لماذا الإصرار على ضرب إيران؟

فعلها دونالد ترامب مُجدّداً. خلال عمليّة المفاوضات، يتمّ توجيه ضربة للطّرف الآخر، وبشكل مخادع تماماً. هناك سؤال مهمّ يُطرح في هذا الإطار طبعاً: ما هي الرّسالة الأخلاقيّة والقِيميّة التي يودّ الغرب ايصالها إلى شعوب العالم، من خلال ظاهرة كظاهرة ترامب حقّاً؟ ولكنّ الأهمّ في الوقت الرّاهن هو محاولة العودة معاً، بهدوء، وبعيداً عن التّوتّرات والشّعارات السّطحيّة، إلى السّؤال التّالي: في عمق الأمور، لماذا الاصرار الاسرائيليّ والأميركي والغربي على محاصرة وتشويه وضرب "الجمهوريّة الاسلاميّة"؟

طبعاً، أتوقّع من القارئ العزيز الحدّ الأدنى من الموضوعيّة ومن حُسن النّيّة، فلا يُسمعني شعارات مثل: يضربون إيران لأنّها لا تُطبّق الدّيموقراطيّة (خصوصاً وأنّ بعض الدّول التي تنطلق منها شعارات كهذه، لا تعرف معنى هذا المصطلح ربّما في الأعمّ الأغلب)؛ أو لأنّها لا تُعطي شعبَها ما يكفي من الحرّيّات الفرديّة والجماعيّة (مع الملاحظة نفسها)؛ أو لأنّها لا تُدير أمور شعبها وثرواته بطريقة مناسبة (مع الملاحظة عينها)؛ أو لأنّها تحتضن نظاماً اسلاميّاً “راديكاليّاً” (مع الملاحظة ذاتها؛ خصوصاً في زمن رشّ العطور في البيت الأبيض على قادة جهاديّين سلفيّين!)… إلى آخر القائمة المعروفة والتي سئمت منها شعوب العالم، ضمن إطار تعاطي النّخب الاستعماريّة وقياداتها مع مفهوم البروباغندا ضدّ أعدائها ومنافسيها.

انطلاقاً من هذه الوقفة التّمهيديّة والبديهيّة إذن، ومع الاحترام المتبادل لعقولنا وضمائرنا، أدعو القارئ العزيز إلى محاولة الغوص في ما يُمكن أن تَكون الأسباب العميقة والحقيقيّة والواقعيّة لضرب إيران هذه، اليوم، وبالأمس، وربّما غداً.

باختصار: ممنوع، إلى حدّ كبير، أن تكون مُسلماً أو مَشرقيّاً مُشغّلاً لعقله الاجتهاديّ والتّأويليّ بشكل حقيقيّ. ممنوع أن تُحاول التّجديد ضمن تراثك وثقافتك: أو “جدِّد”، ابنِ، أكتب، “فكّر”… لكن، ضمن إطار تقليدٍ واستهلاكٍ وتكرارٍ لما يُنتجه العقل الغربيّ المُهيمن. وليس من الصّدفة أبداً أن تشجّع السّياسة الأميركيّة في المنطقة على الدّوام: نماذج “مفاهيميّة” سطحيّة جدّاً، ومادّيّة بالمعنى الخام جدّاً

السّبب أو العامل الأساسيّ الأوّل: هذا النّظام الإيرانيّ، مهما كانت طبيعة خلافك معه أو طبيعة نقدك لمفاهيمه المؤسِّسة ولسلوكيّاتِه هنا وهناك (إلخ..)، يهدف بشكل جدّيّ إلى بناء دولة ومجتمع يتمتّعان بسيادة حقيقيّة وباستقلاليّة حقيقيّة. إنّ مثال تعاطي الدّولة الايرانيّة مع المفاوضات الأخيرة في مسقط وفي جنيف هو مثال بين أمثلة ومواضع كثيرة جدّاً لا مجال لتعدادها أو لتفصيلها في هذا المقام. باختصار: أعتقد أنّ العقل الحاكم في “إسرائيل” وفي الدّول الغربيّة ذات النّزعة الاستعماريّة المستمرّة… لا يستطيع تقبّل أيّ دولة، أو أيّ نظام يُريد – حقّاً وفعلاً – أن يكون ذا سيادة، وذا استقلال حقيقيّ في هذا العالم.

السّبب أو العامل الثّاني مرتبطٌ بالأوّل إلى حدّ بعيد واقعاً: وهو أنّ نظاماً كهذا، في بلد محوريّ جيو-استراتيجيّاً كإيران، يشكّل خطراً على مشاريع الهَيمنة الأميركيّة والغربيّة (والاسرائيليّة طبعاً)، من خلال مَيله العامّ إلى التّحالف مع قوى ودول الشّرق… بدلاً من قوى ودول ما يُمكن تسميته بالمُعسكر الغربيّ-الأميركيّ. بمعزل عن التّفاصيل ومواضع النّقد والنّسبيّات هنا وهناك: بالنّسبة إلى العقل الاستعماريّ الغربيّ-الأميركيّ… ممنوع عليك أن تضع بلدك أو دولتك أو مقوّمات قوّتك… في أحلاف أو مجموعات متميّزة أو خصمة أو عدوّة للمشروع الاستعماريّ الغربيّ المتجدّد.

السّبب أو العامل الثّالث وهو محوريّ ومركزيّ إلى حدٍّ أقصى، وذلك بحسب قراءتي وتحليلي ورأيي، ولكن أيضاً بحسب ما لمسته بيديّ – وبكلّ أمانة – من خلال مناقشاتي المتنوّعة والصّريحة مع أصدقاء ينتمون إلى نُخب غربيّة مؤثّرة (منهم من هو معادٍ للفكرة الصّهيونيّة أيضاً): وهو أنّ نظام “الجمهوريّة الاسلاميّة” يرفع شعاراتٍ، بل ويضع أهدافاً ظاهرةً وباطنةً… تتعلّق بالعمل على ابقاء “قضيّة تحرير فلسطين” قضيّة محوريّة في العقلَين الجماعيّ والحركيّ الاسلاميَّين (والمُسلمَين).

إنّ وضع “قضيّة تحرير فلسطين” في المركز، وتحت المجهر ولو حتّى على مجرّد المستوى التّعبويّ… مسألة يرفضها أصحاب القرار الفعليّون في أميركا والغرب، وهو أمر يتخطّى ما يُسمّونه “بقضيّة الأذرع” كما يُعبّرون عادةً. سمعتها شخصيّاً، مراراً وتكراراً، وسمعها وقرأها مثلي الكثيرون: ممنوع إبقاء هذا الشّعار مرفوعاً، وبالأخصّ ممنوع ابقاء الوعي الجماعيّ الشّيعيّ (وإلى حدّ كبير الوعي الجماعيّ الاسلاميّ إذن)… متعلّقاً بهذه القضيّة.

أكرّر وأؤكّد للقارئ العزيز واقعيّة وحقيقة هذه النّقطة وخطورتها الجمّة في هذا الاطار، واصرار عدد من أصحاب القرار – لا سيّما في الآونة الأخيرة – على ايصال محتواها إلى عدد من القيادات الشّيعيّة في المنطقة تحديداً. هذا لسان حالهم: أخرجوا أنفسكم من هذه القصّة، ولكلّ شيء حلّ… أو قتلٌ وضربٌ وقصفٌ وحصارٌ وعذابٌ أميركيٌّ أليم!

السّبب أو العامل الرّابع وهو مهمّ جدّاً في رأيي ولو أنّنا نغفله أو ننساه عادةً: وهو أنّ إيران “الجمهوريّة الاسلاميّة”، ولو اختلفتَ معها في النّتيجة الأخيرة وفي مظاهر وتطبيقات هذه النّتيجة، إنّما تقوم في عمق الأمور على محاولة بناء مفاهيميّ مجدّد داخل الفكر الاسلاميّ من جهة، وبديل بالنّسبة إلى المنظومة الغربيّة المهيمنة من جهة ثانية.

باختصار: ممنوع، إلى حدّ كبير، أن تكون مُسلماً أو مَشرقيّاً مُشغّلاً لعقله الاجتهاديّ والتّأويليّ بشكل حقيقيّ. ممنوع أن تُحاول التّجديد ضمن تراثك وثقافتك: أو “جدِّد”، ابنِ، أكتب، “فكّر”… لكن، ضمن إطار تقليدٍ واستهلاكٍ وتكرارٍ لما يُنتجه العقل الغربيّ المُهيمن. وليس من الصّدفة أبداً أن تشجّع السّياسة الأميركيّة في المنطقة على الدّوام: نماذج “مفاهيميّة” سطحيّة جدّاً، ومادّيّة بالمعنى الخام جدّاً..

إقرأ على موقع 180  لماذا يستمتع الغرب بـ"انتصارات" إسرائيل على شعوبنا؟

في النّهاية، مهما كانت النّتيجة المادّيّة الظّاهرة الأخيرة للمعركة العسكريّة الحاليّة… من المهمّ أن نظلّ متذكّرين للأسباب العميقة وراء اصرار العقل الاستعماريّ الغربيّ – وأداته المركزيّة “إسرائيل” – على ضرب تجارب معيّنة في منطقتنا وفي اقليمنا منذ حوالي ١٠٠ عام… من دون نسيان التّجييش العرقيّ والدّينيّ والطّائفيّ ضدّ هذه التّجارب التّحرّريّة أو الاستقلاليّة أو المُقاوِمة (في أغلب الأحيان، من قِبل أناس لا يعرفون من الدّين إلّا اسمه أو لحية بعض المشايخ، ولا من “التّقدّم” إلّا خصر تلك الرّاقصة الرّشيقة الذي يَميل كحيّة السّاحر الهنديّ العجيب).

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  «أوبنهايمر» الشيوعي المعذب.. أبو القنبلة النووية!