لم تكن الجمهورية الإسلامية منذ ولادتها دولة دينية تقليدية، بل نظاماً سياسياً فريداً يمزج بين مؤسسات انتخابية مثل البرلمان ومجلس خبراء القيادة ورئاسة الجمهورية وبين سلطة دينية عليا يمثلها المرشد الأعلى. وقد احتفظ هذا المنصب بسلطات واسعة تشمل الإشراف على القوات المسلحة وتحديد الاتجاهات الكبرى للسياسة الخارجية. بعد وفاة الخميني عام 1989، انتقل المنصب إلى علي خامنئي في خطوة اعتُبرت آنذاك اختباراً عملياً لنظرية ولاية الفقيه. ومع مرور الزمن، أصبح خامنئي الشخصية الأكثر نفوذاً في النظام الإيراني، حيث نجح على مدى ثلاثة عقود ونصف، في بناء شبكة معقدة من التحالفات داخل المؤسسات السياسية والدينية والعسكرية؛ هذه المؤسسات التي اختارته بقوة دفع جسدها ما كان يُمثّله الشيخ هاشمي رفسنجاني بشراكته مع عائلة مؤسس الجمهورية الإسلامية الذي كان يرفض التوريث.
وعلى مدى العقدين الماضيين، برز اسم مجتبى خامنئي تدريجياً داخل دوائر السلطة الإيرانية. وبرغم أنه لم يشغل مناصب رسمية بارزة، فإن نفوذه داخل النظام كان واضحاً، وخصوصاً علاقته الوثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، الذي يُعد أحد أهم مراكز القوة في إيران، إذ لا يقتصر دوره على الجانب العسكري بل يمتد إلى الاقتصاد والسياسة الإقليمية، ما يجعله لاعباً حاسماً في توازنات السلطة داخل الدولة.
ويبدو صعود مجتبى خامنئي امتداداً طبيعياً لهذه الشبكة من العلاقات داخل النظام، حيث ينظر إليه كثيرون بوصفه شخصية قادرة على الحفاظ على التوازنات القائمة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية. ويُعد منصب المرشد الأعلى أعلى سلطة دينية وسياسية في النظام السياسي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويستند إلى مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنح الفقيه الجامع للشرائط صلاحية قيادة الدولة والمجتمع.
ووفق الدستور الإيراني، يتولى مجلس خبراء القيادة مهمة اختيار المرشد الأعلى من بين الفقهاء الذين تتوافر فيهم مجموعة من الشروط، أبرزها بلوغ مرتبة الاجتهاد في الفقه الإسلامي، والتمتع بالعدالة والتقوى، إضافة إلى امتلاك الكفاءة السياسية والإدارية اللازمة لإدارة شؤون الدولة. وقد تلقى مجتبى خامنئي تعليمه الديني في الحوزة الدينية في قم، وهي المركز الرئيس للدراسات الدينية الشيعية في إيران، إلا أن تقييم موقعه العلمي داخل الحوزة يبقى محل نقاش، إذ لا يظهر أنه يحظى باعتراف واسع ببلوغه مرتبة الاجتهاد بين كبار الفقهاء، كما لا يُعرف عنه إنتاج فقهي مؤثر أو حضور علمي بارز يضعه ضمن الطبقة الأولى من علماء الدين في إيران، وهذا الأمر يطرح أسئلة حول موقف مراجع قم من التوريث.
والجدير ذكره من الناحية المؤسسية، أن المكانة العلمية والاعتراف الحوزوي يمثلان عنصرين مهمين في ترسيخ الشرعية الدينية للقيادة. وقد لعب هذا البعد دوراً مركزياً منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الخميني، حيث ارتبطت شرعية القيادة الدينية بقدرة الولي الفقيه على الجمع بين الكفاءة الفقهية والشرعية الدينية، وفق الصيغة التي طرحها الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية، معطوفة على توازنات أخرى، ولعل أبرزها دور البازار (طبقة التجار) الذين يشكلون مع رجال الدين ثنائية محكومة بمنظومة مصالح دقيقة جداً.
ويكشف تاريخ المرجعية الشيعية المعاصرة في كل من العراق وإيران ولبنان عن غياب مبدأ التوريث الديني بوصفه قاعدة مؤسسية في انتقال القيادة الفقهية. فالمرجعية في الفقه الشيعي لا تقوم على انتقال المنصب عبر السلالة العائلية، بل على بلوغ مرتبة الاجتهاد واعتراف الحوزة العلمية بمكانة الفقيه، إضافة إلى قبول المقلّدين له مرجعاً للتقليد.
وبذلك تتأسس الشرعية الدينية على الكفاءة العلمية والتراكم المعرفي، لا على الانتماء العائلي. وتبرز هذه السمة بوضوح في تجارب عدد من أبرز العلماء في العصر الحديث. فالسيد علي السيستاني، المرجع البارز المقيم في النجف، لم تتحول مرجعيته إلى إرث عائلي ينتقل إلى أبنائه، بل بقيت مرتبطة بشخصه وبمكانته العلمية داخل الحوزة برغم الحاح الداخل العراقي والخارج على توريث نجله محمد علي السيستاني. ويسري ذلك على المرجع أبو القاسم الخوئي (توفي عام 1992) الذي رفض فكرة التوريث في المرجعية الدينية، ولطالما كان يؤكد أن المرجعية في الفقه الشيعي تقوم على الاجتهاد العلمي واعتراف الحوزة والمقلّدين.
وينطبق الأمر ذاته على تجربة روح الله الخميني، الذي شكّل أحد أبرز الفقهاء والقادة السياسيين في القرن العشرين. فعلى الرغم من المكانة السياسية والدينية الكبيرة التي اكتسبها، لم تتحول قيادته إلى إرث عائلي بعد وفاته، ولم تنتقل إلى أبنائه بوصفها امتداداً وراثياً للسلطة الدينية أو السياسية.
كما يظهر هذا النمط في تجربة العالم اللبناني البارز السيد عبد الحسين شرف الدين، أحد أبرز علماء جبل عامل في القرن العشرين. فرغم المكانة العلمية والاجتماعية التي اكتسبها في مدينة صور وفي الوسط الشيعي عموماً، رفض تحويل هذه المكانة إلى موقع موروث داخل عائلته.
وتدل هذه الحالات على سمة بنيوية في النظام الحوزوي الشيعي، وهي أن المرجعية لا تُختزل في منصب يمكن نقله بالوراثة، بل هي نتيجة عملية علمية واجتماعية معقدة تتشكل داخل فضاء الحوزة عبر الاعتراف العلمي والتراكم الفقهي.
في ظل هذه الظروف، سيواجه المرشد الجديد مجموعة من الخيارات الاستراتيجية التي قد تحدد مستقبل إيران الإقليمي. وقد يواصل النهج الذي اتبعه والده، القائم على الجمع بين الردع العسكري والصبر الاستراتيجي والاعتماد على الحلفاء الإقليميين لموازنة القوة الإسرائيلية والأميركية، وهناك احتمال أن يسعى المرشد الجديد إلى تبني سياسة أكثر تشدداً لإثبات شرعيته داخل النظام. أما الخيار الثالث فقد يتمثل في محاولة إعادة ترتيب العلاقة مع الغرب بهدف تخفيف الضغوط الاقتصادية، لكن هذا الخيار سيبقى محدوداً بسبب عمق الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة.
في جميع هذه السيناريوهات، سيبقى الحرس الثوري إسماً على مسمى، أي حارس الثورة ومرجعيتها، مستفيداً من تحوله من تشكيل عسكري وأمني في بداياته إلى مؤسسة سياسية واقتصادية ضخمة داخل الدولة. ويرى كثير من المحللين أن العلاقة بين المرشد الأعلى والحرس الثوري ستكون عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه السياسة الإيرانية في السنوات القادمة.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان مجتبى خامنئي قادراً على قيادة إيران، بل ما إذا كان صعوده يمثل تحولاً أعمق في طبيعة النظام نفسه. فالجمهورية الإسلامية قامت أصلاً على فكرة تجاوز الحكم الوراثي الذي مثّله نظام الشاه، وعلى بناء شرعية جديدة تستند إلى المرجعية الدينية والاجتهاد الفقهي. وإذا كان انتقال القيادة داخل عائلة المرشد يفتح الباب أمام منطق الاستمرارية العائلية، فإن ذلك قد يضع ولاية الفقيه أمام اختبار تاريخي غير مسبوق. من هنا تكمن أهمية رصد مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الحالية، فإذا تمكن النظام من الصمود والبقاء على قيد الحياة، من المفيد رصد كيفية تعامل شرائح كثيرة مع ظاهرة التوريث من الجيل الإيراني الجديد ونظرته إلى قيادة بلده إلى مراجع قم وماهية النقاش الحوزوي الذي سيدور ولا سيما حول تسييس موقع المرجعية (ولاية الفقيه).
ومع دخول إيران مرحلة إقليمية معقدة تتشابك فيها الضغوط الاقتصادية بالصراعات الجيوسياسية، سيبقى مستقبل النظام الإيراني مرتبطاً بقدرته على التوفيق بين الشرعية الدينية التي قامت عليها الثورة وبين متطلبات الدولة الحديثة وموازين القوى الجديدة. وفي هذا السياق، قد يكون صعود مجتبى خامنئي أكثر من مجرد انتقال للسلطة؛ بل لحظة مفصلية قد تعيد تعريف العلاقة بين الدين والسياسة في الجمهورية الإسلامية لعقود قادمة.
