تعقيباً على مالك أبو حمدان ونضال خالد: لبنان هوية لم تكتمل

طرح الزميل مالك أبو حمدان في مقالة له نشرها موقع 180 بوست تتمحور حول الهوية الجامعة، وقد تلقف أسئلته وهواجسه زميلنا نضال خالد منطلقاً من طرح الحلول بدل الغرق في لجج المشكلة.

نادراً ما تكون أزمات الدول ناتجة عن حدثٍ طارئ، أو نتيجة خللٍ عابر في السياسة. في الغالب، تكمن جذورها في سؤالٍ مؤجل، أو مشكلة لم تُحسم في لحظة التأسيس. ولبنان، منذ نشأته، يبدو أقرب إلى كيانٍ لم ينجح في الإجابة عن سؤاله الأول: من نحن؟

فبين هوية وطنية لم تكتمل، وانتماءات أوسع تتنازعها، ظلّ هذا البلد يتحرك في مساحة رمادية، لا هو استقر على تعريفٍ جامع لنفسه، ولا استطاع أن يحسم موقعه في الإقليم. ومن هنا، لم تكن أزماته المتكررة سوى تعبيرات مختلفة عن المأزق نفسه: مأزق الهوية والدور.

في هذا السياق، جاء هذا الحوار الإستثنائي بين الزميلين مالك أبو حمدان ونضال خالد، لكن طرح الهواجس والمخاوف والأسئلة يجب أن يقترن بالحلول وعلى رأسها تبرز مسألة الهوية الوطنية، التي من دونها، ومن دون تبلورها في مشروع سياسي واضح، سيبقى هذا الوطن ليس فقط “مشروع وطن” مُعلّقاً في الهواء، بل قد تتحول أزماته أيضاً إلى تهديد وجودي لكل الطوائف اللبنانية، أو لبعضها على الأقل.

أنا شخصياً من الذين يعتقدون أن براعم هذه الهوية الوطنية قد تفتّحت طيلة المائة عام الماضية منذ ولادة لبنان الكبير، وبخاصة بين المسلمين على اختلافهم، الذين كانوا حتى خمسينيات القرن الماضي يجدون تناقضاً بين هويتهم الوطنية اللبنانية وهويتهم القومية العربية.

وما انطبق على المسلمين انسحب كذلك على المسيحيين، الذين وجدوا، في بدايات لبنان الكبير (1920)، صعوبة مماثلة في تطوير هوية وطنية خارج إطار لبنان الصغير (متصرفية جبل لبنان).

حسناً، طالما أن الصورة على هذا النحو، لماذا لم يستطع الكيان اللبناني، إذاً، الاستقرار على تسوية داخلية وطنية؟

لقد قُدّمت الكثير من التبريرات: الطائفية والنظام الطائفي، السلطة السياسية–الاقتصادية الكومبرادورية التي لا عقيدة لها، زلزال ضياع فلسطين، عواصف المنطقة الأيديولوجية وامتداداتها الدولية إبان الحرب الباردة.. إلخ.

كل هذا وارد، لكنني أعتقد أن هناك شخصية تاريخية واحدة استطاعت أن تفهم بعمق “الأزمة اللبنانية” على حقيقتها، وأن تلمح إلى الحل الجذري لها.

إنّه جمال عبد الناصر؛

فحين اندلعت ثورة 1958 ضد سياسات الرئيس اللبناني كميل شمعون الموالية لحلف بغداد الأميركي، وقف عبد ناصر، حين كان رئيساً للجمهورية العربية المتحدة آنذاك، داعماً هذه الثورة بالمال والسلاح والرجال.

لكنه، حين أدرك أن هذه الثورة انحدرت إلى وهدة انقسام مسيحي–إسلامي هدد كيان البلد، طرح مقولته النبيلة والتاريخية: “الوحدة الوطنية اللبنانية قبل الوحدة العربية”.

لو أن القوى السياسية اللبنانية التقطت آنذاك هذه اللحظة المفصلية، لتعلن أمرين اثنين:
أن تركيبة لبنان الداخلية التعددية لا تسمح له بالانحياز إلى المحاور،
وأن دوره كوطن صغير هو، كما وصفه الفاتيكان، دور الرسالة والحوار الحضاري،
لكان لبنان تجنّب كوارث ستين عاماً من الحروب والمآسي المتصلة.

هل هذه دعوة إلى حياد لبنان؟

نعم، لكنه ليس حياداً انعزالياً أو انفصالياً عن القضايا الأخلاقية والإنسانية وعمقها العربي، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بل هو حياد يسعى، عبر رفضه المحاور الإقليمية والدولية، إلى أن يكون معبر إقليم المشرق المتوسطي نحو التكامل وإعادة بناء وحدته الجيوثقافية، وأن يكون جسراً بين العالمين الإسلامي والغربي نحو الفهم والتفاهم، وبخاصة في حوض البحر المتوسط الحضاري–التاريخي.

إن تحميل لبنان أكثر من طاقته، وأكثر مما تحتمل تعدديته الطائفية والمذهبية، كان سبب العديد من النزاعات والنكسات التي ألمّت به وما تزال. وهذا ما اعترفت به، بشجاعة، “الحركة الوطنية اللبنانية” بلسان أبرز قادتها المناضل الراحل محسن إبراهيم عندما قال في تأبين المناضل الشهيد جورج حاوي في صيف العام 2005 إن “الحركة الوطنية اللبنانية” ارتكبت خطأين أولهما عندما ذهبت بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل، طاقة وعدالة وانصافاً. وثانيهما استسهالها ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي.

وأخيراً، أعتقد أنه حين أطلق مترنيخ صرخته التاريخية الشهيرة بأن “لبنان، الصغير جغرافياً، عظيم الأهمية استراتيجياً”، كان يقصد بالتأكيد هذا الدور الحضاري، لا تلك الوظيفة الجيوسياسية المنتمية إلى المحاور.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  عامية 2021.. وآفاق التغيير
سعد محيو

كاتب سياسي، مدير منتدى التكامل الإقليمي

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  "مصيدة توكيديدس" أو "الحرب الحتمية" عالمياً!