الاستعمار Archives - 180Post

750.png

تحدّثنا مراراً وتكراراً عن مسألة مفهوم الدّولة ومفهوم بناء الدّولة، وعن اشكاليّة استخدامهما في سياق وجود تأثير - وربّما تحكّم - استعماريّ خارجيّ بشكل خاصّ. ويبدو أنّ هذه الاشكاليّة تتفاقم في ملفات كثيرة في المنطقة، لا سيّما منذ اندلاع الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة الأخيرة على إيران.

1000252216.jpg

العالم يتغيَّرُ. الوتيرةُ بطيئة الآن. لكنَّه يتغيَّر فعلاً. الإرهاصات في ربع هذا القرن تماثل الإرهاصات في ربع القرن الماضي. آنذاك انتهت الحروب ببروز القطبية الثنائية، وبنظام بريتون وودز الذي جعل الدولار سلطاناً نقديَّاً عالميَّاً، ثم تحوَّل إلى الأحادية الأميركية بعد زوال الاتحاد السوفياتي. وراهناً بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران يدخل العالم تدريجياً لكن بثباتٍ، في مرحلة سقوط الإمبراطورية الأميركية.

900.jpg

بعد كل ما جرى وما يزال يجري في بلادنا الشامية، لم يعدْ أمامنا سوى التاريخ لنستقي منه العِبَر، علّنا جميعاً نعيد النظر في ما نحن عليه اليوم، وفي ما ننوي تحقيقه في المستقبل!

800-1.jpg

عندما نتأمّل الكثير من الحوارات الدّائرة في الأوساط النُّخبويّة العربيّة والمشرقيّة، نصل إلى ملاحظةٍ مهمّة تستحقّ التوقّف عندها واقعاً: فالإشكاليّة الأساسيّة لم تعد تتعلّق عموماً بإثبات "وجود الاستعمار" في بلادنا (وعليها) أو نفيه، بقدر ما أصبحت تتعلّق بكيفيّة التّعامل مع استمراريّته على المستوى السّياسيّ والعمليّ. فالمشكلة، في تقديري، ليست نظريّةً أو لم تعد نظريّةً-مفاهيميّةً بقدر ما هي عمليّة (وربّما أخلاقيّة بالمعنى العمليّ أيضاً)، وهنا تكمن المفارقة التي تستحقّ النّقاش المتعمّق والصّريح.

IMG_9897_1.jpeg

ربَّما لا نجدُ بين الأمم المعاصرة أمَّةً يأنف حكّامُها من الانتماءِ إليها، ومن تحمُّل مسؤولية قضاياها مثل ما نحن عليه في حالتنا العربية. تخلٍّ تامٌّ، وانحطاطٌ عامٌّ. هذا إذا كان صحيحاً أنَّنا مرَرْنا بنهضةٍ فعليةٍ منذ العصر العبَّاسي، وعصر ملوك الطوائف حتى الآن.

760.jpg

تُعلن إسرائيل أنها عازمة على احتلال مساحات واسعة من المنطقة العربية، فتجد في العرب من يدعم عزمَها؛ وتريد أميركا نهب خيرات منطقتنا، فتجد من يؤيّدها في ذلك من الحكّام العرب؛ وتحلم تركيا في استعادة أمجاد السلطنة العثمانية في المنطقة العربية، فتجد من يؤازرها؛ وتودّ إيران استعادة القدس، فلا تجد في العرب سوى مَن يتّهمها بأنها هي العدو المحتلّ وقلّة قليلة تساندها. ثلاثة مشاريع استراتيجية غير عربية تنوب عن الاستراتيجية العربية في حُكم المنطقة العربية. متى الاستراتيجيةً العربية المستقلة؟

0972516C-1A8C-4B3F-B6ED-0E724D5DC09C.jpeg

مع بدء العد العكسي لتوقيع مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية، إذا صدقت نوايا دونالد ترامب، حان وقتُ الأسئلة الكُبرى بشكل أو بآخر، إن صحّ التّعبير. وهي أسئلةٌ نحاول من خلالها أن نتجاوز الوقائع الآنيّة والمظاهر العابرة نحو ما هو أكثر عمقاً وأشدّ ارتباطاً في اعتقادنا بما يجري في المنطقة وفي لبنان، وأشدّ ارتباطاً بمستقبل شعوب المنطقة وبمستقبل لبنان أيضاً.

800-20.jpg

لا يوجد أيُّ مؤشِّرٍ واقعي، ولو بصيصاً، يدلُّ على نيّةِ العدوِّ الإسرائيلي الانسحاب من لبنان. تحت هذا السقفِ لا قيمةَ إطلاقاً لحديث واشنطن والسلطة اللبنانية عن وقْفِ إطلاق النار. سيبقى الجنوب - في المدى المنظور على الأقلِّ - مشتعلاً: احتلالٌ يُواصلُ عدوانَه، ويتوسَّعُ نحو مداخل البقاع، ومقاومةٌ تواصل الردَّ والصدَّ.

800-36.jpg

كل ما يتعلق بالصين يستهويني، حتى أيام الحرمان والفقر، وذكرياتي مع العصافير والذباب، وأمسياتي مع زوجة على وشك الإنجاب في شقة بمبنى سكن الأجانب، أثاثها سرير في غرفة النوم، وكرسيان من الخشب الخالص المحفور في صالة استقبال وانتظار، ومائدة كموائد لعب الورق في غرفة تنتظر مولوداً. كلها وغيرها كانت في عهدة مستر “كان”، الطباخ صاحب التجارب المديدة في قصور أثرياء العهد الديموقراطي. ما كان ينقصنا، وهو كثير، موجود في مكان ما. قيل لي من زميل سبقني إن هذا الموجود سوف يصبح متاحاً لي ولأسرتي فور الانتهاء من دراسة أو تحقيق يُجرى عن ميولي وسلوكي وأهداف حياتي في جمهورية الصين الشعبية.

780-2-1280x720.jpg

في ظل هذا المناخ الملبّد بالموت والدمار والنزوح والانقسام، تتكاثر السرديات التي تحاول تفسير الحرب الإسرائيلية على لبنان أو تحميل مسؤولياتها. ولعل أخرها تلك التي تنزع الاحتلال من المشهد، وتُحوّل المأساة إلى خلاف داخلي لبناني، كأن إسرائيل ليست موجودة أصلًا، وكأن الجنوب احترق بفعل المقاومة لا بفعل آلة الحرب الإسرائيلية. هنا تحديدًا يصبح النقاش أبعد من السياسة اليومية، وأقرب إلى سؤال التاريخ نفسه: كيف تبدأ الأوطان بخسارة ذاكرتها قبل أن تخسر أرضها؟