اليوم يولد جيل مختلف جذريًا. طفل هذا العصر يفتح عينيه داخل فضاء ذكي، تحيط به الشاشات، وترافقه الخوارزميات منذ اللحظة الأولى. هذا الجيل يتعلّم قبل أن يُلقَّن، ويستكشف قبل أن يُرشَد، ويكوّن وعيه عبر التفاعل المباشر مع أنظمة قادرة على الاستجابة، والتوقّع، والتخصيص. الدولة هنا تظهر له كخدمة أكثر منها رمزًا، وكواجهة رقمية أكثر منها سردية تاريخية.
حين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى بنية الحكم، يتقاطع مع هذا الجيل تقاطعًا عميقًا. القرار العام يصبح قريبًا من منطق التطبيقات التي يعرفها الطفل، سريعًا، قابلًا للتحديث، مرتبطًا بالبيانات. الموظف في نظره يشبه واجهة استخدام، الوزير يشبه مدير نظام، النائب يظهر كحساب عام يخضع للتقييم المستمر، الجندي يتحوّل إلى عنصر في منظومة حماية ذكية، والرياضي يتجسّد كنموذج أداء قابل للقياس والتحسين.
هذا الجيل يتشكّل وعيه السياسي خارج الطقوس التقليدية. فكرة الطاعة تتحوّل إلى فكرة تفاعل. فكرة الولاء ترتبط بجودة التجربة، لا بقداسة الموقع. الدولة التي تفهم لغته تحظى بثقته، والدولة التي تتأخر عن إيقاعه تبدو بعيدة عن عالمه. الانتماء يتغذّى من الإحساس بالعدالة الرقمية، وسهولة الوصول، وشفافية القرار.
في المقابل، تنشأ هواجس عميقة. هذا الجيل يعيش داخل أنظمة قادرة على التوجيه الخفي، وعلى تشكيل السلوك عبر التوصية والتنبؤ. الدولة الذكية تمتلك قدرة غير مسبوقة على التنظيم والرعاية، وتمتلك في الوقت ذاته قدرة عالية على التشكيل الصامت للوعي. هنا يبرز سؤال المعنى: كيف تُبنى مواطنة حيّة داخل فضاء محسوب؟ وكيف تُصان الحرية داخل نظام يعرف الكثير عن أفراده؟
الدولة المقبلة تتكوّن أمام أعين جيل يولد كامل التكوين داخل رحم الذكاء الاصطناعي. نجاحها يرتبط بقدرتها على التحوّل إلى شريك في النمو، لا إلى وصي خفي. دولة تفهم أن هذا الجيل يقيس الشرعية بالإنصاف، ويقيس السلطة بالفعالية، ويبحث عن معنى يحفظ كرامته داخل السرعة. في هذا التوازن الدقيق، يتحدّد مستقبل الدولة كفكرة حيّة، لا كجهاز فقط، وكعلاقة إنسانية، لا كمنظومة إدارة فحسب.
