لطالما كان إنتاج أي سلطة حاكمة في كل من سوريا ولبنان، يثير خلافات والتباسات. فكلما هربَت نواة سلطة من انقلابيين جدد في دمشق إلى بيروت، تكهرب الجو بين العاصمتين. وإذا كان من المفهوم سياسياً أن سوريا لديها القدرة الأكبر على التدخل في شؤون لبنان وتعمل على توسيع نفوذها كلما رأت الى ذلك سبيلاً، غير أن محاولة عكس الآية من قبل بعض القوى السياسية اللبنانية تاريخياً، تفضي للانزلاق إلى لعبة روليت خطيرة مع الإجتماع السياسي السوري وسلطاته المتعاقبة.
ومصطلح “الروليت” هذا، يمكن توسيعه حتى لا يقتصر على البعد المتمثل في محاولة التدخل في صياغة ركائز النظام السوري، وبخاصة في زمن حافظ الأسد، ولو كان هذا البُعد هو الأخطر نظراً لتداعياته الدامية والمُكلِفة. ففي الجانب اللبناني البحت لدفع سوريا إلى التدخل لحساب طرف لبناني أو آخر ولا سيما بالسيف العسكري، كانت هذه اللعبة مشابهة للحسِ المبرد. تنتشي بداية كما حصل مع القوى المسيحية في المواجهة التي خاضتها ضد القوى الفلسطينية، قبل أن تصطدم مع سوريا التي لا تبحث سوى عن مصلحة نظامها بالتوسع وتجميع الأوراق، قبل أن تبادر إلى بيعها لهذا أو ذاك ولا سيما إلى الولايات المتحدة.
ففي بُعد الإنخراط اللبناني في لعبة الروليت هذه، كانت علاقة رفيق الحريري (ووليد جنبلاط بدرجة أقل) بالثلاثي السوري عبد الحليم خدام وحكمت الشهابي وغازي كنعان، أكثر الفصول دموية بعد كل ما حصل في العام ٢٠٠٥، بغض النظر عن مدى تورط سوريا بشار الأسد في اغتيال الحريري من عدمه.
وقد قيل الكثير عن رهان إيلي حبيقة على رفعت الأسد، لكن مثل هكذا رهانات ولا سيما من قوى مسيحية كانت تفتقد للقدرة الفعلية على الإنخراط “البنيوي” في توازنات النظام وصراعاته في سوريا. أما انخراط حزب الله إلى جانب نظام بشار الأسد، فكان أوسع من مسألة توازنات نظام ليعكس البعد الاقليمي الأوسع والقرار الإيراني بمنع سقوط النظام من خلال المحورية الجغرافية لسوريا ربطاً بالصراع مع إسرائيل وما يُمثّله خط طهران – دمشق – بيروت في هذا السياق الجيوسياسي.
من هنا، يبدو الرهان الإنتحاري المتجدد لقوى لبنانية على تدخل نظام أحمد الشرع في لبنان، رهاناً مختلفاً عن محاولة وضع الرؤوس في توازنات النظام الجديد، لأن ذلك غير موجود أساساً في التركيبة السورية الجديدة ومنابتها الاجتماعية.
لعبة الروليت هنا تتجاوز الإجتماع السياسي السوري لتلقي بخطرها على وحدة الكيان اللبناني وسيادته وعلى نسيجه المتنوع، واستمرار اللعبة نفسها في تقسيم لبنان بين نفوذَي والي عكا ووالي الشام، تحت الرقابة الأميركية اللصيقة التي منحت سوريا حق السيطرة والوكالة من ١٩٧٦ الى التجديد والتوسيع في ١٣ تشرين الأول/اكتوبر ١٩٩٠ وصولاً إلى اليوم.
فالحماسة لدى البعض لبنانياً لفرضية دخول سوريا الشرع لأجل ضرب حزب الله، تكاد تكون شبيهة بمشهدية رمي الورود والأرز على الجيش السوري عام ١٩٧٦ للتخلص من السيطرة العسكرية الفلسطينية، قبل أن تضرب القوى المسيحية أخماساً في أسداس وتحسم تحولها إلى التحالف مع اسرائيل وبالتالي تصطدم باستدارة حافظ الأسد نفسه بعد معاهدة كامب ديفيد، فكان الصدام الكبير في حرب المئة يوم في الأشرفية مع بشير الجميل الذي وللتاريخ كان من المعترضين أساساً على الدخول السوري خلال حرب السنتين (1975-1976). أما محاولة سمير جعجع في الرهان على ما سلّفه لحافظ الأسد بالإنخراط في اتفاق الطائف، فكان مصيرها معروفاً وقاسياً وبخاصة بعد زيارة القرداحة للتعزية بباسل الأسد في العام 1994.
ولمن لا يتعظ من تجارب الماضي، إذا حصل بيع وشراء على المستوى الإقليمي والدولي، سيكون لبنان هو القربان على مذبح التشكيل الجديد للشرق الأوسط، وسيكون المسيحيون أول الضحايا إن لم يلتزموا أسس الكيانية اللبنانية والسيادة الحقيقية عبر تكريس الفصل، لا الوصل في لعبة الروليت. لبنان في لبنان وسوريا في سوريا. لبنان لا يُمكن أن يكون ممراً أو مستقراً لتهديد سوريا والعكس صحيح، حسب اتفاق الطائف. أما سوريا اللبنانية فهي نسخة متجددة وإن بواجهةٍ متشددة دينياً، لكل من تعاقب على حكم دمشق من أنظمة سلطوية تقودها شهية التوسع.
في كتابه “الإستراتيجيات السورية والإسرائيلية والأوروبية حيال لبنان”، أورد الدكتور نبيل خليفة أنه “على اللبنانيين عامة، والمسيحيين في شكلٍ خاص، والموارنة في شكلٍ أخص، أن يدركوا حقيقة الإستراتيجية السورية في لبنان، ليس من خلال التطلع إلى سوريا من خلف هضبة حريصا فقط، وظهرهم إلى البحر، بل من موقع وزاوية أنهم يجلسون مكان الرئيس حافظ الأسد، وينظرون إلى لبنان من خلف جبل قاسيون، ظهرهم إلى الصحراء، ووجههم على البحر وعيونهم منفتحة على تل أبيب وبيروت، وهم في قلب دمشق العاصمة التي لا تبعد سوى ثلاثة عشر كيلومتراً عن الحدود اللبنانية”!
وحتى لو وضعنا أحمد الشرع مكان حافظ الأسد، تبقى الرهانات بناء على حسابات الجيوبوليتيك والدور المنوط بسوريا كما تراها الولايات المتحدة.
لذلك، فإن الرقص احتفالاً، كما في العام ١٩٧٦ و١٣ تشرين الأول/أكتوبر١٩٩٠ سيكون في العام ٢٠٢٦ رقصاً متجدداً على قبورٍ يُفترض أنها أُقفِلت لا أن تبقى مشرّعة على ضحايا ضيق الأفق في مصالح ذاتية وارتباطات عابرة لحدود مصلحة لبنان الذاتية!
