الأصلُ هو المَنبَت والجّذر؛ البيئة التي يشبُّ فيها المرءُ صغيرًا، والعائلة التي يولد لها والأشخاص الذين يحيطون به، والمناخ السائد الذي يؤثر فيه. يترك الأصلُ الطيبُ بصمتَه؛ عميقةً مُستدامَة، بينما الأصلُ الخبيث لا يلبث أن يطغى على المَسلك؛ فيردُّ إليه الناس ما تبدَّى لهم من نقائص، وفي هذا الإطار يُوصَف كلُّ نبيلٍ شريف بأنه “ابن أصول“.
***
تقول الحِكمةُ العربية الرَّزينة: “إن أنت أكرَمت الكريمَ مَلكته وإن أنت أكرَمت اللئيمَ تمرَّد“، والعادة أن يمتن كلُّ ذي عقلٍ مُتَّزن ونفسٍ صافية وفطرة سليمة؛ لأصحاب الفضل عليه، فيما يحملَ لهم الجحودَ والحقدَ كلُّ ذي روح مشوَّهة باعثة على النكران.
***
يميل المرءُ في بعض الأحوال إلى تنزيه ذاته، ونفي وجود أيادي بيضاء للآخرين عليه؛ بل وقد يدفعه شعوره بأنه كان ذات يوم في وضع احتياج إلى الإساءة لكل من ساعده، وفي هذا يقال إنه قليلُ الأصل إذ “عضَّ اليد اللي اتمدت له”، ولا عجب أن يستنكر الناس عمله ويلجأون للأمثولة التي تقول: “اتقِ شرَّ من أحسَنت إليه“.
***
أتوقف كل مرة أقرأ فيها المأثور الشهير: “لا تطلب الخيرَ من بُطونٍ جاعت ثم شبعت فالجوع فيها باق“. أفكرُ كلما مرّ بي أنه قد يكون مجحفًا في بعض الأحوال، وأتساءل عن الاحتمالات العكسية؛ فمن اختبر الجُّوعَ قد يحاول تجنيب الآخرين أثره المؤسي البائس، ومن تألم من قرصاته قد يحاول أن يكفي جائع آخر مشاعر الحرمان. النصيحة مربكة وصيغة النهي قوية حازمة وعلى كل حال؛ يصعب أن يأتي الحكمُ مُطلقًا غير مشروط، فلكل حال دوافعها ولكل ظرف ما يلائمه.
***
تتوجه الحكمةُ الشعبيَّة للصالح والطالح على حد سواء فتقول: “من آمنك لم تخنه ولو كنت خاين“. يصعب أن يتخلى المرءُ عن خصلة ذميمة فُطِر عليها؛ كذبًا كانت، أو خداعًا أو خيانةً؛ لكن الأمر يختلف بعض الشيء حين يُمنى بثقة آخرٍ يوصيه صراحةً بأمانة يؤديها؛ إذ ربما يستحي ويشعر برغبة في كَسر القاعدة والتزام الخلق القويم ولو مرة.
***
أنشد عنترة بن شداد: “لا يحملُ الحقد من تعلو به الرتبُ.. ولا ينال العلا مَن طبعه الغضبُ.. إن الأفاعي وإن لانت ملامِسُها.. عند التقلُّب في أنيابها العطبُ“، والحال أن سُمَّ الأفعى في مَوضِعه؛ طبيعة أصيلة ثابتة لا تنفيها النعومة الظاهرة، والمجاز الذي تحمله الأبيات سارٍ على الأحياء كافة، فالأصل البريّ للقط على سبيل المثال؛ يدفعه بعض المرات برغم التدليل والألفة لاصطياد فريسة تمر به صدفة.
***
بعض المرات يتصرف شخص بما يدهش الناس من حوله؛ لكن العارفين بتاريخه وبأصله وفصله، لا يعجبون لفعيله؛ بل أنهم يتباهون بفطنتهم أمام الآخرين قائلين: “ع الأصل دور“، والمعنى أن ثمة ما هو أعمق وأقدم وأكثر تأثيرًا من الظاهر على السطح؛ ثمة ما يفسر التصرف المُستنكر ويجعله مقبولًا، ويقال إجمالًا إن “كلّ إناءٍ ينضَح بما فيه” فإذا كان محتواه طيبًا ظهر وفاح، وإذا كان خبيثًا غشت الجو رائحة كريهة خانقة، والظن أن أصل المرء هو ما يظهر عند الشدائد منحيًا ما عداه، يقول الشاعر: “إن الكرام وإن ضاقت معيشتهم.. دامت فضيلتهم والأصل غلاب.. لله در أناس أينما ذكروا.. تطيب سيرتهم حتى وإن غابوا“.
***
تقول الحكمة الشعبية: “قليل الأصل لا تعاتبه ولا تلومه.. قلة الأصل طبعه من يومه“؛ والمراد أن ثمة أفعال وتصرفات تبدو مُستجدَّة؛ يُعاتَب عليها من لم تكن يومًا من صفاته المستقرة، أما إن كانت متأصلة فيه؛ تحولت إلى أمر بديهي لا يتوقف الآخرون لديه.
***
ينعكس الأصل على الهيئة حتى ليقر المأثور بأن: ”سيماهم في وجوههم“ وإذا رأى الناس شخصًا على وجهه ما يشي بأصل طيب مستور؛ فيما تواضع ملبسه وساء هندامه وهان فإنهم يعلقون بأسى: ”عزيز قوم ذل“، وما أكثر الأعزاء الذين أذلوا في أيامنا المجدبة هذه، وما أعجب الصابرين عليها وعلى مرارتها.
***
يقول المأثور المنسوب لعليّ بن أبي طالب: “ذو الأصل الطيب حتى في عداوته شريف، وقليل الأصل حتى في صداقته خبيث“. ثمة خصال ذميمة تنم عن رداءة الأصل والمنشأ؛ منها المغالاة في الخصومة، ونبذ قيم العفو والرحمة والتسامح، تضاف إليها الرغبة المحمومة في التنكيل بالمهزوم، ولا جدال أننا نرى منها الكثير في يومنا هذا؛ ولا أدل عليها من وجود مئات وربما آلاف الأشخاص المقيدة حرياتهم؛ لا كعقوبة قانونية مستحقة بل انتقام كريه.
***
أنشد إيليا أبو ماضي في قصيدته التينة الحمقاء: “نسى الطين ساعة أنه طينٌ.. حقير فصال تيهًا وعربد.. وكسى الخزُّ جسمَه فتباهى.. وحوى المالَ كيسُه فتمرَّد“. الصورة التي رسمها أبو ماضي ممتعة مثيرة، والطين الذي نسي أصله لا يدرك معدنه ولا يعرف قيمته الحقيقية، كما أنه لا يفطن لعواقب التنصل منها، وفي تبعات التنكر للأصل تأتي النصيحة المناسبة: “من فات قديمه تاه“؛ لتذكر بأهمية ما مضى وتنبه لدوره في الآتي.
