مثّل صعود دونالد ترامب، بما يحمله من تصور مغاير للعالم، ووصوله إلى البيت الأبيض عقب انتخابات 2016، هزةً عنيفة لإجماع واشنطن، وللاعتقاد بهيمنة القطب الأميركي الأوحد على المشهد العالمي. كما مثّلت عودة ترامب الثانية والأخيرة إلى البيت الأبيض عقب انتخابات 2024 إيذانًا عمليًا بانتهاء «إجماع واشنطن»، مع رفض إدارة ترامب –كما ظهر في استراتيجيتها للأمن القومي، التي صدرت في كانون الأول/ديسمبر الماضي عن البيت الأبيض، وما أعقبها من صدور استراتيجية البنتاغون– لهذا النهج.
حطّم انتخاب دونالد ترامب (الأول والثاني)، وسيطرته اللاحقة على الحزب الجمهوري، وتبنيه لأجندة «أميركا أولًا»، إجماع واشنطن، وطرح تحديًا كبيرًا له. ولا يُعرف بوضوح ما الذي سيحل محل هذا الإجماع، أو متى يمكن إعلان ذلك، في ظل وجود رئيس وإدارة شعبوية متمردة على ثوابت النظام العالمي القائم على قواعد رسختها واشنطن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في منتصف أربعينيات القرن الماضي.
وبرغم هيمنة ترامب وقراراته وسياساته على المشهد العالمي، فإننا لسنا أمام نظام أحادي القطبية، على الرغم من تحرك واشنطن أحيانًا في هذا الاتجاه (مثل نموذج مجلس السلام الخاص بغزة). وبرغم صعود الصين وتحديها للقوة الأميركية، من المبكر الحديث عن ثنائية قطبية، في ضوء التزام الصين الصارم –حتى الآن– بعدم تمديد نفوذها العسكري خارج نطاقها الإقليمي الضيق. ويبقى السؤال: هل يعني ذلك أننا أمام نظام متعدد الأقطاب، حيث تتوزع مناطق النفوذ بين عدد من اللاعبين الرئيسيين في مختلف أقاليم العالم؟ ليست الإجابة بالضرورة نعم، إذ إن هناك تداخلات معقدة بين القوة الاقتصادية، وحجم الإنفاق العسكري، والنفوذ، والمشاركة في المنظمات الدولية. لكن الأدق أننا في مرحلة صيرورة لتشكل نظام عالمي لم تتحدد ملامحه ولم تكتمل بعد.
***
وبرغم أن الولايات المتحدة مارست دورًا قياديًا في تشكيل النظام العالمي قبل نحو 80 عامًا، بعد الانتصار في حرب عالمية، فإنها تؤدي مرة أخرى دورًا قياديًا في تشكيل نظام عالمي جديد، من خلال سيرها في مسار بطيء من التراجع النسبي بعد عقود من قيادتها للعالم بلا منازع.
ومن المفارقات أن أفعال الولايات المتحدة نفسها تُسرّع هذا التحول نحو التعددية القطبية. فقد صُممت السياسات الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية للتضحية ببعض القوة قصيرة الأجل من أجل تثبيت النفوذ الأميركي على المدى الطويل. فقد بنت واشنطن مؤسسات دولية، منها: منظمة الأمم المتحدة، حلف شمال الأطلسي (الناتو)، منظمة التجارة العالمية، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، ومؤسسات أخرى، أسهمت جميعها في تثبيت القوة الأميركية لفترة طويلة. كما قلّلت هذه الشبكة من السلوك العدواني بين الدول الكبرى، وحفّزت دولًا كبرى، مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا واليابان وكوريا الجنوبية، على الاستمرار في التعاون مع الولايات المتحدة.
وهكذا تشكلت السياسة الخارجية الأميركية على أساس افتراض غير معلن مفاده أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة بلا منازع، وأن من حقها –بل من واجبها– إدارة النظام الدولي، وضبط إيقاعه، والتدخل عسكريًا متى رأت أن مصالحها أو القيم الليبرالية مهددة. غير أن التحولات (الجيوسياسية، والاقتصادية، والتكنولوجية) خلال العقود الثلاثة الماضية، إضافة إلى الإرهاق الداخلي من الحروب الممتدة في الشرق الأوسط، دفعت صُنّاع القرار في واشنطن إلى مراجعة عميقة لهذه الفرضيات.
ومن ناحية ثانية، اعتقدت مدرسة السياسة الخارجية الأميركية أن تدفقات رأس المال والعولمة الاقتصادية ستحرر الصين وتمهد لتحول ديموقراطي داخلي مع تحسن المستوى المعيشي لمئات الملايين من أبناء الطبقة المتوسطة، بما يؤدي إلى تهدئة العلاقات بين أكبر قوتين في العالم. كما توقع المفكرون الأميركيون أن تتحول روسيا بسرعة إلى ديموقراطية ليبرالية واقتصاد سوق حرة، وأن يحول “الناتو” تركيزه من حماية أوروبا الغربية إلى إصلاح ودمج وتكامل العلاقات مع روسيا، دون قلق كبير من احتمال الاضطرار للدفاع عن أعضاء جدد. كما افترضوا أن الجيش الأميركي سيعمل كشرطي عالمي، وأن بإمكان الولايات المتحدة إعادة هندسة الدول ومجتمعاتها في العراق وليبيا وسوريا وأفغانستان.
***
وتؤكد الوثائق الحديثة أن هدف إدارة ترامب –كما ورد في استراتيجية البيت الأبيض للأمن القومي– هو تقليل الانخراط الأميركي في قضايا الشرق الأوسط، من خلال تمكين الحلفاء والشركاء هناك من تحمل «المسؤولية الأساسية» عن أمن المنطقة، مدعومين بصفقات ضخمة من مبيعات الأسلحة الأميركية.
وسيعتمد نهج إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط على قيام الشركاء الإقليميين –أي حلفاء واشنطن في المنطقة– بدور أكبر، وبخاصة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب على إيران. وهكذا ترى الاستراتيجيات الأميركية الجديدة أن على الولايات المتحدة تقليل أولوية الشرق الأوسط، دون التخلي عنه. فعلى مدار قرن تقريبًا، اعتُبر الشرق الأوسط واحدًا من ثلاثة مسارح رئيسية للأمن الأميركي، إلى جانب أوروبا وآسيا. وكان هذا التوجه مدفوعًا إلى حد كبير بالحاجة إلى النفط لتغذية الاقتصاد العالمي والجيش الأميركي، ولاحقًا بسبب المخاوف من الإرهاب.
ومع ذلك، فقد تراجعت مخاوف الشعب الأميركي من الإرهاب، كما غيّر ازدهار الإنتاج التكنولوجي الأميركي للطاقة من الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط. وفي الواقع، فإن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة بات يحمي –إلى حد كبير– إمدادات الطاقة المتجهة إلى الصين. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تكون موجودة في كل مكان في آن واحد، لذا فإن تعديل انتشارها العسكري في المنطقة يبدو مبررًا. غير أن مغامرة ترامب بشن حرب بلا أهداف واضحة على إيران تُربك المخططين الاستراتيجيين الأميركيين.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
