لطالما سعت الدعاية الرسمية في إيران إلى نفي فكرة التوريث، وقدّمتها باعتبارها قراءة خارجية مغرضة لا تفهم تعقيدات النظام الإيراني وآلياته. غير أن اغتيال المرشد السيد علي خامنئي في أواخر شباط/فبراير 2026، غيّر قواعد اللعبة. الحدث لم يخلق فقط فراغاً سياسياً، بل أطلق طاقة رمزية هائلة استثمرتها مراكز القوة في طهران بسرعة. هنا برز مجتبى خامنئي، الذي ظل لسنوات حاضراً في الظل، باعتباره الابن الذي لم يعد مجرد اسم متداول في كواليس السلطة، بل صار رمزاً للثأر والتحدي والاستمرارية في آن. هذه النقلة منحته شرعية من نوع مختلف، لا تقوم على التأويل الدستوري أو الاجتهاد الفقهي بقدر ما تقوم على العاطفة الجريحة وسردية الدم أو “شرعية الدم”.
في مثل هذه اللحظات، تميل الأنظمة العقائدية إلى إعادة إنتاج نفسها عبر لغة الشهادة والتضحية. من هذا الباب يمكن فهم ما يوصف بـ”معمودية الدم”، أي تلك العملية التي يتحول فيها الوريث من شخصية موضع جدل إلى قائد يُقدَّم بصفته امتداداً لدم القتيل ووصيته ورمزيته. بهذا المعنى، لم يعد مجتبى يُقدَّم كوريث سياسي بالمعنى التقليدي، بل كحامل لثأر الدولة العقائدية، وكشخصية صاغ لها الحرس الثوري صورة القائد الذي خرج من قلب المأساة لا من مجرد ترتيبات القصر. هذه السردية تتجاوز التحفظات التي كانت قائمة حول موقعه الديني المحدود أو غموض منزلته الفقهية، لأن لحظة الخطر الوجودي غالباً ما تتيح للأجهزة الصلبة أن تفرض منطقهـا على سائر مؤسسات النظام.
غير أن أهمية مجتبى، في هذا التصور، لا تكمن فقط في كونه ابن المرشد الراحل أو في قربه من شبكات النفوذ التي كان يُلم بأدق تفاصيلها، بل في الخلفية الفكرية التي يُقال إنه يمثلها. فثمة اعتقاد بأن الرجل أقرب إلى القراءة المتشددة التي ارتبطت بمحمد تقي مصباح يزدي، وهي قراءة تدفع بفكرة ولاية الفقيه إلى أقصاها، وتتعامل مع الشرعية بوصفها تنصيباً إلهياً لا يحتاج إلى تفويض شعبي إلا كإطار شكلي. في هذه الرؤية، لا تكون “الجمهورية” سوى أداة مرحلية فرضتها ضرورات ما بعد ثورة العام 1979، لا مبدأ تأسيسياً نهائياً. وإذا صحّ أن هذا التيار بات ممسكاً بمفاصل القرار، فإن ذلك يعني أن النظام يتجه إلى تقليص ما تبقى من التوازن بين المؤسسية الجمهورية والسلطة الدينية المطلقة.
هذا التحول الفكري ينعكس مباشرة على تعريف الدولة ووظيفتها. فبدلاً من النظر إلى الدولة كجهاز لإدارة المجتمع وتأمين حد أدنى من الاستقرار والرفاه، تصبح الدولة منصة تعبئة عقائدية، ووعاءً لمعركة مفتوحة ترى في الأزمات امتحاناً للمشروع وتجديداً للمشروعية. ضمن هذا المنطق، تكتسب الحرب معنى يتجاوز الحسابات التقليدية للكلفة والجدوى. لا تعود المواجهة مجرد أداة تفاوض أو ردع، بل تتحول إلى مسار هوياتي تتحدد فيه قيمة النظام بقدرته على الاحتمال والاشتباك والصبر. ومن هنا يمكن فهم لماذا تتراجع، في مثل هذا المناخ، فرص المناورة الدبلوماسية أو التسويات المرحلية، إذ يُعاد تفسير التراجع نفسه بوصفه ضعفاً عقائدياً لا مجرد اختيار تكتيكي.
في قلب هذا المشهد يبرز الحرس الثوري بوصفه المستفيد الأكبر من هذا التحول. فمنذ سنوات، كانت هذه المؤسسة تتجاوز دورها العسكري التقليدي، متمددة في الاقتصاد والسياسة والإعلام والأمن الإقليمي. لكن مع صعود مجتبى، كما يذهب هذا التحليل، يبدو أن الحرس ينتقل من موقع الشريك الأقوى إلى موقع العمود الفقري للنظام. هنا تظهر ملامح ما يمكن تسميته بـ”الجمهورية البريتورية”، أي النظام الذي تصبح فيه القوة المسلحة الحارس الفعلي للسلطة والمرجّح الأساسي في خلافاتها واتجاهاتها. في هذا النموذج، لا يختفي الفقيه، لكن يُعاد تموضعه في علاقة عضوية مع النخبة العسكرية العقائدية التي تمنحه الحماية والقدرة، فيما يمنحها هو الغطاء الشرعي والرمزي.
ويستدعي هذا المشهد، في المقارنة التاريخية، صورة “القزلباش” الذين لعبوا دوراً مركزياً في تأسيس الدولة الصفوية، حين امتزج الولاء الديني بالمقاتل العقائدي. المقصود هنا ليس التطابق التاريخي، بل الإشارة إلى نمط سلطة يتأسس على نخبة مسلحة ترى في القائد مرجعاً دينياً وسياسياً وعسكرياً معاً. بهذا المعنى، تنقلب العلاقة التقليدية بين الفقيه والمؤسسة الحامية له؛ إذ لا يعود الفقيه فقط من يشرعن القوة، بل يصبح أيضاً ثمرة لاختيار هذه القوة واحتياجاتها. وهذه نقطة أساسية في فهم طبيعة التحول، فالدولة لا تُدار وفق منطق المؤسسات المتوازنة، بل وفق منطق “المعسكر المهدد” الذي يعلو فيه صوت الأمن والتعبئة على أي صوت آخر.
انعكاسات هذا التحول تظهر أولاً في الداخل الإيراني. فالنظام، وهو يواجه ضغوطاً عسكرية خارجية واحتقاناً اجتماعياً واقتصادياً مزمناً، يجد في الخوف من التفكك أداة فعالة لإعادة شدّ العصبية. التوترات في الأقاليم ذات الحساسيات القومية والمذهبية، من بلوشستان إلى كردستان والأهواز، يمكن توظيفها في خطاب رسمي يربط أي احتجاج أو تمرد محتمل بمشروع يستهدف وحدة إيران نفسها. مثل هذا الخطاب لا يهدف فقط إلى قمع الأطراف، بل أيضاً إلى دفع الطبقات المحافظة والتجارية، إلى الاصطفاف وراء القيادة الجديدة برغم نفورها من سياساتها. الخوف من ضياع الدولة قد يتحول، في هذه الحالة، إلى حبل نجاة مؤقت للسلطة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن التحول يبدو أكثر حساسية. فإيران لم تبنِ نفوذها الخارجي فقط بالقوة الصلبة، بل أيضاً بقدرتها على إدارة شبكة من الوكلاء والحلفاء بقدر من المرونة البراغماتية. لكن إذا كان مركز القرار الجديد أكثر ميلاً إلى الحسم العقائدي، فإن هذا قد ينعكس على تركيبة “محور المقاومة” نفسه. ثمة احتمال لأن تتصاعد الضغوط لإزاحة الشخصيات التي توصف بالبراغماتية أو الميل إلى ضبط الإيقاع، لصالح قيادات أكثر استعداداً لخوض مواجهات مفتوحة. في هذا السياق، تصبح الساحات الإقليمية ليست فقط خطوط دفاع عن إيران، بل مسارح اختبار لصلابة العقيدة الجديدة. غير أن هذا الخيار، وإن منح النظام قدرة أكبر على فرض الانضباط داخل محوره، يرفع أيضاً منسوب المخاطرة، لأنه يجعل كلفة الصراع الإقليمي أكثر فداحة على المجتمعات المحلية وعلى بنية التحالفات نفسها.
ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر على هذا النموذج لا يأتي بالضرورة من الضربات الخارجية، بل من المسافة النفسية المتزايدة بين الدولة والمجتمع. فإيران التي راكمت خلال العقود الماضية أزمات اقتصادية خانقة، وتفاوتاً اجتماعياً واضحاً، واحتجاجات متكررة، لم تعد كتلة واحدة يمكن تعبئتها بسهولة عبر خطاب أحادي. ثمة شريحة من الإيرانيين، وخصوصاً الأجيال الأصغر وسكان المدن، لا ترى في الصدام العقائدي قدراً تاريخياً، بل عبئاً يُفرض عليه على حساب حياته وفرصه ومستقبل بلاده. هنا تكمن معضلة “الجنرال الفقيه”. بمقدوره أن يُعزّز القبضة الأمنية، وأن يصوغ سردية تعبئة متماسكة داخل النواة الصلبة للنظام، لكنه يواجه مجتمعاً تتآكل فيه قابلية الامتثال الإيديولوجي. كان خامنئي الأب يُجسّد الشرعية التاريخية التي تمثل الثورة والنظام، أما نجله مجتبى فيواجه تحدي ما يُمكن أن يجسد مستقبلاً لجيل إيراني جديد معظمه لم يكن قد ولد في لحظة الثورة. هو جيل ما بعد الثورة. جيل الفضاء الرقمي المفتوح والثقافات المتداخلة والتوّاقة إلى الحرية. جيلٌ يحتاج إلى دغدغة مصالحه بخطاب سياسي جديد، وبالتالي يبقى التحدي الحقيقي في مدى قدرة النظام السياسي على التكيف مع مجتمع يتغير بسرعة.
في الخلاصة؛ النظم التي تحصر شرعيتها في القوة والعقيدة تصبح أكثر صلابة أمام التسويات، لكنها أيضاً أكثر هشاشة أمام الانفجارات الاجتماعية غير المتوقعة. ومع تآكل المساحات الوسطى، واختفاء ما كان يُعرف بالإصلاحيين أو المحافظين المعتدلين من مركز التأثير الفعلي، يتجه المشهد إلى ثنائية قاسية: سلطة مركزة في يد فقيه محاط بمؤسسة أمنية ضخمة، ومجتمع يغلي تحت السطح من دون قنوات تمثيل أو تنفيس حقيقية. لسنا أمام استمرار بسيط للعهد السابق، بل أمام محاولة لإنتاج نسخة أكثر تشدداً وأكثر التصاقاً بالمؤسسة العسكرية العقائدية. وإذا كانت هذه النسخة تراهن على أن البقاء يكون لمن يملك الإرادة الأشد والعقيدة الأصلب، فإن السؤال المفتوح يظل متعلقاً بما إذا كانت دولة بهذا الحجم والتنوع يمكن أن تُدار طويلاً بمنطق الخندق. فالحرب قد تمنح السلطة أسباباً للبقاء، لكنها قد تصبح أيضاً الطريق الذي يقودها إلى أقصى حدودها. وفي لحظة تتداخل فيها خرائط النار مع خرائط السلطة، تبدو إيران مقبلة على مرحلة قد لا تعيد فقط تشكيل نظامها الداخلي، بل قد تترك أثرها على توازنات الإقليم بأسره.
