قبل الدخول في محاولة الاستدلال على ما سيحصل في ضوء تعثر الجولة التفاوضية الأولى (21 ساعة)، لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء وقراءة بأيّ خلفية جاء كلٌّ من طرفي الصراع إلى طاولة المفاوضات بعد حرب طاحنة استمرت أربعين يوماً، وطاولت نيرانها معظم دول المنطقة، فيما طاولت آثارها الاقتصادية كل دول العالم.
جاء الوفد الأميركي إلى إسلام آباد وهو يعتقد أن بلاده حققت إنجازاً كبيراً، بحسب ما أعلن الرئيس دونالد ترامب، فقد قال إن إيران خسرت رأس نظامها السياسي وكل قيادتها العسكرية، بالإضافة إلى خسارتها برنامجها النووي وسلاحها الجوي والبحري ومعظم برنامجها الصاروخي الباليستي. فإن كانت هذه هي القناعة لدى القيادة السياسية الأميركية، فلا بد أن توقّعاتها كانت أن الوفد الإيراني قد جاء ليوقّع وثيقة استسلام، وليس للتفاوض على شيء. ولم تكد تمضي ساعات على وصول الوفد الأميركي برئاسة جي. دي. فانس إلى بلاده، حتى أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، عن تنفيذ حظر شامل، بدءاً من اليوم (الإثنين) على كافة حركة الملاحة البحرية المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية، وكذلك جميع المنشآت المرفئية الواقعة على سواحل الخليج العربي وخليج عُمان.
بالمقابل، جاء الوفد الإيراني مستنداً إلى ما اعتبره فشلاً ذريعاً للعدوان على بلاده، بالرغم من الضربات الموجعة التي تلقّاها، وأبرز دلالة على ذلك هو أن الوفد الإيراني كان مؤلفاً من 71 شخصية رفيعة المستوى وذات خبرة في مختلف الميادين: العسكرية والأمنية والدبلوماسية والمالية والاقتصادية والطبوغرافية والجغرافية. أي بمعنى آخر، فإنه جاء وهو يتوقع أن تكون الإدارة الأميركية قد نزلت عن شجرة رعونتها وعنجهيتها في التعامل مع إيران، وكأنها جمهورية موز، وليس دولة تحمل على أكتافها تاريخاً وإرثاً إمبراطورياً يتجاوز عمره آلاف السنين وثورة عمرها 47 عاماً لم تنفع كل محاولات تطويعها أميركيا، برغم الحصار والعقوبات..
ويبقى الجانب الباكستاني وموقفه حيال ما حصل في هذه المفاوضات، فقد كان لافتاً للانتباه أن بيان وزارة الخارجية الباكستانية ذكر أن توقف المفاوضات لا يعني استئناف الحرب، معرباً عن التمني بمواصلة الالتزام بمهلة الأسبوعين لوقف إطلاق النار، واستثمار هذه المهلة من أجل مواصلة الجهود لعقد جولات تفاوضية أخرى.
ووفقاً لهذه المشهدية، فإن الوفد الأميركي جاء فقط ليستثمر ما اعتبره انتصاراً باهراً في حرب الأربعين يوماً، فيما الوفد الإيراني جاء وهو يعتقد أن الطرف الآخر عاد إلى عقلانية العمل السياسي، وأقلع عن محاولة الحصول في المفاوضات عمّا عجز عن الحصول عليه عبر الحرب. وبهذا المعنى، فإن الجولة الأولى من التفاوض كانت بمثابة جولة استطلاعية لكل طرف حيال الطرف الآخر. ومن خلال قراءة البيانات التي صدرت عن كل طرف، يتبين أن كليهما حرص على ترك باب التفاوض موارباً ولم يقفله. فالبيانات من الجانبين، كما التسريبات الإعلامية، أظهرت مرونة كل طرف حيال الآخر لإعطائه الوقت للتفكير في ما تم بحثه على مدار ساعات الجولة الأولى.
أما ما هو متوقع الآن، فإن العمليات الأميركية التي انطلقت منذ اللحظة الأولى لوقف إطلاق النار قامت على استحضار الذخائر والأسلحة إلى كل من الكيان “الإسرائيلي”، وانتشار القوات الأميركية في دول الخليج والأردن، وذلك عبر جسر جوي يعمل على مدار الساعة بلا توقف. وهذا ما يشير إلى أن استئناف العدوان على إيران أمرٌ ليس مستبعداً، كما يشير إلى أن الموافقة الأميركية على وقف إطلاق النار كانت حاجة وضرورة من أجل إعادة التذخير وصيانة الطائرات الحربية الأميركية و”الإسرائيلية” التي قامت بآلاف الطلعات والغارات الجوية على إيران. أما من الجانب الآخر، فبالتأكيد إيران الجريحة لديها النية الجادة لوقف العدوان عليها، وإن تعذّر ذلك وفق اتفاق يحفظ كرامتها وسيادتها على ثرواتها الطبيعية وحقوقها السيادية، فإن وقف إطلاق النار يؤمّن لها فسحة زمنية تعيد فيها أيضاً ترميم ما يمكن ترميمه في وضعها الميداني واللوجستي والعسكري.
أما ما تحقق خلال هذه الجولة التفاوضية، فقد ثبتت واشنطن، بما لا يقبل الشك، فصل المسارات في الحرب، إذ إنها فصلت مسار الحرب على لبنان عن المسار الإيراني، وذلك عبر التجاوب الرسمي اللبناني مع هذا التوجه، وإعلانه دخول مفاوضات مباشرة وتحت النار مع الكيان “الإسرائيلي” في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن يوم الثلاثاء المقبل، من دون أن يحصل مسبقاً على وقف لإطلاق النار. وكانت واشنطن قد حصلت مسبقاً على التزام “الحشد الشعبي العراقي” و”حركة أنصار الله” اليمنية أيضاً باتفاق وقف إطلاق النار، فيما بقيت يد حليفتها “إسرائيل” طليقة في ممارسة أقصى وحشيتها على الساحة اللبنانية.
من هنا، فإن احتمالات تطور الأوضاع في المنطقة تتراوح بين احتمالين: أولهما العودة إلى التصعيد عبر ضربة عسكرية كبيرة ومفاجئة يقوم بها التحالف الأميركي-الإسرائيلي على إيران في محاولة لتليين موقفها التفاوضي، وهذا ما يعيد الأمور إلى المربع الأول، لأن إيران أثبتت على مدى الأربعين يوماً من العدوان أنها، وبالرغم من كل خسائرها البشرية والمادية، تزداد عناداً في المواجهة كلما ازداد العدوان وحشية عليها، وهي تعلم أن الطائرات الحربية والصواريخ لا ترفع علماً على موقع، وأن مجرد صمودها يُعتبر انكساراً للأميركيين. وهي متأكدة أن الأميركيين لن يغامروا بإنزال قوات برية على أراضيها، وإن فعلوها فإنها ستكون حربَ فيتنام جديدة لهم.
الاحتمال الثاني هو أن يعود الطرفان إلى التفاوض بعد فترة قصيرة، ضمن فترة وقف إطلاق النار وبرعاية باكستانية أيضاً، وبعد أن يكون الجانب الأميركي قد فرض على لبنان المضي قدماً في التفاوض مع الكيان “الإسرائيلي” عارياً حتى من “أمه الحنون” فرنسا، التي أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو رفضه مشاركتها في المفاوضات لأنها، بحسب وصفه، “وسيط غير نزيه”، وهو كان بذلك يعكس الموقف الأميركي في إنهاء أي دور لفرنسا في الملف اللبناني. بمعنى آخر، فإن الفترة القصيرة المقبلة قد تكون فرصة للطرفين لإعادة تقييم كل طرف لأهدافه وشروطه بعد التشاور مع إدارته السياسية قبل العودة إلى طاولة المفاوضات.
