في المُغامرة وإيثار السَّلامة

على هامِش صفحة في كرَّاس قديم، وجدت بيتًا يبدو أنني أعجَبت به فنقشته أكثر مِن مرَّة. قال الشاعر: "يفوز باللذَّات كلُّ مُغامِرٍ.. ويموت بالحَسَراتِ من يَخشى العَواقِب". البيتُ مَنسوبٌ لأبي البقاء الرندي، ويُذكَر في مَواضع مُتعددة مع استبدال مُفردة أو أخرى بما يوازيها أو يكافئها، أما عن أسلوب التقرير الحاسِم، فيستبعد الاحتمالات التي تخالف المعنى المَرغوب؛ وخلاصة القوْل أن المُغامرةَ مصدر سَّعادة أكيد، أما التخلي عنها وتجنُّبها؛ فباعثٌ على الحَسرة جالبٌ للشقاء.

في الإشارة للتبعات المُتوقَّعة يُقال: “يا صابت يا اتنين عور“. توحي العبارةُ بأن ثمة قرارًا قد اتخذ بخوض مغامرة، رغم أن الثمن قد يكون باهظًا؛ فإما أن ينجح المرءُ في مَسعاه ويتحصَّل على مراده بالتمام، أو أن يُمنى بخسارة مُضاعَفة وفادحة؛ لا حلول وسطى هنا، ولا مجال للمساومة على النتيجة.

***

أكثر الناسِ يميلُ إلى الرضاء بما لديه، ويقنع بالقليلِ خوفًا من زواله، والمثل الشعبيّ يقول: “عصفورٌ في اليدّ خيرٌ من عَشرة على الشَّجرة“. المُغامرةُ بفقدان هذا العصفور الوحيد ليست أبدًا محلَّ ترحيب؛ حتى مع إمكانات النَّجاح في أسرِ عدد أكبر، وقد جرَت العادةُ بأن يُستعمَل هذا المثلُ في تحبيذ الاكتفاء بما هو موجود، والكفّ عن المحاولة ولو كان فيها الخير الوفير؛ والحال أن القائل يتقي بذلَ الجهد، ويَهرب مِن اتخاذ خطوةٍ غير مَضمونة.

***

من تقاليد أهلِ الريف أن يقوموا ببناء دار تضُمُّ الزوجين في بداية الارتباط، وتُستكمَل فيما بعد كي تسعَ أفرادَ العائلة المُمتدَّة، والحقُّ أن الأمثولة الشهيرة: “مَن خرَج من داره اتقل مِقداره” تجد لها مكانًا مثمنًا في هذا السياق؛ حيث الدار حصنُ أمان، البقاءُ داخلها اعتصامٌ بحدود ثابتة ومريحة؛ لا تخضع لمناوشات الآخرين أو اختراقاتهم. كلما تيسَّرت الأمور وتوفَّر المالُ اللازم؛ كلما علت الدار وازدادت طوابقُها وتنامى حجمُها، وكلما حفلت بعدد أكبر من الأولاد والأحفاد؛ كلما باتت قلعة حصينة؛ التعدّي عليها أو على أحد قاطنيها مُغامَرة غير مَأمونة.

***

خاطِر بنفسِك كي تُصيبَ غنيمةً.. إن الجلوسَ مع العيالِ قبيح“؛ هذا ما أنشد الشاعر القديم في إطار الحثّ على المبادرة، والحَفز على المُغامرة، والتنفير من التزام الدِعَة وإيثار السَّلامة، والمعروف أن كلمةَ “عيال” مشتقة من الفعل عال ومضارعه يعول؛ أيّ يقوم بالإنفاق وتحمُّل المسئولية، والشَّخص المَعيل بفتح الميم، هو المفعول به؛ أي الذي يتلقى الرعاية ويعتمد على مَن يوفرها له. في البيت نقد صريح لمن يقعد عن الكَّسْب وتوفير أسباب المعيشة، والحق أن واقعَ الحال يخبرنا بأن نسبةً هائلةً من العيال قد تركت مجالِسها، ودارت هنا وهناك تتطلع لما يعينها وعوائلها على الظروفِ والأعباء. على كل حال، الصغار بغريزتهم أقوى ميلًا للمغامرة من الكبار، وهم قادرون على صنْع ما لا يجرؤ غيرهم على صنعه؛ لكن هذه الخصلةَ لا تنبني في حقيقة الأمر على شجاعة مُستبصِرَة بالعواقب؛ إنما على الجَّهل بما يمكن أن يواجهوا. قد يقف الطفلُ على حافة الشُّرفة مختالًا مبتهجًا، وفي الوقت ذاته يقف قلبُ الشَّخص الناضج الذي يلمحه عن بعد خوفًا وتوجسًا، والفارق بينهما تقدير ما سوف يحدث، وتصوُّر اللحظة التالية والمستقبلية.

***

ثمَّة مُغامرةٌ مَحسوبة التوابع وأخرى مُنفلِتة الزمام، الأولى يعلم صاحبُها أسمى النتائج التي يمكنه الوصولَ إليها ويدرك أيضًا أسوأها وأدناها، أما الثانية فتبدو نهايتها بلا توقُّعات؛ قد تغدو في مقام مُعجزةٍ كبرى يُنظَر إليها بعينِ الانبهار، وقد تتحوَّل إلى كارثةٍ مُفجِعة لا يتأتى استدراكها، وفي مديح القدرةِ على الإمساكِ بالمَقود وتطويع ما ظهر في الأفق من مُغامرات يُقال: “اللي يحسب الحسابات في الهنا يبات“.

***

هناك مَن يُغامر لأنه لا يملك ما قد يخسر، ومن يغامر لأنه يشعر بالملل يقتل روحه؛ فيبحث عن كل جديد مختلف يبعده عن الرتابة والركود، وهناك أيضًا من يغامر حبًا في الفعل نفسه؛ إذ هو مَفطور على أن يغامر؛ فينتهج الطريق المحفوفة بالمفاجآت، العصيَّة على التوقُّعات. المخاطرةُ في عرفه أساسُ الحياة، والإثارةُ المقرونة بالحماسة هي الغاية الرئيسة، وسواء كان الدافع هذا أو ذاك؛ يبقى للفعل بريق خاص؛ لولاه ما حقَّقت البشرية قسمًا مُعتبَرًا من إنجازاتها الكبرى. غامر عباس بن فرناس بإلقاء نفسه من علٍ آمِلًا أن تحمله أجنحتُه كالطير، وغامر المستكشفون الأوائل باقتحام عباب البحر راجين أن يحطوا على أرض غير مطروقة، ومِن الأطباء مَن غامر بتجربة مركبات كيميائية على جسده متوسمًا تحقيق الشفاء مما تعذَّرت مداواته، وغير هؤلاء كثيرون؛ لولا جرأتهم وفضولهم وإقدامهم على سبر أغوار المجهول؛ ما تراكمت لبناتُ الحضارة وانجلى الأفق.

***

في مرحلة الطفولة كانت هناك سلسلة كتب بعنوان “المغامرون الخمسة“، قصص مستقلة تمضي كل منها بالقارئ وسط مجموعة من الأحداث الطريفة الجاذبة. طالما تسابقت والأصحاب والجيران إلى اقتناء العدد الجديد فور صدوره، وطالما تخاطفنا الكتيب الصغير؛ لنحوز فخر القراءة الأولى. تمتع المغامرون الخمسة بأخلاق قويمة ومبادئ واضحة، وبشيء من الاتزان والحكمة؛ رغم حداثة أعمارهم. تعاملنا معهم وكأنهم امتداد لنا يعيشون بيننا لا بين الصفحات، ويسلكون مثلنا ولا عجب إن حاكينا أفعالهم عديد المرات.

إقرأ على موقع 180  في العمل.. بالأصل

***

نرى اليوم مغامرين كبار السّن والمنصب، تبوأوا سُدَّة الحكم وصارت مقاعد السُّلطة مواقعهم الدائمة، يمارسون منها صلاحيات لا محدودة ويتحكمون في مصائر البشر، والسؤال الذي يتناقله الناس دون إجابة يتعلق بما هو قادم؛ باليوم التالي الذي تحول إلى تعبير ذائع الصيت، يظهر في البيانات والتصريحات والحوارات الصحفية، إضافة لمقالات الرأي والتحقيقات. ما الذي يرجوه المغامرون أرباب المال والأعمال القابعون فوق صدور الشعوب في مختلف البقاع، القادرون على تبديل الخرائط وإعادة ترسيم الحدود وجعل كل ما بين أيديهم محلَّ بيع وشراء؟ أنتجت المغامرة التي خضناها على المستوى المحلي بؤسًا واسعًا، أما هذه التي أرغمنا عليها مع شعوب الأرض كافة؛ فمسارها لم يزل مضببًا وأفقها مكفهر الملامح.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  يا ليل غزة الطويل.. أما آن تنتهي