فنزويلا والنفط الثقيل: عقدة المصافي الأميركية

مع كل تصعيد أميركي في الكاريبي، تعود فنزويلا إلى واجهة المشهد تحت لافتة «مكافحة المخدرات». لكن خلف العناوين السياسية تختبئ معادلة أكثر تعقيدًا: أزمة نفط ثقيل تحتاجه المصافي الأميركية، وكنز جيولوجي من المعادن النادرة يدخل في صميم سباق التكنولوجيا مع الصين. بين ضرورات الطاقة وحسابات الأمن القومي، تبدو كاراكاس أقل ساحة خطاب، وأكثر عقدة استراتيجية في صراع يتجاوز حدود أميركا اللاتينية.

يوضح هذا «الإنفوغرافيك» حقيقة اقتصادية صادمة في سوق الطاقة العالمي. فبينما تتربع فنزويلا على عرش أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (أكثر من 300 مليار برميل)، نجد أن عوائدها المالية في ذيل القائمة (حوالي 4 مليارات دولار فقط)، والسبب يعود بشكل رئيسي إلى العقوبات الاقتصادية وتهالك البنية التحتية. في المقابل، نرى الولايات المتحدة التي تمتلك احتياطيًا أقل بخمسة أضعاف، لكنها حققت عوائد تصدير ضخمة تجاوزت 125 مليار دولار في عام 2023. أما السعودية، فتثبت قدرتها الهائلة على موازنة الاحتياطيات الضخمة مع أعلى إيرادات تصديرية في العالم (181 مليار دولار).

هامشية التأثير

لفهم التحرك الأميركي في كانون الثاني/يناير 2026، يجب تشريح واقع السوق بشكل بارد. حاليًا، لا تُعد فنزويلا جزءًا كبيرًا من مشهد إنتاج النفط العالمي، ولذلك فإن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو لم يُحدث تأثيرًا زلزاليًا على الأسواق العالمية.

لكن مفارقة هذا «الضعف الفنزويلي» لا تعني أن أميركا استغنت عن النفط. على العكس، لا يزال استهلاك النفط في ازدياد، متجاوزًا الغاز الطبيعي والفحم. إن تشريح مصادر الطاقة يكشف أن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على النفط، حيث يشكل نحو 90% من استهلاك طاقة النقل، بينما يأتي معظم الباقي من الغاز والطاقة المتجددة. وفي القطاع الصناعي، يُستخدم النفط في نحو 33% من الإنتاج، وبخاصة في تطبيقات الحرارة العالية والمواد الأولية. وبينما يقل استخدامه في التدفئة عن 10%، تستحوذ سيارات الركاب والشاحنات الخفيفة على 60% من استهلاك طاقة النقل.

وبرغم الحديث عن «كهربة النقل»، فإن ذلك ليس عاملًا مؤثرًا في سوق كانون الثاني/يناير 2026، لا سيما مع انتهاء دعم السيارات الكهربائية في أيلول/سبتمبر 2025، وفي ظل أولويات إدارة ترامب الحالية.

المفارقة الكيميائية

قد تبدو فكرة «عطش» الولايات المتحدة للنفط ضربًا من الخيال في عصر «ثورة الزيت الصخري». فبفضل تقنيات التكسير الهيدروليكي (Fracking)، قلبت واشنطن معادلات الطاقة العالمية لتنتزع لقب «أكبر منتج للنفط في العالم» من عمالقة تقليديين مثل السعودية وروسيا. لكن خلف عناوين الاكتفاء الذاتي البرّاقة تختبئ معضلة كيميائية وهندسية لا يمكن حلها بزيادة الإنتاج المحلي.

المشكلة تكمن في أن النفط ليس نوعًا واحدًا؛ فالطفرة الإنتاجية الأميركية أغرقت الأسواق بـ«الخام الخفيف» (Light Crude)، وهو سائل منخفض الكثافة وقليل الكبريت. في المقابل، يواجه قطاع التكرير الأميركي واقعًا مغايرًا تمامًا، إذ إن البنية التحتية لأكثر من 100 مصفاة أميركية كبرى – وبخاصة في ساحل الخليج – صُممت هندسيًا واستثمرت فيها مليارات الدولارات منذ عقود لمعالجة «الخام الثقيل» (Heavy Crude). تشير البيانات إلى أن ما يقارب 70% من القدرة التكريرية الأميركية مجهزة خصيصًا للتعامل مع هذا النوع عالي اللزوجة والكثافة، وتكسيره كيميائيًا لاستخلاص المشتقات القيمة.

هنا تقع الولايات المتحدة في «فخ عدم التطابق»: فهي تمتلك فائضًا من النفط الذي لا تفضله مصافيها، وتعاني عجزًا في النوع الذي تحتاجه بشدة. ولأن إعادة هندسة هذه المصافي العملاقة لتلائم النفط الخفيف تتطلب تكاليف فلكية ووقتًا طويلًا، تجد أميركا نفسها في مفارقة غريبة: «تغرق في النفط الخفيف، وتتضوّر جوعًا للنفط الثقيل».

تتجلّى هذه الأزمة بوضوح في تحول جذري لهيكل الواردات الأميركية؛ فبينما كان النفط الثقيل يشكل 12% فقط من الواردات في الماضي، قفزت نسبته اليوم لتلتهم 70% من إجمالي النفط المستورد. وفي ظل غياب فنزويلا عن المشهد، وضعت واشنطن «بيضها كله في سلة واحدة»، حيث باتت تعتمد بشكل شبه كلي على كندا التي توفر وحدها 61% من هذه الواردات الحيوية. هذا الاعتماد المفرط يمثل انكشافًا استراتيجيًا لا تقبله دولة عظمى، مما يجعل البحث عن بديل جيوسياسي أمرًا حتميًا. وهنا تبرز فنزويلا ليس كخيار سياسي، بل كقطعة «بازل» مفقودة تطابق مواصفاتها الكيميائية تمامًا حاجة المصافي الأميركية الجائعة.

خزائن أورينوكو

هذا يقودنا إلى جوهر الصراع، حيث تتحول فنزويلا من مجرد دولة نفطية متعثرة إلى «خزنة جيولوجية» استثنائية تسيل لعاب القوى العظمى. فإذا أزحنا الستار عن الخريطة الجيولوجية جنوب نهر أورينوكو، نجد أنفسنا أمام ما يُعرف بـ«قوس أورينوكو المنجمي» (Arco Minero del Orinoco)، وهي مساحة شاسعة تمتد على 111 ألف كيلومتر مربع، لا تمثل مجرد أراضٍ بكر، بل مستودعًا استراتيجيًا لعناصر القرن الحادي والعشرين.

في هذه البقعة الجغرافية، تتكدس ثروات معدنية تتجاوز قيمتها الإجمالية تريليوني دولار، تبدأ من الذهب الذي يُقدَّر احتياطيه بنحو 7 آلاف طن (بقيمة تلامس التريليون دولار)، ولا تنتهي عند معدن «الكولتان» الاستراتيجي، الملقب بـ”الذهب الأزرق”، الذي يشكل عصب الصناعات الإلكترونية الدقيقة ومحركات الطائرات النفاثة، بقيمة تقديرية تتراوح بين 100 و300 مليار دولار.

إقرأ على موقع 180  النظام الدولي المقبل.. هل العنف ممره الإلزامي؟

لكن الجائزة الكبرى تكمن في «العناصر الأرضية النادرة» (Rare Earths). فقد أكدت المسوحات الجيولوجية أن باطن الأرض هناك يزخر بعناصر مثل اللانثانوم (La)، والسيريوم (Ce)، والنيوديميوم (Nd)، والديسبروسيوم (Dy). هذه العناصر هي وقود الثورة التكنولوجية المقبلة، فهي مكونات لا غنى عنها لصناعة المغناطيسات الدائمة في السيارات الكهربائية، وتوربينات طاقة الرياح، وأنظمة التوجيه في الصواريخ المتطورة. في عصر تتصارع فيه واشنطن وبكين على التكنولوجيا، تصبح السيطرة على هذه العناصر مسألة أمن قومي لا تقل أهمية عن النفط.

وإلى الشمال من هذا القوس المعدني يمتد «حزام نفط أورينوكو»، باحتياطي جيولوجي إجمالي يبلغ 1.2 تريليون برميل من النفط الثقيل جدًا. وحتى بعد استبعاد الكميات غير القابلة للاستخراج تقنيًا، يتبقى نحو 300 مليار برميل قابلة للضخ، ما يضع فنزويلا على قمة هرم الاحتياطيات العالمية. وبسعر مرجعي يبلغ 80 دولارًا للبرميل، تقفز القيمة السوقية النظرية إلى نحو 24 تريليون دولار.

صدمة الواقع

وبرغم بريق التريليونات الجيولوجية، اصطدمت الحسابات الاستراتيجية في واشنطن بجدار من الواقعية الاقتصادية. ففي اجتماعات جمعت الرئيس دونالد ترامب بكبار الرؤساء التنفيذيين لشركات النفط، كان الصوت القادم من القطاع الخاص حذرًا للغاية.

النفط الفنزويلي ليس مجرد خام ثقيل، بل سائل عالي الكثافة واللزوجة يقترب في قوامه من القار (Bitumen)، ما يتطلب تقنيات استخراج معقدة وحقنه بمواد مخففة (Diluents) باهظة الثمن. كما أن البنية التحتية المتهالكة رفعت «سعر التعادل» (Break-even price)، حيث تُقدَّر تكلفة إنتاج البرميل ووصوله إلى ميناء التصدير بما بين 45 و80 دولارًا.

انخفض الإنتاج من ذروته التاريخية عند 3.7 مليون برميل يوميًا عام 1970 إلى نحو 1.1 مليون برميل يوميًا في 2025. كما تضطر فنزويلا إلى بيع نفطها بخصومات قد تصل إلى 15–20 دولارًا للبرميل لتعويض المشترين عن مخاطر العقوبات وضعف الجودة.

وتشير التقديرات إلى أن إعادة فنزويلا لاعبًا محوريًا تتطلب استثمارات تتجاوز 180 مليار دولار.

في المحصلة، يجمع الاهتمام الأميركي بين ضرورة تشغيلية لمصافي التكرير، وطموح استراتيجي للسيطرة على موارد المستقبل. لكن الحسابات النظرية تصطدم بواقع اقتصادي معقد.

«حزام أورينوكو» لا يحتاج إلى قرار سياسي فقط، بل إلى معجزة مالية. والسؤال يبقى: هل تستحق «الكيمياء الثقيلة» كل هذا الثمن؟

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  الفلسطيني.. إقامة دائمة في الدم والحرية