المسألة هنا لا تتعلق بجدوى التفاوض بقدر ما تتعلق بخطورته حين يُطرح على أرض رخوة، حيث يتحول من أداة سياسية إلى مدخل إضافي للتفتيت، يمنح العدو ما عجز عن فرضه بالقوة. فالتاريخ القريب والبعيد يقول بوضوح إن المجتمعات المنقسمة لا تفاوض، بل تُستدرج إلى تنازلات، وإن أي مسار سياسي لا يستند إلى جبهة داخلية متماسكة ليس سوى إعادة إنتاج للهشاشة بصيغة أكثر خطورة. وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نفاوض أم لا؟ بل: هل بقي في لبنان ما يمكنه أن يفاوض أصلًا دون أن يدفع ثمنًا وجوديًا؟
***
لا يعمل العدو على قتلنا وتهجيرنا فحسب، بل أيضًا على تفتيت مجتمعنا. فمن اتفاق سايكس-بيكو، إلى دوره في إشعال الحرب الأهلية اللبنانية، إلى مخاطبة رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو مجتمعنا بصفتنا “شيعة وسنة وموارنة ودروزاً”، قد يكون التفتيت المجتمعي أفتك سلاح في يده. ولذلك تأثير بالغ على موازين القوى، وقد يكون أبلغ من فائض القوة العسكرية. فالمقاومون صمدوا في وديان وتلال جبل عامل حتى آخر لحظة عام 2024، وها هو الأمر نفسه يتكرر في العام 2026، لكن “الجبهة الداخلية”، أي المجتمع، أضعف من أن تصمد. لذا، فإن أنجع إسناد يمكن تقديمه للمقاومين هو العمل على تماسك مجتمعنا. فما هي التحديات أمامه، وكيف نتخطاها؟
***
من الطبيعي أن تنقسم المجتمعات تحت العدوان. فالجزائر انقسمت بين “بني وي وي” وجبهة التحرير الوطني، وفيتنام بين جنوب وشمال، وفرنسا بين فيشي وديغول. وهذا يعود إلى ثلاثة عوامل على الأقل:
أولًا، فعل الاستعمار نفسه، الذي يمارس الهيمنة العسكرية ويهدد بها، ويخلق شبكات زبائنية يتغلغل من خلالها في المجتمع، ويفرض هيمنة ثقافية “ناعمة”.
ثانيًا، الميل البشري الساعي إلى الأمان، وقدرة العقل البشري على تبرير الخيارات التي يستشعر أنها الأضمن.
ثالثًا، قابلية المجتمع للاستعمار، المتمثلة في لبنان في بنيتنا الطائفية، وهي بنية عززها العثمانيون والفرنسيون من جهة، وعمل زعماء الطوائف وأصحاب المصارف على ترسيخها من جهة أخرى.
نتيجة ما سبق، لا يرى كل اللبنانيين أن إسرائيل عدو. ونرى ذلك بوضوح في الدعوات العلنية للتطبيع. ينطبق ذلك على من ينتقدون خيارات حزب الله على حساب وضوح الموقف من حقه كتنظيم لبناني بالمقاومة، ومن حاجة مجتمعنا إلى قدراته. كما أن الانزلاق إلى تبرير استخدام هذه المصطلحات أو خيارات الحزب يقبل إطار النقاش الذي يعمل الخصم على فرضه، ويساهم في حرف النظر عن مناهضة التطبيع والحاجة إلى المقاومة.
ويظهر شكل آخر للتطبيع المقنّع من خلال الخطاب المتعلق بالعدوان. نعم، يمكن للخطاب الوطني المتضامن مع الطواقم الطبية والصحفيين والأكاديميين والنازحين أن يتحول إلى خطاب تطبيعي حين يتجاهل تضحيات المقاومين. وهو تجاهل يكرّس ضمنًا اعتبار اضطرار المواطنين إلى حمل السلاح في وجه الاحتلال واستشهادهم في الميدان أمرين “طبيعيين”. كما أن التركيز على العدوان على حساب التركيز على العدو يجعل منه دولة طبيعية، كسوريا أو تركيا أو قبرص، نرفض عدوانها علينا، لكننا لا نعتبر وجودها بحد ذاته خطرًا علينا. فالمشكلة الأساسية في دولة الاحتلال هي جوهرها الاحتلالي الهوياتي التوسعي، لا تعبيرها عن هذا الجوهر فحسب.
***
قد يبدو الأمر بديهيًا، لكن الخطوة الأساس للعمل على تماسك مجتمعنا هي الاعتبار الراسخ أن تماسك مجتمعنا مقاومة. فهذا ما يوجه خطواتنا، عوض ردّات الفعل العاطفية أو العصبوية أو القبلية. وما يساعدنا في هذا الخصوص هو تذكير أنفسنا بأن الانقسام المجتمعي طبيعي تحت العدوان، وأن العدو يعمل على توظيفه، وأن زعماء طوائفنا أنفسهم ساهموا في ترسيخه، وبالتالي فإن الغالبية الساحقة من اللبنانيين الواقفين “على الضفة الأخرى” ليسوا عملاء ولا أعداء ولا أقل كرامةً من غيرهم. وهذا ما ينقلنا من منطق الإدانة (الفوقي والتفتيتي بطبعه، بحيث يفصل “القضاة” عن “المتهمين”) إلى موقف المبادرة والمعالجة.
وهناك الكثير مما يجب القيام به بهذا الخصوص. فعلينا أولًا العمل على تحديد نافذة المواضيع المطروحة للنقاش (الثانوية والأساسية)، أي تمييز المواضيع التي تخدم مناقشتها تماسك مجتمعنا من المواضيع التي تخدم مناقشتها تفتيته. والفيصل بينهما هو اعتبار إسرائيل عدوًا. فعلى كل انتقاد أو حتى مخاصمة للحزب أو للأطراف الداعمة للمقاومة أو لكيفية المقاومة أو لأي خيار سياسي أن يخضع أولًا لسؤال: هل نتفق أن إسرائيل عدو؟ إن كان الجواب نعم، فعلينا الترحيب بالنقاش، لا التقوقع والتخوين. أما إذا كان الجواب لا، فعلى ردنا أن يتمحور على عداء الكيان للبنان، لا على أي أمر آخر.
وعلى الخطاب المقاوم نفسه أن يكون جامعًا. فتقديم حجج أو أهداف عقائدية فئوية لتبرير العداء للكيان يعني ضمنًا أن أساس الصراع هو هوية المقاومين، لا طبيعة الكيان، وبالتالي أن السلام ممكن إن تخلّصنا من هذه العقيدة أو الفئة. بالمقابل، يمكن إبراز الخطر الذي يشكله الكيان على لبنان، بحيث يعمل منذ نشأته على احتلال أرضنا وتفتيت مجتمعنا. وأشير هنا إلى مقال “السلام مع إسرائيل طرح سريالي” من كتابتي أنا والرفيق رامي سلامي في صحيفة “النهار” في 13 آب/أغسطس 2024. طبعًا، لن نقنع الجميع، لكن الهدف ليس إقناع الجميع، فنحن نعلم أن الانقسام المجتمعي طبيعي تحت الاحتلال، لكننا نرفض أن نكون من مسبّبيه، بل نعمل على تقديم إطار جامع يلقي مسؤولية التفتيت على الطرف الآخر.
***
إن من شأن خلق مساحة نقاش وانتقاد على أساس العداء للكيان، وإبراز الحاجة إلى التماسك المجتمعي كجزء من مقاومتنا، تحويل خط التماس من “مع أو ضد الحزب” إلى “مع أو ضد تماسك المجتمع”. وقد بُذلت جهود ملفتة للانتباه في هذا الخصوص في الأسابيع الماضية، بحيث شارك عدد من المجموعات التي تقدم الإغاثة في شمل هذه الرسالة في عملها من خلال ملصقات “تماسك مجتمعنا مقاومة”. وساهم رفاق في توزيع المناشير بالعنوان نفسه، وفي التواصل مع مئات المجموعات التي تعمل على الأرض بهذا الخصوص، وهي جهود دعمتها وجوه فلسطينية إعلامية كبليستيا العقاد ومحمد الكرد. وعلى المزيد من المجموعات والمواطنين المشاركة في ذلك.
في الوقت نفسه، نعي أن هذه الجهود تقع في خانة ردّة الفعل على مساعي التفكيك، لكنها لا تعالج هشاشة مجتمعنا نفسها. فقد فرض زعماء الطوائف سياسات عدة لترسيخ انقسامنا القبلي، كتبنّي خطابات هوياتية-زعاماتية، وغياب شبكة الأمان الاجتماعية، وإنشاء الشبكات الزبائنية، وتهجير الشباب، وتعدد المناهج الدراسية، وتفكيك الجامعة اللبنانية مناطقيًا، وإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية، وتسليم تمويل الجيش إلى قطر والولايات المتحدة وغيرها. فعلينا، إلى جانب جهودنا الآنية، تبنّي مشروع سياسي على نقيض ذلك، أي مشروع مقاومة بكل ما للكلمة من معنى.
