليه لاحقاً. إن الصهيونية تاريخياً لم تولد كحركة موحدة. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر ضمت تيارات متنافسة: سياسية، وثقافية، ودينية، وعمالية، وتنقيحية وغيرها. ومرت بمراحل واتجاهات متعددة، لكل منها تصورات مختلفة بشأن أهداف المشروع ووسائله. فقد برزت:
- الصهيونية الثقافية التي ارتبطت بـآحاد هاعام، وركزت على إحياء الثقافة والهوية اليهودية أكثر من التركيز على الدولة في بداياتها.
- الصهيونية الروحية التي أولت أهمية للبعد الحضاري والأخلاقي في المشروع الصهيوني، وتقاطعت في بعض جوانبها مع الصهيونية الثقافية.
- الصهيونية السياسية التي قادها تيودور هرتزل، وجعلت إقامة دولة يهودية الهدف المركزي عبر العمل الدبلوماسي والحصول على اعتراف القوى الكبرى.
- الصهيونية العملية والاستيطانية التي ركزت على الهجرة والاستيطان المنظم وصولاً إلى عمليات التهجير الجماعي للفلسطينيين خلال النكبة.
لذلك فإن تحميل غوركي مسؤولية تاريخية عن تطورات لاحقة يتجاهل السياق التاريخي الذي تشكلت فيه مواقفه.
ثانياً، يخلط المقال بين التعاطف مع اليهود المضطهدين والتأييد غير المشروط للمشروع الاستعماري الصهيوني. غوركي كان من أشد المعارضين لمعاداة السامية في روسيا القيصرية، وكتب نصوصاً عديدة دفاعاً عن اليهود بوصفهم أقلية مضطهدة. هذا لا يكفي لإثبات أنه تبنى كل السياسات التي انتهت إليها الحركة الصهيونية لاحقاً. لا خلاف في أن غوركي وقف ضد معاداة اليهود في روسيا القيصرية. لكن السؤال الحقيقي لماذا دافع عنهم؟ الإجابة نجدها في نصوصه نفسها. في مقالته الشهيرة «عن اليهود» التي كتبها سنة 1906 عقب موجات البوغرومات (حملات الاضطهاد) الدموية، لم يكتب غوركي كلمة واحدة عن “حق تاريخي” في فلسطين، ولم يطرح الهجرة الجماعية أو إقامة دولة يهودية حلاً للمسألة اليهودية، ولم يقترب أصلاً من الخطاب الصهيوني. بل وجّه سهام نقده إلى النظام القيصري، معتبراً أن السلطة تستخدم الكراهية ضد اليهود لصرف غضب الفقراء عن المسؤول الحقيقي عن بؤسهم. كان يرى أن معاداة اليهود ليست علاجاً للفقر، بل أداة سياسية لإدامة الاستغلال. وهنا تكمن المفارقة التي تتجاهلها كاتبة المقال. فغوركي لم يدافع عن اليهود لأنهم يهود، وإنما لأنهم كانوا مضطهدين. ولو كان المضطهدون من الأرمن أو التتار أو البولنديين أو الروس لفعل الأمر نفسه، لأن جوهر موقفه أخلاقي وإنساني، لا قومي ولا ديني.
هذا ليس استنتاجاً متعسفاً، بل هو الخيط الناظم لمجمل مشروعه الفكري. فمن يقرأ «الأم» لا يجد رواية عن قومية بعينها، بل عن الإنسان الذي ينهض ضد الظلم. ومن يقرأ ثلاثيته «طفولتي» و«في الناس» و«جامعاتي» لا يواجه تمجيداً لشعب دون آخر، بل كشفاً للبؤس الإنساني الذي تصنعه علاقات القهر والاستغلال. وكان غوركي يكرر أن الإنسان هو أثمن ما في الوجود، وأن الكرامة الإنسانية لا تُختزل في الانتماء القومي أو الديني. ولهذا يصعب تصور أن الكاتب الذي جعل مقاومة الظلم محور حياته كان سيجد مبرراً لمشروع يقوم على تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين، وتدمير قراهم، وإحلال مستوطنين محلهم. فالمعيار عند غوركي لم يكن هوية الضحية أو هوية الجلاد، بل وجود الظلم ذاته.
ويغفل المقال أيضاً حقيقة تاريخية أساسية، وهي أن البيئة الفكرية التي عاش فيها غوركي لم تكن تنظر إلى الصهيونية باعتبارها حركة تحرر، بل باعتبارها شكلاً من أشكال القومية البرجوازية. وكان معظم الاشتراكيين الروس يرون أن اضطهاد اليهود يُواجه بالنضال من أجل المساواة وإسقاط النظام القيصري، لا بتأسيس مشروع قومي في أرض يسكنها شعب آخر. ولم يُعرف عن غوركي، في أي مرحلة من حياته، أنه دعا اليهود إلى الاستيطان في فلسطين أو اعتبر الصهيونية حلاً للمسألة اليهودية.
***
إن مقال الباحثة والمترجمة التركية عن غوركي يخلط بين مستويين مختلفين تماماً: بين الدفاع عن ضحية، والدفاع عن المشروع السياسي الذي ادعى لاحقاً تمثيل تلك الضحية. وهذا الخلط هو أساس السردية الصهيونية نفسها، التي سعت إلى تحويل المأساة الأوروبية لليهود إلى سند أخلاقي لاستعمار فلسطين. لكن الحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً. فالتعاطف مع اليهود الذين قُتلوا في كيشينيف أو أوديسا لا يستلزم تبرير اقتلاع الفلسطينيين من حيفا ويافا واللد وصفد. وإدانة البوغرومات لا تفضي منطقياً إلى تبرير النكبة. بل إن المبدأ الأخلاقي الذي دفع غوركي إلى الدفاع عن اليهود المضطهدين هو ذاته الذي كان سيدفعه، لو شهد ما جرى في فلسطين، إلى الوقوف مع الفلسطيني الذي سُلبت أرضه وهُدم بيته وطُرد من وطنه.
إن الدفاع عن اليهود بوصفهم ضحايا لا يمنح حصانة أخلاقية لأي مشروع سياسي. وغوركي، الذي لم يساوم يوماً على مبدأ مقاومة الظلم، لا يجوز أن يُستدعى شاهداً على مشروع استيطاني يناقض الأسس الإنسانية التي كرّس لها حياته وأدبه. فاستحضار اسمه في هذا السياق لا يكشف حقيقة عن غوركي، بل يكشف عن قراءة انتقائية للتاريخ، تقتطع النصوص من سياقها، وتستبدل البحث العلمي بالرغبة في إيجاد شهود لموقف سياسي متعسف.
إن ما يجعل هذا النوع من المقالات مضللاً هو أنه يطمس الفاصل الأخلاقي والسياسي بين قضيتين مختلفتين: الأولى هي إدانة اضطهاد اليهود، وهي قضية إنسانية عادلة، والثانية هي رفض تحويل تلك المظلومية إلى ذريعة لإقامة مشروع استعماري اقتلع شعباً آخر من أرضه. إن رفض معاداة اليهود لا يستلزم قبول الصهيونية، كما أن إدانة النازية لا تعني تبرير النكبة. ومن يخلط بين هذين المستويين لا يدافع عن الحقيقة التاريخية، بل يعيد توظيفها لخدمة سردية سياسية معاصرة.
***
ثالثًا، يستخدم المقال الذنب بالصحبة (Guilt by Association). فالعلاقة الشخصية بين غوركي وجابوتنسكي وروتنبرغ تتحول إلى دليل على تبنيه مشروعهما السياسي بالكامل. لكن الصداقات بين المثقفين الروس في تلك المرحلة كانت تتجاوز الانتماءات الدينية والسياسية. فقد كانت علاقات غوركي تمتد إلى اشتراكيين وفوضويين وليبراليين وقوميين، بل وحتى إلى أشخاص اختلف معهم جذرياً لاحقاً. مجرد الصداقة أو المراسلات لا تعني التطابق الفكري.
رابعاً: إغفال الانقسام اليهودي حول الصهيونية فالمقال – إذا كان يربط اليهودية بالصهيونية – يتجاهل حقيقة تاريخية مهمة: في بدايات القرن العشرين كان بين اليهود أنفسهم: اشتراكيون معادون للصهيونية. شيوعيون رفضوا الهجرة إلى فلسطين. حاخامات اعتبروا الصهيونية خروجاً على الدين. وحركة البوند التي كانت من أكبر التنظيمات اليهودية الاشتراكية، وكانت معارضة للصهيونية. إذن لم يكن “اليهودي” مرادفاً لـ”الصهيوني”. وكان موقف لينين والبلاشفة واضحاً تجاه البوند.
خامساً، يتجاهل المقال التناقض الجوهري بين فكر غوركي والصهيونية التصحيحية التي قادها جابوتنسكي لاحقاً. غوركي ظل حتى النهاية كاتباً اشتراكياً أممياً يرى أن العدالة الاجتماعية هي أساس تحرير الإنسان، بينما كان جابوتنسكي يمثل تياراً قومياً يهودياً يمينيًا، يقوم على فكرة الدولة القومية اليهودية والقوة العسكرية. من الصعب التوفيق بين المشروعين، لكن المقال يتجاهل هذا التناقض.
سادساً، يبني المقال استنتاجاً من الصمت. فهو يقول إن غوركي لم يحتج على جرائم العصابات الصهيونية، ثم يجعل هذا الصمت دليلاً على الموافقة. بالوقائع، غوركي توفي في العام 1936، وكانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكانت الاشتباكات التي تقع بين الفلسطينيين والصهاينة في تلك الفترة تُصور على انها صراع بين العرب واليهود، ولم تكن عملية الاستيطان أخذت بعد أبعادها الدموية المترافقة مع المجازر كما جرى لاحقاً.
سابعاً، ينتقي المقال الشواهد التي تؤيد فرضيته، بينما يغفل الجوانب الأخرى من شخصية غوركي. فلا يذكر نقده الحاد للرأسمالية والإمبريالية، ولا دفاعه عن الفقراء والعمال، ولا علاقاته مع حركات التحرر المختلفة، لأن ذلك يضعف السردية التي يسعى إلى بنائها.
ثامناً، يحاول المقال تصوير الثورة البلشفية ووعد بلفور وكأنهما التقيا عند هدف واحد هو خدمة المشروع الصهيوني. هذا الربط يفتقر إلى الدقة التاريخية؛ فبعد سنوات قليلة فقط من خطيئة القبول بالتقسيم والاعتراف بإسرائيل، أصبح الموقف السوفياتي من الصهيونية أكثر تعقيداً، ثم تحول تدريجياً إلى موقف معادٍ لها، خصوصاً منذ أواخر الأربعينيات. ولو كانت الصهيونية جزءاً من المشروع البلشفي كما يوحي المقال، لما حدث هذا التحول.
وأخيراً، ينتهي المقال بخاتمة عاطفية تدعو إلى “تحطيم الأصنام”، وهي خاتمة تكشف أن هدفه ليس دراسة غوركي في سياقه التاريخي، بل إعادة بناء صورته الأخلاقية انطلاقاً من أحداث معاصرة، ولا سيما ما جرى في فلسطين بعد عام 2023. وهذا انتقال من البحث التاريخي إلى المحاكمة الأيديولوجية.
