تركيا.. العدو الأول لإسرائيل!

لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو فراغ في ضوء مآلات الملف الإيراني بقدر ما تتجه نحو إعادة توزيع عميقة للنفوذ. في هذا السياق، يبرز سؤال يتجاوز طبيعته الإعلامية: هل يمكن أن تتحول تركيا إلى “العدو الأول” لإسرائيل؟ أم أن ما يتشكل هو نمط أكثر تعقيداً من الخصومة، يرتبط بصراع أوسع على الممرات، لا على الحدود فقط؟

لفهم هذا التحول، لا بد أولاً من إعادة تعريف معنى “العدو” في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن إسرائيل لم تتعامل مع خصومها وفق الخطاب السياسي، بل وفق ثلاثة معايير دقيقة: القدرة، النية، والقرب العملياتي. بهذا المنطق، كانت مصر، قبل معاهدة كامب ديفيد، تمثل تهديداً وجودياً، ثم انتقل مركز الثقل إلى العراق وسوريا ولبنان، قبل أن تستقر البوصلة على إيران، بوصفها تجمع بين مشروع أيديولوجي عابر للحدود وقدرات متنامية.

إضعاف إيران لا يؤدي، وفق الحسابات الإسرائيلية، إلى نهاية التهديد، بل إلى تحوّل طبيعته. إذ يتراجع نموذج “المحور الأيديولوجي”، ليحل محله نموذج جديد قائم على الدول القادرة على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية والعسكرية للإقليم. وهنا تحديداً، تظهر تركيا كحالة مختلفة، ليست بديلاً عن إيران، بل منافساً من نوع آخر، يعمل داخل النظام الإقليمي لا على هامشه، وتندرج ضمن خانة الإسلام السياسي نفسه!

من زاوية القدرة، تبدو تركيا أقرب إلى خصم تقليدي متكافئ مع إسرائيل. فهي تمتلك جيشاً نظامياً كبيراً، وصناعة دفاعية متطورة، وقدرة على الانتشار في مسارح متعددة تمتد من سوريا إلى ليبيا والقرن الإفريقي والخليج العربي وآسيا الوسطى. هذا النوع من القوة يختلف جذرياً عن النموذج الإيراني القائم على الوكلاء، ويضع العلاقة في إطار “دولة مقابل دولة”، لا “دولة مقابل شبكة”. لكن الأهم من ذلك أن هذه القدرة لا تُستخدم فقط في المجال العسكري، بل في إعادة تشكيل الممرات الاستراتيجية التي تحدد حركة التجارة والطاقة. وهنا نصل إلى جوهر التحول، صراع الممرات.

رسم خريطة التدفقات

لم يعد الصراع في الشرق الأوسط يدور فقط حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يسيطر على تدفقات العبور: الغاز، النفط، التجارة، والاتصالات. في هذا السياق، يشكل شرق المتوسط نقطة مركزية، حيث تتقاطع مشاريع الطاقة مع الحسابات الجيوسياسية. إسرائيل، التي تسعى إلى تصدير غازها نحو أوروبا، تعمل على تطوير مسارات تتجاوز تركيا، سواء عبر اليونان وقبرص أو عبر ترتيبات بحرية بديلة. في المقابل، ترى تركيا نفسها بوصفها الممر الطبيعي لأي تدفق طاقوي بين الشرق والغرب، وتسعى إلى فرض هذا الدور عبر موقعها الجغرافي ونفوذها السياسي.

هذا التناقض لا يمكن تسويته بسهولة، لأنه لا يتعلق بخلاف تقني، بل بصراع على من يحتكر وظيفة العبور. فالدولة التي تسيطر على الممرات لا تتحكم فقط بالتجارة، بل تملك قدرة على التأثير في القرار السياسي للدول الأخرى. من هنا، يصبح صراع تركيا وإسرائيل جزءاً من معركة أوسع على إعادة رسم “خريطة التدفقات” في المنطقة.

لكن الممرات لا تقتصر على شرق المتوسط. فالبحر الأحمر، والقرن الإفريقي، وسوريا نفسها، تتحول جميعها إلى حلقات ضمن شبكة واحدة. تركيا، عبر حضورها في الصومال وليبيا، تسعى إلى تأمين مواقع على طرق الشحن العالمية، بينما تنظر إسرائيل إلى هذه المسارات بوصفها شرايين حيوية لأمنها الاقتصادي. أما سوريا، فتكتسب أهمية مضاعفة، لأنها تشكل حلقة وصل محتملة بين الخليج والبحر المتوسط، أي أنها قد تتحول إلى ممر طاقة مستقبلي إذا ما استقرت أوضاعها.

تركيا “العدو الأول”

وهنا تتقاطع الجغرافيا مع الاستراتيجية. فمع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، لا ينشأ فراغ محايد، بل مساحة مفتوحة لإعادة التموضع. تركيا، بحكم وجودها العسكري في الشمال، وبحكم قدرتها على التأثير في التوازنات الداخلية، باتت تملأ الجزء الكبر من هذا الفراغ. لكن هذا التقدم، وضعها في تماس غير مباشر مع إسرائيل، التي تسعى بدورها إلى منع أي قوة إقليمية من تثبيت حضور طويل الأمد بالقرب من حدودها.

في هذه اللحظة، يتغير معنى القرب العملياتي. لم يعد مجرد مسألة جغرافية، بل أصبح مرتبطاً بقدرة كل طرف على التأثير في الممرات الحيوية. فترسيخ تركيا حضورها في سوريا وربط ذلك بمشاريع طاقوية أو خطوط نقل، لا يجعلها تقترب فقط من إسرائيل عسكرياً، بل تنافسها اقتصادياً واستراتيجياً في آن واحد.

ومع ذلك، فإن هذا التصعيد المحتمل لا يعني أن المواجهة المباشرة أصبحت حتمية. فالعامل الأكثر تأثيراً في هذه المعادلة هو القيود البنيوية التي تحكم الطرفين. عضوية تركيا في حلف الأطلسي (الناتو) تفرض سقفاً واضحاً لأي تصعيد، كما أن إسرائيل، برغم تفوقها العسكري، تدرك أن الدخول في مواجهة مع دولة إقليمية بحجم تركيا سيحمل كلفة استراتيجية مرتفعة. إضافة إلى ذلك، فإن تاريخ العلاقات بين الطرفين يظهر أن التوتر لا يلغي إمكانية إعادة التطبيع، بل يؤجلها.

لهذا، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل في تحول تركيا إلى “العدو الأول” بالمعنى التقليدي، بل في نشوء نمط جديد من الصراع يمكن وصفه بـ”التنافس على الممرات تحت سقف الردع”. في هذا النمط، يتصاعد الاحتكاك في عدة ساحات، شرق المتوسط، سوريا، البحر الأحمر، لكن من دون أن يتحول إلى حرب شاملة. إنه صراع طويل الأمد، يعتمد على المناورة، وبناء التحالفات، وإعادة رسم الخرائط الاقتصادية.

إقرأ على موقع 180  محرقة غزة والضفة.. تنسف الأساطير المؤسسة لإسرائيل!

وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فبينما كانت الحروب التقليدية تُحسم بالمعارك، فإن صراعات اليوم تُحسم بالقدرة على إعادة توجيه التدفقات. من يحدد مسار الغاز؟ من يسيطر على الموانئ؟ من يربط بين القارات؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد شكل النظام الإقليمي القادم.

إسرائيل والتحدي التركي

في هذا السياق، تبدو تركيا بالنسبة لإسرائيل ليس كعدو وجودي، بل كخصم استراتيجي معقّد، يجمع بين القدرة العسكرية والمرونة السياسية والطموح الجيوسياسي. وهذا ما يجعله أكثر صعوبة في الاحتواء من نموذج إيران، الذي كان يعتمد على بنية أكثر وضوحاً في العداء.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر باستبدال عدو بآخر، بل بانتقال من مرحلة إلى أخرى، من صراع على النفوذ الأيديولوجي إلى صراع على الممرات والوظائف الجيوسياسية. وفي هذه المرحلة، قد لا تكون الحرب المباشرة هي الخطر الأكبر، بل ذلك التنافس الهادئ الذي يعيد تشكيل المنطقة من دون أن يعلن نفسه كحرب.

هكذا، تبدو تركيا مرشحة لأن تكون التحدي الأكثر تعقيداً لإسرائيل، لا لأنها تسعى إلى تدميرها، بل لأنها تنافسها على شيء أكثر أهمية “حق رسم خريطة العبور في الشرق الأوسط”.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180   إسرائيل بمواجهة مأزق الضفة: "السلطة" أم عملية عسكرية؟