مشروع “إسرائيل الكبرى”: وهم أيديولوجي في مواجهة حقائق لا ترحم

عاد الحديث في السنوات الأخيرة، وبوتيرة متصاعدة منذ أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، عما يُعرف بـ"مشروع إسرائيل الكبرى"، ليس فقط كطرح نظري أو سردية تاريخية، بل كإطار يُستخدم لتفسير سلوك سياسي وعسكري يتجاوز حدود الدولة التقليدية.

غير أن القراءة المتأنية لهذا الطرح تكشف أنه يقوم على مزيج من التأويلات الدينية المُسيّسة، والتقديرات الاستراتيجية المنفصلة عن الواقع، والرهانات الخطرة على توازنات إقليمية ودولية لم تعد قائمة. وفي الحقيقة، فإن أخطر ما في هذا المشروع ليس احتمال نجاحه، بل حجم الكارثة التي قد تنتج عن محاولة فرضه، لأن المشاريع التي تُبنى على تجاهل الواقع لا تفشل فقط، بل تدمر البيئة التي تحاول السيطرة عليها، وقد تدمر أصحابها معها.

تعود الجذور الفكرية لهذا التصور إلى قراءات دينية قديمة تتحدث عن “أرض الميعاد”، وهي نصوص وردت في سياقات تاريخية وروحية معقدة، وظلت عبر قرون طويلة محل تفسيرات متعددة داخل الفكر الديني اليهودي نفسه. إلا أن ما نشهده اليوم هو عملية انتزاع لهذه النصوص من سياقها، وتحويلها إلى أداة سياسية تُستخدم لتبرير سياسات توسعية. هذه النقلة من الرمزي إلى الحرفي، ومن الديني إلى الجيوسياسي، لا تعكس إجماعاً داخل المجتمع اليهودي أو حتى الإسرائيلي، بل تمثل قراءة أيديولوجية تتبناها تيارات قومية متشددة، وتُوظّفها ضمن مشروع لا يستند إلى أي أساس واقعي قابل للتطبيق. وهنا تكمن المفارقة: كلما ازداد الخطاب الأيديولوجي حدة، ازداد ابتعاده عن الشروط الواقعية التي تسمح له بالتحقق.

السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان “مشروع إسرائيل الكبرى” قابلاً للتحقق، بل ما إذا كان مجرد التفكير فيه يعكس خللاً أعمق في تقدير حدود القوة. فالمشاريع التي تتجاهل الجغرافيا، والديموغرافيا، وإرادة الشعوب، وقوانين النظام الدولي، لا تفشل فقط… بل غالباً ما تنتهي بإضعاف أصحابها، وربما إدخالهم في مسار تراجع لا يمكن عكسه

الديموغرافيا شرطٌ للهيمنة؟

وعندما ننتقل من الأيديولوجيا إلى الواقع، تتكشف أولى حقائق الاستحالة: الواقع الديموغرافي. يبلغ عدد اليهود في إسرائيل حوالي 7 ملايين نسمة، في حين يتجاوز عدد سكان الدول التي يُفترض أن يشملها هذا المشروع 332 مليون نسمة، موزعين بين مصر وتركيا والعراق والسعودية وسوريا والأردن ولبنان والكويت، إضافة إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. هذا الفارق ليس مجرد خلل في التوازن، بل فجوة بنيوية تجعل أي تصور للهيمنة أو السيطرة الشاملة أقرب إلى الخيال منه إلى الاستراتيجية. فالتاريخ، حتى في أكثر مراحله إمبريالية، لم يشهد نجاحاً دائماً لمشروع توسعي يفتقر إلى حد أدنى من التوازن السكاني والسياسي مع محيطه.

قد يُستحضر هنا مثال الإمبراطورية البريطانية في الهند كمحاولة للقول إن قلة عددية يمكن أن تهيمن على شعوب أكبر منها بكثير، وأن الفارق الديموغرافي لا يشكل عائقاً حاسماً أمام السيطرة. غير أن هذه المقارنة، عند التدقيق، لا تصمد أمام التحليل التاريخي. فبريطانيا لم تحكم الهند بقواتها وحدها، بل اعتمدت بشكل أساسي على ملايين الجنود والموظفين الهنود الذين شكّلوا العمود الفقري للإدارة الاستعمارية، وعلى تحالفات مع نخب محلية وأمراء ومراكز قوى داخلية. كما أن الهند في ذلك الوقت كانت مجزأة سياسياً إلى عشرات الكيانات المتنافسة، ولم تكن هناك هوية وطنية موحدة أو وعي جمعي قادر على إنتاج مقاومة شاملة. والأهم من ذلك أن الاستعمار في القرن الثامن عشر والتاسع عشر كان نظاماً دولياً مقبولاً، تتحرك في ظله الإمبراطوريات دون مساءلة حقيقية أو قيود قانونية.

قطيعة مجتمعية غير مسبوقة

لكن الأهم من كل ذلك هو العامل الذي لخّصه الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي بعبارة بليغة: إذا لم يُخذل بعضنا بعضاً. فالإمبراطوريات لا تحكم فقط بقوتها، بل بقدرتها على تفكيك المجتمعات التي تسيطر عليها، وإنتاج بيئات من الانقسام والتواطؤ أو العجز. هذا ما حدث في الهند، حيث كان جزء من السيطرة قائماً على غياب جبهة داخلية موحدة قادرة على المقاومة المستمرة. أما اليوم، فإن أي مشروع توسعي في الشرق الأوسط سيواجه واقعاً مختلفاً جذرياً: شعوب ذات وعي سياسي عالٍ، وهويات وطنية راسخة، وتجارب تاريخية مريرة مع الاستعمار، ووسائل اتصال وتنظيم تجعل من الصعب إنتاج نفس أنماط الاختراق الداخلي. بمعنى آخر، فإن الشرط الذي سمح بالهيمنة سابقاً — أي قابلية التفكك الداخلي — لم يعد متاحاً بنفس الصورة. وما نجح – جزئياً ومؤقتاً – في سياق تاريخي معين، لا يمكن استنساخه في بيئة القرن الحادي والعشرين.

ولا يمكن فهم استحالة هذا المشروع دون التوقف عند التحول العميق الذي شهدته المنطقة على مستوى الوعي الشعبي. فالإبادة الجماعية في غزة، وما رافقها من دمار واسع وخسائر بشرية هائلة، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين في القدس والضفة الغربية والتوترات والحرب البغيضة ضد لبنان وإيران والتدخلات وتدمير القدرة العسكرية في الساحة السورية، لم تترك مجالاً للحياد. لقد تشكلت قناعة راسخة لدى مئات الملايين من العرب والمسلمين بأن إسرائيل تمثل قوة عدوانية احلالية عنصرية لا يمكن الوثوق بها، وهو ما حوّل الصراع من نزاع سياسي قابل للإدارة إلى قطيعة مجتمعية عميقة تتجاوز الحكومات إلى الشعوب. وفي ظل هذا المناخ، يصبح الحديث عن أي مشروع توسعي أشبه بمحاولة فرض واقع بالقوة على بيئة ترى فيه تهديداً وجودياً، وهو أمر أثبت التاريخ استحالته في المدى الطويل.

التصورات الإسرائيلية منبوذة إقليمياً ودولياً

إقليمياً، لا تقف المنطقة مكتوفة الأيدي أمام مثل هذه التصورات. فتركيا، بما تمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية، وإيران، كلاعب إقليمي رئيسي، تمثلان معاً ثقلاً استراتيجياً قادراً على تعطيل أي مشروع يعيد رسم خريطة المنطقة بالقوة. ويُضاف إلى ذلك وجود قوى نووية مثل باكستان، ما يجعل أي تصعيد واسع محفوفاً بمخاطر لا يمكن السيطرة عليها. إن افتراض إمكانية تنفيذ مشروع بهذا الحجم دون مواجهة ردود فعل إقليمية حاسمة يعكس قراءة قاصرة لطبيعة التوازنات القائمة، ويُغفل أن المنطقة لم تعد ساحة مفتوحة كما كانت في حقب سابقة.

ومن بين أخطر السيناريوهات المطروحة في سياق هذا المشروع، تلك المتعلقة بتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن ومن قطاع غزة إلى مصر. هذا الطرح لا يمثل فقط انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، بل يهدد بشكل مباشر اتفاقيات السلام التي تشكل أحد أعمدة الاستقرار النسبي في المنطقة. انهيار هذه الاتفاقيات لن يكون حدثاً معزولاً، بل سيؤدي إلى إعادة اصطفاف إقليمي شامل، ويعيد المنطقة إلى منطق الصراع المفتوح، مع ما يحمله ذلك من تداعيات غير قابلة للتنبؤ.

أما على المستوى الدولي، فإن الرهان على دعم غير مشروط من القوى الغربية لم يعد مضموناً كما كان في السابق. في الولايات المتحدة، تتسع دائرة الانتقادات للسياسات الإسرائيلية، ليس فقط من التيارات التقدمية، بل أيضاً من قطاعات محافظة بدأت تعيد النظر في كلفة هذا الدعم. وحتى داخل المجتمع اليهودي الأميركي، الذي كان تاريخياً ركيزة لهذا الدعم، تتزايد الأصوات الناقدة. وفي أوروبا، أدى ما شهدته غزة إلى تحول ملموس في الرأي العام، انعكس في موجات احتجاج واسعة وضغوط متزايدة على الحكومات لاتخاذ مواقف أكثر صرامة. كما أن مواقف قوى كبرى مثل الصين وروسيا تشير بوضوح إلى رفض أي محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بشكل أحادي.

إقرأ على موقع 180  من «أوراق البنتاجون» إلى «وثائق البنتاجون».. التسريب مستمر

وفي هذا السياق، يبرز أيضاً الطموح لتحويل إسرائيل إلى مركز إقليمي لعبور الطاقة، عبر إنشاء خطوط أنابيب تصل إلى ميناء حيفا، بما يسمح بتصدير النفط والغاز إلى أوروبا وتجاوز الممرات البحرية التقليدية مثل مضيق هرمز وباب المندب. ورغم ما تحمله هذه الفكرة من أبعاد استراتيجية مغرية، إلا أنها تتجاهل حقيقة أساسية: لا يمكن بناء مشاريع طاقة عابرة للحدود في بيئة تتسم بعدم الاستقرار والعداء المستحكم، حيث تصبح البنية التحتية نفسها هدفاً مباشراً في أي تصعيد.

التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يكرر دروسه. وأهم هذه الدروس أن الدول لا تسقط فقط حين تُهزم من الخارج، بل حين تُصرّ على ملاحقة أوهام أكبر من قدرتها على الاحتمال. وفي هذا المعنى، قد لا يكون “مشروع إسرائيل الكبرى” مجرد وهم جيوسياسي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة إسرائيل على التمييز بين حدود القوة… وحدود السقوط

المجتمع الإسرائيلي منقسم على نفسه

وإذا كان الخارج يبدو معقداً، فإن الداخل الإسرائيلي لا يقل هشاشة. فالمجتمع الإسرائيلي يواجه اليوم انقسامات عميقة تتجلى في الجدل المحتدم حول تجنيد الحر يديم، حيث يرفض قطاع واسع من اليهود المتدينين الخدمة العسكرية، ما يثير توتراً سياسياً واجتماعياً متصاعداً حول مفهوم “تقاسم العبء” داخل الدولة. كما أن القضايا القانونية التي تلاحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو منذ سنوات، والمتعلقة بالفساد، ساهمت في إضعاف الثقة بالمؤسسات السياسية وتعميق الاستقطاب الداخلي، بحيث باتت السياسة الإسرائيلية نفسها ساحة صراع مفتوح بين معسكرات متناحرة.

ومع تداعيات الحرب منذ أكتوبر 2023، تعرضت قطاعات اقتصادية رئيسية لضربات قاسية، حيث انهارت قطاعات العقار والسياحة بشكل شبه كامل، وتضررت الزراعة بسبب نقص العمالة والتوترات الأمنية، فيما واجهت قطاعات أخرى – بما فيها التكنولوجيا – تحديات متزايدة نتيجة حالة عدم اليقين. والأخطر من ذلك هو ما يمكن وصفه بنزيف الكفاءات، حيث غادر عشرات آلاف الإسرائيليين، خصوصاً من العاملين في قطاع التكنولوجيا، البلاد بحثاً عن بيئة أكثر استقراراً في أوروبا وأميركا الشمالية. هذه الهجرة، التي تحمل طابعاً نوعياً أكثر من كونها عددية، تمثل تهديداً طويل الأمد لركائز الاقتصاد الإسرائيلي.

وفي ظل تصاعد التوترات الإقليمية، والتهديدات الصاروخية بعيدة المدى، يعيش جزء متزايد من المجتمع الإسرائيلي تحت شعور دائم بعدم الأمان. ومع امتلاك نسبة كبيرة من الإسرائيليين جنسيات مزدوجة، لم يعد خيار الهجرة مجرد احتمال نظري، بل خياراً عملياً مطروحاً بقوة، خاصة لدى الفئات الأكثر قدرة على الانتقال. هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة تواجه تحديات داخلية بهذا الحجم أن تنخرط في مشروع توسعي إقليمي بهذا التعقيد؟

لم تعد الحروب تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في الاقتصاد، وفي التكنولوجيا، وفي تماسك المجتمعات، وفي قدرتها على الاحتفاظ بكفاءاتها البشرية. وأي مشروع توسعي واسع يفتح جبهات متعددة في كل هذه المجالات في آن واحد، ما يجعل من الاستمرار فيه عبئاً لا يمكن تحمله على المدى الطويل

كيف تسقط دولٌ ضحية أوهامها؟

في المحصلة، لا ينبغي للنقاش حول “مشروع إسرائيل الكبرى” أن يُختزل في كونه مجرد صراع إرادات أو ميزان قوى عسكري تقليدي، بل يجب فهمه ضمن حدود ما تسمح به بنية النظام الدولي وطبيعة الدولة الحديثة نفسها. فالتاريخ المعاصر يثبت أن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع أن تتحول إلى أداة سيطرة دائمة على شعوب كبيرة ومعادية، وأن كلفة الاحتلال طويل الأمد لا تُقاس فقط بالموارد العسكرية، بل بتآكل الدولة من الداخل، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. إن محاولة التمدد خارج الحدود في بيئة إقليمية مشتعلة لا تعني توسيع النفوذ بقدر ما تعني نقل مركز الخطر إلى الداخل، وتحويل الدولة من كيان يسعى للاستقرار إلى كيان يعيش في حالة استنزاف دائم.

الأخطر من ذلك أن مثل هذا المشروع يضع إسرائيل أمام معادلات مستحيلة: فلا يمكنها أن تحافظ على طابعها كدولة ذات أغلبية يهودية، وفي الوقت نفسه تسيطر على فضاء سكاني واسع ومعادٍ؛ ولا يمكنها أن تبقى اقتصاداً متقدماً قائماً على الابتكار والتكنولوجيا، بينما تتحول إلى دولة تعبئة عسكرية دائمة تدير صراعات مفتوحة على جبهات متعددة. هذه التناقضات ليست نظرية، بل هي حدود صلبة تفرضها طبيعة الدولة الحديثة، وقد أثبتت التجارب أن تجاهلها يؤدي دائماً إلى نتائج عكسية.

وفي عالم اليوم، لم تعد الحروب تُحسم فقط في ساحات القتال، بل في الاقتصاد، وفي التكنولوجيا، وفي تماسك المجتمعات، وفي قدرتها على الاحتفاظ بكفاءاتها البشرية. وأي مشروع توسعي واسع يفتح جبهات متعددة في كل هذه المجالات في آن واحد، ما يجعل من الاستمرار فيه عبئاً لا يمكن تحمله على المدى الطويل. فالقوة لم تعد تعني القدرة على التوسع، بل القدرة على الاستقرار، وعلى إدارة التوازنات الدقيقة داخلياً وخارجياً.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان “مشروع إسرائيل الكبرى” قابلاً للتحقق، بل ما إذا كان مجرد التفكير فيه يعكس خللاً أعمق في تقدير حدود القوة. فالمشاريع التي تتجاهل الجغرافيا، والديموغرافيا، وإرادة الشعوب، وقوانين النظام الدولي، لا تفشل فقط… بل غالباً ما تنتهي بإضعاف أصحابها، وربما إدخالهم في مسار تراجع لا يمكن عكسه.

التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يكرر دروسه. وأهم هذه الدروس أن الدول لا تسقط فقط حين تُهزم من الخارج، بل حين تُصرّ على ملاحقة أوهام أكبر من قدرتها على الاحتمال. وفي هذا المعنى، قد لا يكون “مشروع إسرائيل الكبرى” مجرد وهم جيوسياسي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة إسرائيل على التمييز بين حدود القوة… وحدود السقوط.

Print Friendly, PDF & Email
فوّاز يوسف غانم

كاتب أردني متخصص في الاقتصاد السياسي والاجتماعي

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  اندفاعة اليابان نحو العسكرة.. ماذا عن العواقب؟