تابعتُ في الثمانينيات الماضية الدعوة إلى إيجاد تعريف للإرهاب الدولي، خصوصًا حين ثار الجدل وانفتح على مصراعيه: عن أي إرهابٍ نتحدّث؟ هل الإرهاب الفردي أم الإرهاب الجماعي؟ ودخلتُ في مناظرة سجالية مع البروفيسور الأميركي بالمر من فلوريدا في مؤتمر دولي انعقد في أثينا (1986)، وكان رأيي، وما يزال، أنه علينا إدانة الإرهاب بجميع أشكاله وصوره، والتفريق بين الحق في المقاومة وممارسة الإرهاب الدولي.
وجئتُ على ذلك في عدد من الأبحاث والدراسات، قبل ظهور تنظيمات “القاعدة” و”داعش” وبعدها، يوم أصبحا خطرًا يهدّد السلم والأمن الدوليين، خصوصًا بعد تفجير برجيْ التجارة العالميين في نيويورك (11 أيلول/سبتمبر 2001)، والذي أعقبه انفجار موجة الإسلاموفوبيا (الرهاب من الإسلام)، وقد أصدرتُ حينها كتابًا بعنوان: “الإسلام والإرهاب الدولي – ثلاثية الثلاثاء الدامي”، (دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2002).
ومن هذا المنطلق التاريخي والفكري والقانوني تناولتُ عدم شرعية الحرب على العراق العام 2003، ولعلّ هذا السيناريو يتكرّر اليوم في الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، والتي اندلعت في 28 شباط/فبراير 2026، ولا أحد يعرف متى ستنتهي، على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين وبدء مفاوضات في إسلام آباد تعثرت جولتها الأولى، كما لا يستطيع أحد أن يتكهّن كيف سيكون الجيوبوليتيك في المنطقة بعدها.
لقد ألحقت الحرب دمارًا بالأرواح والمرافق الاقتصادية الحيوية والبُنى التحتية لعموم دول المنطقة، وليس في إيران وحدها، بل شملت الإمارات والكويت والبحرين وقطر والسعودية والأردن والعراق ولبنان، الذي تعرض لعدوان شرس؛ ففي يوم واحد وخلال دقائق وجيزة، وفي فترة وقف إطلاق النار مع إيران، تعرّضت عاصمة لبنان ومناطق الجنوب والجبل لأكثر من 100 غارة جوية خلال دقائق قليلة، وكان قبل ذلك قد اضطرّ أكثر من مليون نازح لترك منازلهم.
ولعلّ ما حصل هو الذي دفع نخبة أكاديمية وقانونية وحقوقية أميركية من جامعات هارفارد وييل وستانفورد وكاليفورنيا إلى إصدار وثيقة تدين الهجوم الأميركي على إيران، واصفةً الانتهاكات بأنها ترقى إلى مستوى جرائم حرب.
وجاء في الوثيقة إن سلوك القوات الأميركية وتصريحات كبار المسؤولين الأميركيين “تثير مخاوف جدّية بشأن انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي”، علمًا بأن الوثيقة لا تنحصر بانتهاكات الجانب الأميركي، بل تعتبر استهداف إيران لمنشآتٍ مدنيةٍ وبُنى تحتيةٍ حيويةٍ ومحطات توليد الكهرباء وتحلية المياه ومنشآت نفطية في دول الخليج العربي يمثّل أيضًا خرقًا فاضحًا للقانون الإنساني الدولي.
الحرب القائمة هي خارج نطاق الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر؛ ومثلما كان احتلال العراق في العام 2003 دون سند شرعي قانوني ودون ترخيص من الأمم المتحدة، بعد الاشتراطات التي وضعها القرار 1441 (8 تشرين الثاني/نوفمبر 2002)، فإن اندلاع هذه الحرب هو الآخر يفتقد إلى الشرعية القانونية الدولية، حيث يحظر القانون الدولي استخدام القوّة إلا في حالتين: الدفاع الشرعي عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، أو من أجل التحرّر الوطني وحق تقرير المصير، وهاتان الحالتان غائبتان.
لقد كانت حجة الولايات المتحدة وإسرائيل تدمير البرنامج النووي، الذي قال الرئيس ترامب إنه دمّره في هجمات حزيران/يونيو 2025، ثم أُضيف هدف آخر وهو تدمير الصواريخ البالستية البعيدة المدى، وأكثر من ذلك الدعوة إلى الإطاحة بالنظام الإيراني، حتى وصل الأمر إلى التهديد بتدمير الحضارة الإيرانية، وأن الجحيم سيكون بانتظار الإيرانيين. وتطورت الأحداث بعد إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي، الأمر الذي قاد إلى اضطرابات كبرى في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع سعر النفط إلى مستويات غير مسبوقة.
ولو تابعنا ما قام به الطرفان من هجمات وهجمات مضادة، سنلاحظ أن الكثير من المواقع المدنية استُهدفت خلافًا للقواعد الناظمة للقانون الدولي، حيث لم يتم التمييز بين الأهداف المدنية والمقاتلين، وهو الأمر الذي تحظره اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقاها لعام 1977.
إن تلك الأسئلة والإشكاليات التي تواجه القانون الدولي، بما فيه الحق في فرض الجزاء على المرتكبين، تجعلنا نُبدي شكوكًا كبيرة، وهي ليست بعيدة عن أذهان طلبتنا وعن الواقع، وهذه الشكوك تمتدّ إلى ما كتبناه وما حاضرنا به طيلة عقود من الزمن: هل بقي شيء من القانون الدولي؟ أم أن قانون القوّة هو الحاكم؟
وفي هذه الأسئلة يمكن تلمّس حجم النقد الذاتي والاعتذار لجمهور القرّاء.
