صديقي مالك: لبنان لا يحتاج إلى معجزة بل إلى شجاعة كسر الأكاذيب

نشر موقع 180 بوست مقالة للزميل مالك أبو حمدان بعنوان "لبنان.. بأيّ مُعجزة نعيشُ "سويّاً"؟" طرحت أسئلة حول الرمزيات الجامعة، وخلص فيها إلى المقارنة بين تضحيات المقاومين وما يعتبره تناقضاً في سلوك سلطة سياسية تذهب إلى التفاوض مع العدو الإسرائيلي في لحظة مواجهة، ما يخلق مشهداً سوريالياً يفصل بين من يدفع كلفة الصراع ومن يقرّر مساره. وفي جوهر النص، يطرح إشكالية أخلاقية عميقة: كيف يمكن تبرير هذه السياسات للأجيال الجديدة، من دون أن تتحوّل إلى “كذبة” تُقوّض فكرة العيش المشترك في لبنان؟

ليس السؤال الحقيقي كيف نشرح لأولادنا “من هو على حق”، بل كيف نمنع أنفسنا من تحويلهم إلى نسخةٍ جديدة من انقساماتنا القديمة، نسخةٍ أكثر حدّة، وربّما أكثر قسوة.

المشكلة في هذا الطرح – صديقي مالك – أنّه ينطلق من خوفٍ صادق ومفهوم، لكنّه يقودنا إلى زاوية ضيّقة وخطيرة: إمّا أن نكذب على أطفالنا لنحافظ على فكرة “العيش معاً”، أو أن نلقّنهم “حقيقتنا” فنزرع فيهم رفض الآخرين. وكأنّ العالم لا يتّسع إلا لهذين الخيارين: الكذبة أو الانقسام. والحقيقة أنّ هذا التبسيط بحد ذاته هو جزء من أزمتنا، والحقيقة أوسع من ذلك، وأكثر تعقيداً.

لبنان لا يعيش بمعجزة، ولا يستمرّ بفعل سرّ خفي. هو واقعٌ مركّب، يقوم على توازنات دقيقة، وعلى شبكة من التفاهمات والتناقضات التي لم تُحلّ، لكنها لم تنفجر بالكامل أيضاً.

المشكلة ليست في وجود هذا التناقض، بل في طريقة تعاملنا معه. نحن لا نكتفي بالاختلاف، نحن نُعيد إنتاجه، نورّثه، نغذّيه بالخوف، بالذاكرة المجروحة، بالطائفة، بالمذهب، بالحزب، وبسرديّات لم نجرؤ يوماً على نقدها، ثم نقف اليوم، بدهشة مصطنعة، لنسأل: كيف نشرح هذا لأولادنا؟ ثم نتفاجأ حين يكبر في داخلنا، وفي داخل أولادنا. نقول إننا نريد لهم مستقبلاً مختلفاً، لكننا نمنحهم أدوات الماضي نفسها.

الحقيقة الأقسى التي يجب أن نواجهها ليست أنّ أطفالنا سيحتارون بين من يرى بشير الجميّل بطلاً ومن يراه خائناً، أو بين من يمجّد جمال عبد الناصر ومن يرفضه، أو بين من يلعن صدام حسين ومن يحنّ إليه، ولا بين من يمجّد حافظ الأسد من موقع مذهبي أو سياسي، ومن يلعنه من الموقع نفسه.

واجبنا ليس أن نقنع أولادنا بروايتنا، ولا أن نلقّنهم من هو “الوطني” ومن هو “الخائن”، من هو “المقاوم” ومن هو “العميل”. لأنّ هذه التصنيفات، في كثير من الأحيان، ليست حقائق مطلقة، بل انعكاس لانتماءاتنا، لمخاوفنا، لتجاربنا، ولانحيازاتنا التي لم نُخضعها للمساءلة.

الجواب ليس أن نشرحه، بل أن نكفّ عن توريثه. بل الحقيقة أنّ جيلنا فشل في بناء مساحة مشتركة، مساحة إنسانية وأخلاقية، تسمح لكل هذه القراءات أن تتعايش دون أن تتحوّل إلى كراهية أو إلغاء متبادل. لبنان، في جوهره، ليس استثناءً، بل نموذج مكثّف.

وعندما أقول مساحة؛ أقصد مساحة تتجاور وتتحاور فيها سرديّات متعارضة، لا تذوب في بعضها، بل تبقى قائمة ومتوازية، وأحياناً متصادمة وربما متلاقية.

السؤال الحقيقي، إذاً، ليس كيف نعيش برغم هذا التناقض، بل: كيف نُدير هذا التناقض (أو التنوع)، بحيث لا يتحوّل إلى صراعٍ مفتوح؟

المشكلة ليست في التعدّد، بل في غياب ما ينظّمه. حين تغيب الدولة كمرجعية جامعة، يتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى توتّر، ثم إلى خوف، ثم إلى انقسام، لا لأن الناس مختلفون، بل لأن لا شيء يضبط هذا الاختلاف. وظيفة الدولة ليست أن توحّد ذاكرتنا، بل أن تنظّم الخلاف حولها. لكن، في غياب هذا الإطار، نعود إلى أبسط وأخطر ما نملك: رواياتنا وسرديّاتنا الخاصة.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. حين نقول للطفل إنّ “هذا بطل مطلق” أو “ذاك شرّ مطلق”، نحن لا نعلّمه التاريخ، بل ندرّبه على الإقصاء. وحين نخبره أنّ الآخرين “مخطئون” أو “لا يرون الحقيقة”، نحن لا نمنحه وضوحاً، بل نغلق عقله قبل أن يُفتح.

الطفل لا يحتاج أن يعرف من انتصر، بل أن يفهم لماذا وصل الناس إلى المواجهة أصلاً، ولا يحتاج أن يتبنّى موقفنا من أي “آخر”، فلسطينياً كان أم سورياً أم مختلفاً في الرأي والانتماء، بل أن يتعلّم أنّ الظلم لا هوية له، وأنّ الخوف يمكن أن يسكن الجميع، وأنّ الكرامة لا تتجزّأ.

وحين نصل إلى شخصية مثل بشير الجميّل، لا يكفي أن نسأل: هل كان بطلاً أم خائناً؟ الأصدق أن نقول: لقد عبّر عن هواجس ومخاوف جزء من اللبنانيين في لحظة تاريخية مأزومة، كما عبّر غيره عن مخاوف أجزاء أخرى. لكن قراءتنا له اليوم ليست بريئة؛ هي مشبعة بانتماءاتنا. نحن، في نهاية المطاف، أبناء المتاريس، متاريس الشوارع التي تحوّلت إلى متاريس في داخلنا.

هل أخطأ بشير الجميّل؟ ربما، لكن هل كنّا، نحن أيضاً، في مواقع مختلفة، جزءاً من هذا الخطأ؟ بالتأكيد. ومن هنا تبدأ المسؤولية الأخلاقية الحقيقية، لا في تبرئة أنفسنا، ولا في شيطنة الآخرين، بل في كسر هذه الحلقة المفرغة.

لا يجوز أن نربّي أبناءنا على فكرة أنّ الديكتاتور قد يكون صاحب قضية، أو أنّ الغاية تبرّر الوسيلة، لأنّ أخطر ما يمكن أن نورّثه هو تبرير القمع باسم القضايا الكبرى.

لا قضية تعلو فوق الإنسان. لا وطن، ولا مقاومة، ولا تاريخ، يبرّر سحق الإنسان أو مصادرة حريته. القيمة الأولى التي يجب أن نغرسها واضحة وبسيطة وعميقة: أنّ الإنسان وُلد حرّاً، لا ليُدجَّن بالخوف، ولا ليُساق إلى أقبية الظلم، ولا ليُختزل في ولاء أعمى.

إقرأ على موقع 180  قُلْ لي: هل ستكون في قافلة النهّابين أم ضحية كالمنهوبين؟

علينا أن نمتلك الشجاعة لنقول لأولادنا إنّ التاريخ ليس مقدّساً، بل يُقرأ ويُناقش ويُنتقد، وإنّ الهزيمة تُسمّى هزيمة، لا تُجمَّل بتسميات مخفّفة، وإنّ الشعارات الكبيرة كثيراً ما أخفت وراءها أخطاءً وخيباتٍ وثمناً إنسانياً باهظاً.

وحين نتحدّث عن قضايا المنطقة، لا نحتاج إلى خطاب تعبوي، بل إلى ميزان أخلاقي واضح. نعم، قضية فلسطين قضية إنسانية عادلة ومحقة، ولا يمكن إنكار ظلم شعبٍ اقتُلع من أرضه، لكن حماية الوطن وكرامة الإنسان فيه ليست تفصيلاً يمكن التضحية به أو تأجيله إلى أجل غير مسمّى. نعم، المقاومة حق مشروع في وجه الاحتلال، لكنها تفقد معناها عندما تتحوّل إلى أداة هيمنة في الداخل، أو إلى قوة تُستخدم في صراعات الآخرين، أو إلى ذريعة لإلغاء الداخل أو منع قيام الدولة.

في السياسة، المشكلة ليست فقط في الخيارات، بل في طريقة تقديمها. نختزل الواقع في ثنائيات مريحة: مواجهة أو استسلام، مقاومة أو خيانة، سلطة أو شعب. لكن الحقيقة أنّ الدول والمجتمعات تعيش دائماً في منطقة رمادية، حيث تتداخل المصالح مع المبادئ، والخوف مع القناعة، والضرورة مع الخطأ.

ولهذا، فإن تحويل السياسة إلى معركة أخلاقية مطلقة لا ينتج وضوحاً، بل ينتج انقساماً أعمق.

الدولة ليست تفصيلاً، وقرار السلم والحرب ليس حقاً حصرياً لأي جماعة، بل مسؤولية جماعية، لأنّ من يدفع ثمن الحروب ليس الشعارات بل الناس. والحكمة التي يجب أن نورّثها لأبنائنا ليست خطاباً سياسياً، بل عبارة عن مبدأ بسيط: منع الانهيار أولى من أي انتصار قد يدمّر ما تبقّى من وطن.

أما العيش معاً، فليس معجزة، ولا خدعة، ولا كذبة. هو خيار يومي صعب: أن نقبل أنّ الآخر قد يرى العالم بعين مختلفة دون أن نلغيه.

العيش معاً لا يعني أن نتفق، بل أن نرفض أن نلغي بعضنا. نعم، هناك ألم حقيقي، وذاكرة مثقلة، لكن تحويل كل ذلك إلى حقيقة واحدة نلقّنها لأطفالنا أخطر من الاختلاف نفسه، لأنّ الطفل الذي نعلّمه أنّ الحقيقة ملكنا وحدنا سيكبر عاجزاً عن رؤية إنسانية الآخر.

ربّما نحن الجيل الذي لم يستطع أن يهدم المتاريس، لكن يمكننا، على الأقل، أن نمنع بناءها في عقول أبنائنا.

مشكلة هذا الشرق، بكلّ ما فيه من ملائكةٍ وشياطين، أنّه عاجز عن الإلغاء وفاشل في الجمع.

توالت علينا العناوين الكبرى من العروبة، الدين، القوميّة، الاشتراكيّة، رفعت شعاراتها عالياً، ووعدت بالخلاص، لكنّها جميعاً، في لحظة الحقيقة، لم تستطع أن تصنع وطناً يتّسع لنا جميعاً.

وفي هذا البلد الصغير، في سواحله وجباله وبقاعه، يعيش كثيرون ممّن تقطّعت بهم السبل بين الهويّات، بين الانتماءات، بين الروايات المتناقضة، لا هم استطاعوا أن يذوبوا في مشروعٍ جامع، ولا هم قُبلوا كما هم.

نعم، أخطأنا جميعاً، بدرجاتٍ مختلفة، وبسياقاتٍ مختلفة، لكنّ النتيجة واحدة: دمٌ كثير، وذاكرة مثقلة، ووطنٌ تعلّمناه لا كفكرةٍ جاهزة، بل كتجربةٍ قاسية، دفعنا ثمنها من أعمارنا وأحلامنا.

لبنان، بالنسبة لكثيرين منّا، لم يكن خياراً نظرياً، بل قناعة جاءت متأخّرة، بعد كلّ هذا الألم، بعد أن اكتشفنا أنّ لا مهرب لنا من بعضنا، وأنّ قدرنا أن نعيش معاً، لا لأنّنا متشابهون، بل لأنّنا مختلفون. ولهذا، لا أستطيع أن أؤمن أنّ الرايات والشعارات والأعلام، على اختلافها، يمكن أن تكون أهمّ من هذا المعنى البسيط والعميق معاً. ولا أستطيع، رغم كل شيء، أن أرى في هذه الانقسامات ما يستحق أن نرثه لأبنائنا.

ربّما لم يبقَ من “الأرزة” إلا القليل، لكنها، برغم قلّتها، ما زالت تقول شيئاً لا تقوله كلّ تلك الشعارات: أنّ البقاء لا يكون بالصوت الأعلى، ولا بالراية الأكبر، بل بالجذور الأعمق، جذورٍ لا تسأل من أنت قبل أن تظلّلك، ولا تحاسبك على ذاكرتك قبل أن تمنحك مكاناً في هذا التراب.

لبنان، في النهاية، لم يكن فكرة مكتملة، بل تجربة مستمرّة. وهنا، لا يعود السؤال: من كان على حق، بل: هل نريد أن يبقى لدينا وطن نختلف فيه أصلاً؟

(*) راجع مقالة الزميل مالك أبو حمدان: “لبنان.. بأيّ مُعجزة نعيشُ “سويّاً”؟

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  الأزمات المالية العربية.. نقاط على حروفها