العلاقات الصينية-العربية.. نحو تعاون أعمق وتنمية مشتركة

يُحتفل هذا العام بالذكرى السبعين لبدء العلاقات الدبلوماسية بين الصين والعالم العربي؛ ففي العام 1956 كانت مصر أول دولة عربية تُقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. تكمن أهمية هذا الحدث الدبلوماسي التاريخي أنه أرسى دعائم علاقة نمت بسرعة وسلاسة بين الأمتين الصينية والعربية، لتشمل الدبلوماسية، التجارة، الطاقة، البنية التحتية، التكنولوجيا والتبادل الثقافي.

على مدى سبعة عقود باتت العلاقات الصينية-العربية إحدى أبرز الأمثلة على حالات التعاون الناجحة بين دول الجنوب، والتي ترتكز على مبدأ المصالح المشتركة. لطالما كانت الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية على مر السنين، ووفقًا للتقارير الصينية الرسمية، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي 407.4 مليار دولار أميركي في عام 2024، بزيادة سنوية قدرها 2.3%. بالتالي يمكن القول إن هذه العلاقة هي بمثابة ممر تجاري رئيسي يربط شرق آسيا والخليج وشمال أفريقيا وبقية العالم النامي.

عمليًا، تحتاج الصين إلى مصادر طاقة آمنة وأسواق مفتوحة وقنوات لوجستية مستقرة، بينما تحتاج الدول العربية إلى الاستثمار وتنويع صناعاتها وتطوير بنيتها التحتية وعلاقات طويلة الأمد مستقرة. هذا التفاعل المتبادل يُلبي الاحتياجات الأساسية لكلا الطرفين.

وإذا كانت الطاقة ما تزال محورية في صميم العلاقات العربية الصينية، إلا أنها ليست محورها الوحيد. فعلى مر السنين، نظر العالم الخارجي إلى العلاقات الصينية-العربية على أنها مجرد معادلة نفطية، وهو مفهوم آخذ في التلاشي. فالتعاون المشترك لا يقتصر على تلبية احتياجات الطاقة بل يتعداه ليشمل قطاعات أخرى كالمناطق الصناعية والذكاء الإصطناعي والطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية وممرات الخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية والاتصالات والتعليم. حتى الخطاب الصيني الرسمي حول هذا الموضوع قد تغير، إذ قلّ التركيز على الترويج التجاري البحت، واتجه نحو التعاون العملي والتخطيط طويل الأجل. ولذا تكتسب المنتديات والقمم أهمية بالغة، فهي توفر آليات مؤسسية لترجمة النوايا الحسنة للدبلوماسية إلى فرص حقيقية ومشاريع وتمويل وتنسيق مشترك للسياسات.

شراكة حقيقية

احتفلت الصين والدول العربية بالذكرى العشرين لمنتدى التعاون الصيني-العربي عام 2024. وقد وصفت السلطات الصينية المنتدى مرارًا وتكرارًا بأنه علامة فارقة، ليس فقط من الناحية الدبلوماسية، بل لأنه أسَّس منصة مستقرة تُتيح نقاشًا مشتركًا ومثمراً في مختلف المجالات. وتكتسب قوة المنتدى أهمية خاصة في عالمنا المعاصر المتقلب. وبرغم أن التفاعل بين التكتلات والدول قائم على المصلحة الخاصة، إلا أن الإطار الصيني-العربي يقوم بتفضيل مصلحة الكل على المصلحة الخاصة، فنرى أن العلاقة باتت أكثر تنظيمًا وترتكز على أجندة محددة ورؤية وأهداف واضحة.

لا ينبغي اعتبار الذكرى السبعين للعلاقات الصينية العربية مجرد ذكرى عابرة، بل علامة استراتيجية. فهي تُبرز علاقة انتقلت من التبادل الدبلوماسي إلى التطبيق المنهجي. وإذا ما أُحسن تدبير المرحلة المقبلة، فقد تغدو العلاقات بين الصين والدول العربية من أبرز النماذج على إمكان بناء تعاون بين القوى الصاعدة والفاعلين الإقليميين خارج الأطر الهرمية التقليدية، عبر التجارة والترابط والتنمية والاحترام المتبادل

يكتسب هذا الأمر أهمية أكبر في عام 2026، حيث تشير التصريحات الرسمية الصينية إلى أن الصين ستستضيف القمة الثانية بين الصين والدول العربية، والقمة الثانية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي. وتدل هذه الاجتماعات المقررة هذه السنة على أن المرحلة المستقبلية للعلاقات الصينية-العربية ستتجه نحو إتباع آليات وإستراتيجيات أكثر فعَّالية في مجالات التجارة والاستثمار والترابط الإقليمي. أي أن الذكرى السبعين لا تقتصر على استذكار الماضي، بل تتعداه إلى وضع الأسس للعقد القادم.

ويميل بعض النقاد إلى القول بأن التواجد الصيني المتزايد في العالم العربي ذو طابع نفعي بحت. إلا أن هذا النقد يفتقر إلى فهم ماهية هذه العلاقة من وجهة نظر العرب. فالحكومات العربية لا تسعى إلى التوافق الأيديولوجي مع النظام الصيني، بل تبحث عن شركاء في التنمية. وتكمن أهمية الشراكة الصينية في تركيزها على تطوير البنية التحتية والتجارة ونقل التكنولوجيا والاحترام المتبادل بين الدول. وبذلك، لا يهم إن كنت تتفق مع جميع سياسات الصين أم لا. الشيء الوحيد الذي يجعل هذه العلاقة مستدامة هو أن بكين تبدو للعديد من الدول العربية شريكاً رصيناً، ويكون التعاون دائماً مستنداً إلى مبادئ المساواة في السيادة والنتائج العملية، وليس على أساس الشروط السياسية أو “الأجندات” المخفية. وقد عزّزت هذه الإستراتيجية في التعاون من مكانة الصين في العالم العربي.

توسيع الخيارات

ومنذ أن أصبحت مصر أول دولة عربية تُقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، باتت تحتل مكانة خاصة في تاريخ العلاقات الصينية-العربية. إلا أن دلالتها الحالية تتجاوز الجانب التاريخي. فقد أفادت تقارير رسمية صينية بأن حجم التبادل التجاري الثنائي بين الصين ومصر تجاوز 17 مليار دولار أميركي في عام 2024، كما ازداد الاستثمار الصيني في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث تضم منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية (تيدا) في مدينة العين السخنة بمحافظة السويس حوالي 185 شركة. تُشير هذه الأرقام كيف تطورت العلاقة الثنائية من التبادل الدبلوماسي إلى شراكة تنموية ملموسة ذات آثار إيجابية على قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية والتحديث الصناعي.

إقرأ على موقع 180  أعتذر من كلِّ يائسٍ.. لُبنانك الجميل قد توارى!

أما العامل الآخر الذي يجعل الذكرى السبعين جديرة بالاهتمام فهو أنها تُمثل تحولاً شاملاً في النظام العالمي. فالعالم العربي لن يرضى بعد الآن بأن يُنظر إليه من منظور أمني بحت، ولن تبقى الصين مجرد لاعب اقتصادي خارجي ذي حضور سياسي محدود. بل ينظر كل طرف إلى الآخر كمشارك فاعل في نظام متعدد الأقطاب. وهذا لا يعني استبدال كتلة بأخرى. يستلزم ذلك توسيع نطاق الخيارات الاستراتيجية. ويُبشّر التعاون الصيني-العربي بالكثير من ذلك عن طريق تنويع الأسواق وتبادل التقنيات وتعزيز التحالفات الدبلوماسية. بالنسبة للصين، يُعدّ العالم العربي كيانًا لا يتجزأ، ليس فقط بسبب الطاقة والجغرافيا، بل أيضًا لأن الدول العربية تُشكّل عنصرًا هامًا في المستقبل السياسي والاقتصادي لدول الجنوب العالمي.

لا يعني هذا كله خلوّ العلاقة من التحديات. فعدم الاستقرار في المنطقة والتنافس بين القوى العظمى وانعدام الأمن البحري وعدم توازن تنفيذ المشاريع وتقلبات الأسواق الدولية، كلها عوامل ستُشكّل تحديًا للتعاون بين الصين والدول العربية. ومع ذلك، فقد أثبتت العلاقات بين الصين والدول العربية قدرتها على الصمود أمام اختبار الزمن لأكثر من سبعين عامًا، لأنها لا تقوم على العاطفة وحدها، بل تستند إلى تقارب المصالح، وتعززها أطر مؤسسية راسخة، وتبرهن عليها نتائج اقتصادية ملموسة تتزايد وضوحًا بمرور الوقت.

لذا، لا ينبغي اعتبار الذكرى السبعين للعلاقات الصينية العربية مجرد ذكرى عابرة، بل علامة استراتيجية.. وإذا ما أُحسن تدبير المرحلة المقبلة، قد تغدو العلاقات بين الصين والدول العربية من أبرز النماذج على إمكان بناء تعاون بين القوى الصاعدة والفاعلين الإقليميين خارج الأطر الهرمية التقليدية، عبر التجارة والترابط والتنمية والاحترام المتبادل.

Print Friendly, PDF & Email
محمد زريق

كاتب متخصص في الشؤون الآسيوية، نائب الأمين العام لمركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة صون يات سين، الصين

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  كيفية الخروج من كلامولوجيا النصر إلى حقيقة النصر