التحوّل الديموغرافي
تشهد المجتمعات المعاصرة ظاهرة ديموغرافية مهمة، وهي ظاهرة التحوّل أو الانتقال الديموغرافي (Demographic Transition). بدأت ملامح هذا التحوّل في المجتمعات الغربية الصناعية، أولًا، منذ القرن الثامن عشر، ثم تسارعت في معظم دول العالم بعد الحرب العالمية الأولى. تتمثّل هذه الظاهرة في تحوّلات أساسية على الولادات والوفيات. فمع التقدّم الطبي (اللقاحات، التقدم في الجراحة والطب والأدوية…) انخفضت معدّلات الوفيات بشكلٍ حاد مع بقاء معدلات الولادات مرتفعة، ما أدّى إلى نموّ سكّاني مرتفع إذ تضاعف عدد سكّان الأرض ثمانية أضعاف خلال قرنين من الزمن، من المليار الأول في العام 1800 إلى المليار الثامن في العام 2022 (أنظر الرسم 1 فوق). أما في لبنان فقد تضاعف عدد السكان اللبنانيين المقيمين في لبنان خلال قرن واحد، من تأسيس “دولة لبنان الكبير”، من 609 آلاف نسمة (تعداد 1921) إلى 4.84 مليون نسمة (2019)[1] (تقرير القوى العاملة في لبنان، إدارة الإحصاء المركزي، 2020)، أي ما يناهز الثمانية أضعاف أيضًا. كان الدافع الأساسي لهذا التضاعف في عدد السكان في لبنان هو ارتفاع الولادات وانخفاض الوفيات.
الاتجاه الإيجابي (Positive Trend) الخاص بالولادات في لبنان بدأ بالتراجع منذ العام 2011، ولكنه بقي تراجعًا بطيئًا إلى العام 2019. إذ انخفضت الولادات بشكلٍ متسارع إلى أن وصلت إلى ما دون الـ 63 ألف حالة ولادة سنوية في العام 2022 مقارنة بما يناهز الـ 97 ألف حالة للعام 2011، أي بتراجع مقداره 35%. يندر مثل هذا التراجع الحاد في الولادات، خلال فترة زمنية تقارب العقد من الزمن. إلّا أنّ عددًا من الأسباب يكمن وراء ذلك: ترافقت المرحلتان الثانية والثالثة من نموذج التحوّل الديموغرافي في لبنان الذي يبدأ بتراجع الوفيات، مع تراجع الولادات، للتماشي مع الواقع الجديد الخاص بالوفاتية. ذلك أنّ أحد أسباب ارتفاع الولادات يعود إلى رغبة الأسر في ضمان وصول عدد محدّد من المواليد، من قِبلها، إلى سن الرشد في ظل ارتفاع معدلات وفيات الرضع والأطفال في المجتمعات التقليدية.
دور التحوّلات الثقافية والاجتماعية
حين تراجعت معدّلات الوفيات بعد تأسيس لبنان الحديث، تراجعت معها معدّلات الولادات. أضف إلى ذلك أن التطور الطبي كان مترافقًا مع تحوّلات ثقافية-اجتماعية-اقتصادية غيّرت النظرة إلى الطفل، من عامل زراعي لا يتقاضى أجرًا، إلى استثمار بشري بحاجةٍ إلى إعداد مكلف قبل أن يلتحق بسوق العمل ((تبعًا لنظرية المفاضلة بين جودة وكمية الأطفال لغاري بيكر، الخبير الإقتصادي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد).
أدّت هذه التحولات إلى خفض عدد الولادات إلى ما تستطيع الأسر الحديثة أن تهتم به وتجهّزه أفضل تجهيز لا أن تعيله فحسب. وأدى ذلك إلى تراجُع خصوبة المرأة اللبنانية من 6 ولادات للمرأة الواحدة في خمسينيّات وستينيات القرن العشرين إلى ما يقرب من 1.6 ولادات للمرأة الواحدة اليوم (أو 16 ولادة لكل 10 نساء). كما أنّ المجتمع اللبناني ابتعد بسرعة عن الزراعة (التي تطلب اليد العاملة الرخيصة) إلى الخدمات (التي تتطلّب اليد العاملة ذات الإعداد المتقدم)، بالإضافة إلى الوعي بمسألة مواءمة عدد الأولاد مع إمكانات الأسرة. كل هذه العوامل دفعت بمعدلات الولادات في لبنان إلى انخفاض مستمر منذ ما بعد نهاية الحرب اللبنانية.

توصّلت الورقة البحثية المذكورة في مقدمة هذه المقالة إلى خلاصة ثانية مفادها أنّ “الفترة الممتدة بين الأعوام 2022 و2031 ستشهد دخول الجيل الذي وُلد ما بعد الحرب (1975-1990) في فترة الزواج والإنجاب”، وهو يُعدّ تمثيلًا لظاهرة “جيل الصدى” (Baby Echo) ما يؤدي إلى نتوء ظرفيّ في هرم الأعمار، ويعطي المجتمع اللبناني دفعًا جديدًا في ما يتعلّق بالولادات.
“جيل الصدى”
هنا لا بدّ من التساؤل: ما هي ظاهرة “جيل الصدى”، وما دورها في عودة ارتفاع الولادات في لبنان؟
شهد لبنان ظاهرة ديموغرافية بالغة الأهمية بين العامين 1990 و1994. نشأت هذه الظاهرة عن الأزمات التي مرّ بها لبنان، وخصوصًا أوقات الحرب، منذ 1975. وقد شكّلت مجتمعةً العوامل الأساسية المحبطة للولادات. ذلك أنّ المصير المجهول، والصعوبات (الأمنية والاقتصادية وغيرها) تدفع الأسر إلى إلغاء فكرة الإنجاب أو تأجيلها في أفضل الأحوال.
اشتدّ تأثير هذا الإلغاء/التأجيل في السنوات الأخيرة للحرب بخاصة بين 1988 و1990. ولكن مع نهاية الحرب، انتهى التأجيل. هنا، شهد لبنان ظاهرة انفجار الولادات. وهي ظاهرة تلقي بثقلها على الأسر بعد انتفاء أسباب التأجيل، فتقوم بعد أن أجّلت الولادات لعدد من السنوات، إلى تعويض هذا العدد من خلال إنجاب ما أجّلته. هكذا شهد لبنان ارتفاعًا كبيرًا في الولادات التي سُجّلت بين الأعوام 1990 و1999 (وبخاصة 1990-1994)، ليعود العدد السنوي للولادات إلى الاستقرار بعدها.
انفجار الولادات
ظاهرة انفجار الولادات هذه، تميّزت بها الدول التي خاضت حروبًا وأزمات طويلة كالحرب العالمية الثانية عند دول الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا والولايات المتحدة واليابان. تجلّت هذه الفترة في ولادات الأعوام 1945-.1964 ويُعرف مواليد هذه الفترة عالميًّا بالـ (Boomers) نسبة لمصطلح انفجار الولادات أو (Baby Boom).
مع مرور الوقت، وتحديدًا بعد انقضاء مدة تعادل متوسطات العمر عند الزواج الأول (25-34 سنة)، يدخل أبناء جيل الانفجار السكاني مرحلة الزواج والإنجاب، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع عدد المواليد الناتجة عن عدد أكبر من الأسر الحديثة التكوين. تُعرف هذه الظاهرة بأنّها صدىً للانفجار السكاني (Echo Generation).
عند النظر إلى الرسم البياني 2 أعلاه تتوضح هاتان الظاهرتان من خلال الأسهم التي تشير إلى جيلي الانفجار والصدى في اليابان، وهي من الدول التي حصل فيها ارتفاع في الولادات بعد الحرب العالمية الثانية. هكذا، فإنّ “جيل الانفجار” في اليابان هو لمن أعمارهم 70-79 (مواليد 1945-1954). أما جيل الصدى لهذه الفئات فهم مَن أعمارهم 45-54 عامًا (مواليد 1980-1989). أما في لبنان الذي شهد انفجارًا في الولادات بعد انتهاء الحرب اللبنانية (1990-1999) فإن فئة الانفجار هي التي تضم مَن هم في الأعمار التي تراوح بين 20-29 عامًا، وهي الفئة الأكثر عددًا في هرم الأعمار للعام 2020. وبما أنّ متوسطات الأعمار عند الزواج الأول في لبنان للذكور والإناث تراوح بين 30-34 عامًا، فهذا يعني أن فئة انفجار الولادات (التي ولدت بين الأعوام 1990-1999) بدأت بالدخول في عمر الزواج ابتداءً من العام 2020. (الرسم البياني 3 أعلاه).
الولادات في ظل الأزمات
إلّا أن ظاهرة “جيل الصدى” ليست المؤثر الوحيد على عودة ارتفاع الولادات في لبنان، فلو أنّها كانت هي الفاعل الوحيد في ما نراه اليوم لكان من المفترض أن ترتفع الولادات منذ العام 2022، إذن، ما الذي أخّر هذا الاتجاه؟
في المجتمعات التي تتميز بوعي اقتصادي واجتماعي، تتأثر الولادات بالأزمات وأوقات “اللايقين” التي تؤدّي إلى انخفاض الولادات مع ارتفاع المخاطر، إذ تمتنع الأسر عن الإنجاب كاستجابةٍ مباشرة للوضع المجهول.
ومن المعلوم أن لبنان مرّ بواحدة من أعقد الأزمات النظامية في تاريخه منذ العام 2019. وما زال إلى اليوم يرزح تحت أثقالها: انهيار العملة الوطنية، أزمة مصارف ومودعين، انهيار القطاع الصحي والخدماتي، جائحة كوفيد19، انفجار مرفأ بيروت.. كل هذه العوامل أدت إلى انخفاض معدل الولادات إلى أدنى مستوى في تاريخ لبنان، وذلك وفق ما سُجّل في العام 2022 إذ لم يتجاوز عدد الولادات الـ 68 ألف حالة ولادة.
نتج هذا التراجع عن ردّتَي فعل للأسر تجاه الإنجاب: بعض الأسر اتخذت قرارًا بالتوقّف عن الإنجاب وإلغاء ما كانت قد خطّطت له من عدد مفضّل من الولادات (وهو ما يفسّر هذا الانخفاض التاريخي في الولادات). أما الأسر الأخرى (وبخاصة الحديثة التكوين) فلم تتخذ قرارًا بالتوقّف عن الإنجاب، بل اتخذت قرارًا بالتأجيل، أي التوقّف المؤقت إلى حين انتفاء الظروف المؤدية إليه.
الواقع في لبنان اليوم
ما أن انتهت سنة 2024 وما حملته من تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان (حرب الـ66 يومًا) مترافقًا مع بعض التحسّن في المؤشرات الاقتصادية (مقارنة بالأعوام 2021-2023 وليس مقارنة بما قبل الـ 2019)، حتى تراجعت ظاهرة التأجيل لمصلحة ظاهرة أخرى وهي “التعويض” إذ عادت الأسر للإنجاب الذي أوقفته لعدد من السنوات. وبما أنّ هذه الظاهرة تكون عفوية وجماعية في آن واحد، ارتفعت أعداد الولادات بشكلٍ ملحوظ بين عام وآخر، وتمثّل ذلك في زيادة من 65209 حالة ولادة في العام 2024 إلى 70986 حالة ولادة في العام 2025، أي بمقدار 5777 حالة ولادة إضافية في سنة واحدة، أو ما يعادل نموًّا سنويًّا مقداره 8.13%.
في المحصّلة، كان ارتفاع الولادات في العام 2025 نتيجة لتصادف ظاهرتين متزامنتين؛ الأولى، وهي التعويض، وتكون ظرفية لا تستمر إلا لعام أو عامين على الأكثر. أما الثانية، فهي ظاهرة “جيل الصدى” التي يمكن أن تكون أكثر امتدادًا إذ يمكن أن يبقى تأثيرها إلى العام 2034. مع ذلك، لا بدّ من إدراج ملاحظتين:
- الأولى؛ أنّنا نُرجّح عودة تأثير تأجيل الولادات للعام 2026 إذ يمكن أن تنخفض بين 2026-2027، وذلك بسبب ظروف الحرب الإقليمية الحالية (2026)، ومنها الحرب على لبنان مع ما تحمله من غموض وقلق على المستقبل.
- الثانية؛ استمرار النمط المتراجع للولادات في لبنان الذي أصبح من السمات الثقافية للمجتمع اللبناني مع ما يحمل من احتمال إجهاض “جيل الصدى” حتى قبل أن يبصر النور، ومع ما سينتج عن ذلك من تسارع الاتجاه نحو مجتمع معمّر وهرِم، علمّا أنّ لبنان حاليًّا هو أكثر دولة عربية معمّرة، إذ تزيد نسبة سكانه ممن تجاوزوا الخامسة والستين من العمر الـ 15% من مجموع السكان.
[1]. من الضروري التوضيح هنا بأنّ هذا الرقم يقتصر على: اللبنانيين المقيمين بشكلٍ دائم على الأراضي اللبنانية وغير اللبنانيين (من ضمنهم السوريون خارج المخيمات) المقيمون على الأراضي اللبنانية بشكلٍ دائم. ويُقصد بالأراضي اللبنانية كل مساحة لبنان باستثناء المخيمات والعشوائيات. وعليه، فإنّ النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين في المخيمات غير مشمولين بهذا الرقم. أما العدد الفعلي للسكان (بغض النظر عن مكان سكنهم) الذين يقيمون بشكل ٍدائم على الأراضي اللبنانية فهو يناهز الـ6.7 مليون شخص من بينهم 3.8 مليون لبناني مقيم في لبنان فقط (الأرقام للباحث).
