لبنان.. بأيّ مُعجزة نعيشُ “سويّاً”؟

 لم أزل أتهيّب من كيفيّة اجابتي المحتملة، أمام طفلَيّ، على هذا السّؤال التّالي العجيب: لماذا هناك "شرٌّ" في هذا العالم؟ ولكن، عندما أنظر إلى القضيّة اللّبنانيّة، خصوصاً خلال أزمات كالتي نمرّ بها اليوم: أشعر وكأنّ سؤال "وجود الشّرّ" هذا أسهل بكثير من بعض الأسئلة اللّبنانيّة، وعلى رأسها، كيفيّة صمود "العيش سويّاً" في بلد مثل هذا البلد، وأمام اختلافات وخلافات لم تزل تبدو أساسيّة وجوهريّة في كلّ مرحلة أكثر من التي قبلها ربّما.

مثلاً، في ما يعني أطفالنا إذن، ومن وجهة نظر ثقافتي الخاصّة وثقافة عائلتي الواسعة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: كيف نُفسّر لأولادنا “أنّنا” نعتبر بشير الجميّل نموذحاً للمُطبّعين مع العدوّ، بل أحد أخطر المتعاونين والمتحالفين معه لبنانياً، بينما تعتبر عائلات عدد كبير من رفاقهم في المدرسة… أنّه زعيم وطنيّ كبير بل تاريخيّ؟ هل هذه قضيّة تفصيليّة حقّاً؟ (التّفكير من الجهة الأخرى، المعاكِسة، يصحّ كذلك بطبيعة الحال، وكما أشرنا).

كيف نعيش “سويّاً”، من دون تفجّر سياسيّ واجتماعيّ محتمل من الحين للآخر، ونحن ننظر إلى هذه الشّخصيّة اللّبنانيّة بهذه الطّريقة، بينما ينظر آخرون إليها بشكل مُعاكس تماماً؟

مثال آخر: كيف نشرح لأولادنا أنّنا ننظر إلى اخوتنا الفلسطينيّين على أنّهم عموماً شعبٌ مظلوم، تمّ تهجيره من أرضه بالقوّة، وهو لم يزل محروماً من حقوقه الأساسيّة، ولا ينبغي تركه لوحده بأيّ شكل من الأشكال، بينما يعتبر بعض أهل رفاق الأولاد أنّ “الفلسطينيّ” (أو “الغريب”) هو أساس مشكلة لبنان، ولولاه “لما صار الذي صار”؟ ألا نسمع هذه العبارات كلّ يوم تقريباً، حتّى في بعض وسائل الاعلام؟

مثال آخر: كيف نُفسّر لهؤلاء الأطفال واقع أنّنا، مع الكثيرين في هذا البلد وفي المنطقة، نعتبر أنّ الرّئيس الرّاحل جمال عبد النّاصر، يُمثّل أسمى وأنظف تجربة تحرّريّة (وقوميّة) عربيّة ومشرقيّة، بينما يعتبر عدد من أهالي رفاقهم أنّ “هزيمة العام 1967” إنّما كانت خبراً جيّداً، خلّصهم من احتمال عودة واقع عربيّ أو اسلاميّ مُسيطر في المنطقة؟ يحكي لنا أهلنا واقعاً الكثير من الحكايات عن لبنانيّين متعدّدين، وجيران وأصدقاء كثيرين.. كان شعورهم يومها، حقّاً، في الطّرف المقابل للجيوش العربيّة خلال حرب 1967 أو حرب 1973.

أيضاً، أمثلة أخرى من بين أمثلة كثيرة: النّظرة إلى الرّئيس السّوريّ الرّاحل حافظ الأسد، حيث نشأنا، نحن، على اعتبار فضله الكبير جدّاً على كلّ تجربة أهلنا المقاوِمة لا سيّما منذ عام 1982.. في مقابل رؤية الكثيرين من جيراننا له على أنّه وحشٌ من صنف معيّن من الوحوش ربّما.

أو أذكر في هذا المقال: نظرة أهلنا إلى الرّئيس العراقيّ الرّاحل أيضاً، صدّام حسين، على أنّه من نوع أكثر توحّشاً ربّما.. من بين أنواع الوحوش الدّمويّة القاتلة المُجرمة، في مقابل النّظرة المعروفة لدى عدد كبير من جيراننا في هذه الأرض العجيبة.

أو، زد على ما سبق ربّما: مسألة انتمائنا العربيّ، أو حتّى مسألة “شعار الأرزة” نفسه. فكيف نُفسّر لهؤلاء الأطفال مثلاً أن: لماذا شعار “الأرزة” هو شعار لبنان كلّه.. بينما لن يجدوا على الأرجح أيّ شجرة أرز في قرانا القريبة، ولا حتّى في الأكثريّة السّاحقة من الأراضي الشّاسعة من سهل البقاع (وغيره طبعاً)؟ لماذا “الأرزة” هي شعار هذا البلد، وليس.. شجرة اللزّاب أو سنبلة القمح مثلاً، أو شجرة الزّيتون، أو شجرة التّبغ، أو حتّى – ربّما – نبتة القنّب الهنديّ العجيب؟ لماذا؟

ومع احترامي الصّادق لشجر الأرز، وللأساطير الكنعانيّة-الفينيقيّة القديمة المتعلّقة به ربّما (وبغيره)، ومع احترامي لكلّ المناطق التي تتواجد فيها غابات أرز جميلة.. ولكنّني لم أزل أتساءل كيف أشرح هذه القضيّة لنفسي ولهؤلاء الأطفال، من دون الشّعور بخديعة معيّنة في داخلي. أكرّر أنّ المشكلة ليست مع “عظمة” شجرة الأرز هذه المدّعاة، بل، مع اعتبار أنّ “الأرزة” هي رمز فعليّ لكلّ اللّبنانيّين. ربّما يُقنعني أحدهم يوماً بأنّنا لسنا أمام خديعة.. ربّما. آمل ذلك على كلّ حال.

وهنا، نصل طبعاً إلى أمور أكثر راهنيّة، مثل جلسة 5 آب/أغسطس 2025 الحكوميّة الشّهيرة. كيف نفسّر أنّ “حكومتنا” قد اتخذت قراراً يهدف عمليّاً إلى نزع سلاح أولئك المرابطين المضحّين، من قرانا ومن ضيعنا ومن أهلنا ومن دمنا ومن لحمنا، أولئك الذين يدافعون عن أرضنا وعن كرامتنا منذ عقود، ولم يتراجعوا يوما، وذلك، من دون أن تقدّم هذه السّلطة التّنفيذيّة عمليّاً أيّ بديل جدّيّ للدّفاع: اللّهمّ إلّا بعض التّنظير – “شبه” العلميّ – من قبل بعض أصحاب الألقاب؟ كيف؟ كيف قاموا بذلك، حقّاً؟

الأمثلة الرّاهنة كثيرة بطبيعة الحال، ولكنّ أهمّها اليوم واقعاً هو بالتّأكيد قرار السّلطة اللّبنانيّة الأخير في التّجاوب مع “قبول” بنيامين نتنياهو بإعطائها بعض الانتباه، أخيراً، بعد ما سمّاه هو تكرار طلبها له بالمفاوضات المباشرة.

لاحظ سورياليّة المشهد: رجال يسكنون الوديان والجبال والسّراديب والأنفاق، ويفترشون البرزخ بين هذه الحياة والحياة الأخرى، يُقاتلون عدوّاً كالعدوّ الاسرائيليّ، ويدافعون عن أرضهم وعن قراهم وعن أهلهم وعن كرامتهم، ويستشهد الكثير منهم وقد تساوت عنده الحياة مع الموت.. بينما تقوم “حكومته” بهذه الفعلة، وذلك بعد أن طلبت – هي – من جيشها أن ينسحب من واجب الدّفاع ولو الشّكليّ! كيف؟

إقرأ على موقع 180  اليسار المصري في الحوار الوطني.. معزوفة رديئة!

كيف؟

بكلّ موضوعيّة وواقعيّة: كيف تقومون بذلك؟ كيف تفعلون ذلك بهذا الوطن، وبهؤلاء الأطفال ضمنيّاً؟

كيف سنفسّر لهم فعلتكم هذه، كيف سنفسّر لهم اهاناتكم المتكرّرة لأهلهم، من دون أن نجعلهم يكفرون بهذا الكيان وبالعيش سويّاً من أساسه؟

أيّ كذبة سنخترع اليوم أمام هؤلاء الأطفال لنشرح لهم فعلة “حكومتهم” الأخيرة مثلاً؟

أيّ كذبة سنخترع.. ثمّ ندعو الله أن يُبقيَ على هذا الاعجاز واقعاً.. الاعجاز الذي يُفسّر بقاء شيء مُعيّن من “العيش سويّاً” في هذا البلد؟

أيّ كذبة نخترع؟ سامحكم الله على هذه الفعلة! (أو، ربّما تقول بعض أمّهات الشّهداء للأسف.. لا سامحكم الله)!

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  بوتين - بايدن: "ستارت-3" اختبار أول