الناتو Archives - 180Post

zorro-putin-cm.jpg

سؤالٌ يتردّد بكثافة في وسائل الإعلام الغربية. سؤالٌ لا يبحث عن إجابة مباشرة، بل عن فهم لطبيعة العقل الاستراتيجي الروسي؛ إذ لا تتحرك موسكو لمجرد وجود ظلم، أو بدافع ردة الفعل السريعة، بل تتدخل فقط عندما يصير التدخل جزءًا من معركة أوسع تتعلّق بإعادة رسم التوازنات الدولية، وليس فقط لإطفاء حريق هنا أو هناك. فالمسرح الشرق أوسطي بالنسبة إلى روسيا ليس منفصلًا، بل هو فصل من فصول الصراع على النظام الدولي نفسه. ومن هذه الزاوية، يُطرح سؤال: متى تتدخل روسيا؟ وهو سؤال أدقّ وأخطر: متى ترى موسكو أن غيابها بات يُهدّد موقعها في الخريطة الكبرى للعالم؟

801.jpg

في أنقرة، كان السؤال يتردد بصوت خافت: لماذا قرّرت طهران أن تذهب إلى مسقط، لا إلى أنقرة، حين احتاجت إلى قناة تفاوض آمنة مع واشنطن. لم يكن الأمر مجرد اختيار فندقي أو ترتيب لوجستي. في الشرق الأوسط، المدينة التي تستضيف المفاوضات لا تقل أهمية عن مضمونها؛ فالمكان رسالة، والحياد عملة نادرة، وكل طاولة حوار تحمل بصمة الجغرافيا السياسية للدولة المضيفة. من هنا يمكن فهم دلالة أن تتحول مسقط - الهادئة والمحايدة تقليدياً - إلى مسرح للمحادثات الحاسمة، بينما تكتفي أنقرة بدور "المراقب القَلِق" على تخوم الأزمة الإيرانية.

13112025_0.jpg

ما تشهده الساحة السورية مؤخراً لا يمكن اختزاله بتبدّل موازين قوى لمصلحة أحمد الشرع وحكومته، ولا بتراجع عسكري ظرفي للمشروع الكردي. ما حدث يتجاوز منطق الربح والخسارة العسكرية، ويقع في صميم التحولات الاستراتيجية، حيث تكشّفت حدود الأدوار، وانكشف سقف الوظائف، وأُعلن عملياً انتهاء صلاحية تشكيل كردي سوري لم يُصمَّم منذ البداية ليكون مشروع دولة.

Extraordinary_Threat.jpg

خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، صرّح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن الشراكة الجديدة «تهيئنا جيداً للنظام العالمي الجديد»، وأضاف: «أعتقد أن العالم لا يزال بصدد تحديد شكل هذا النظام». وفي كلمته أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (20 يناير/كانون الثاني 2026)، أعلن أن «النظام الدولي القائم على القواعد قد مات»، داعياً الدول متوسطة القوة إلى صياغة مسار جماعي جديد يقوم على ما سماه «الواقعية القيمية»، أي المزج بين الواقعية السياسية والتمسك بالقيم.

Holiday-on-ICE.png

"عُصبةُ الأممِ" بعدَ الحربِ العالميةِ الأولى، و"الأممُ المتحدةُ" بعدَ الحربِ العالميَّةِ الثانيةِ حِقبتانِ لم تتمكَّنْ فيهِما المنظَّمتانِ من إرساءِ أيِّ نوعٍ من السلامِ في العالم. سيطرتِ الدولُ الرأسماليّةُ عليهِما فانفصلَ مفهومُ السلامِ عن مفهوم ِالأخلاقِ والعدالةِ. وما زالا على هذا النحو إلى الآن. لم يصمُدْ أيُّ شيءٍ مما عُرِفَ بالقانونِ الدوليّ. حلَّ مكانَهُ مفهومُ القوَُّةِ، وتوازُنُ القُوى، فلا سلامَ إلَّا في ما هو طوبَاويٌ أتقنَتِ الرأسماليةُ الاستعماريّةُ توظيفَهُ في حساباتِ مصالحِها الطبقيَّةِ. وما "مجلسُ السلام" الذي أعلنَهُ الرئيسُ الأميركيُّ دونالد ترامب مؤخَّراً سوى نقلةٍ جديدةٍ في هذا المسارِ من التوظيف.

Murderer-copia.jpg

داهمت التحديات الصعبة «مجلس السلام»، أو بالأحرى «مجلس ترامب»، في لحظة التوقيع على وثيقته التأسيسية. فكرته تتمحور حول شخصية ورؤى وتصورات، أو نزوات وأهواء الرئيس الأمريكي دونال ترامب؛ فهو وحده الذي يقترح ويوجّه، ويملك حق التعيين والعزل في مؤسساته المفترضة.

800-35.jpg

من غرينلاند في القطب الشمالي إلى فنزويلا وأوكرانيا وغزة وإيران، عثر الرئيس الأميركي دونالد ترامب على ضالته. إنها "مجلس السلام" برئاسته لإدارة دفة النزاعات الدولية وإعادة صوغ النظام العالمي بعيداً عن كل الهياكل الأمنية والسياسية التي انبثقت من رماد الحرب العالمية الثانية.

charge20260117B.jpg

الاتحادُ الأوروبيُّ في مأزِق. ربَّما لم يشهدْ له مثيلاً منذ معاهدةِ ماستريختْ قبل ما يزيدُ على ثلاثةِ عقودٍ. أزمتُهُ مركَّبةٌ بين الهُويَّةِ والدورِ الإستراتيجي. هُويّتُهُ منذ إنشائهِ اِلتحمَتْ عُضويَّاً بحلفِ الناتو. كان يستظِلُّ بخيمةِ الولاياتِ المتحدةِ أمنياً وإستراتيجيَّاً. لم يبنِ في أيِّ حِقبةٍ قراراً مستقلّاً. عاشَ تبَعيَّةً كاملةً للأميركيينَ. ولطالما تراجعَ عن مواقفَ في الساحةِ الدوليَّةِ حينما كانت تعترضُ عليهِ واشنطن. لا يستطيعُ أنْ يتحمَّلَ اعتراضَها، فهو مرتكزٌ عليها دفاعياً وهي التي تنفقُ الأموالَ العسكريَّةَ أكثر منه. ثقافةُ الاستقلاليّةِ التي تتطلَّعَ إليها الجنرال ديغول في الخمسينيَّاتِ لم تتحوَّلْ إلى سياسة، وهو كان يرى المأزقَ آتياً منذ ذلك الوقت. وهو قد أتى فعلاً، وباتتْ نُذُرُ الاهتزازِ التَفَكُّكي واضحةً.

trump.jpg

نشرت جريدة «واشنطن بوست» الأميركية مقالًا للكتّاب ليو ساندز، وكيت برادي، وإلين فرانسيس، وتوبي راجي، يوضحون فيه أن العلاقات بين واشنطن وأوروبا تواجه أزمة دبلوماسية حادة، إثر تهديد الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية عقابية لإجبار الدنمارك على بيع إقليم غرينلاند، وهو ما قوبل برفض أوروبي موحّد وتحذيرات من «انحدار خطير» يهدد وحدة حلف الناتو. وبينما تدرس بروكسل خيارات الرد الاقتصادي، يبقى التوتر سيد الموقف وسط انقسام داخلي في واشنطن حول قانونية وجدوى هذا الاستحواذ القسري.

pirat2.jpg

منذ العام 1945، بدا النظام الدولي كأنه سقفٌ زجاجيّ معلّق فوق رأس العالم: نراه ولا نلمسه. نختلف على نقاوته أو سماكته. صلابته أو مرونته. ومع ذلك، وعلى كثرة عِلاته وتواتر الملاحظات على عدالته وقدرته على الإنصاف وإحقاق العدالة، بقي الناس والدول يلوذون به. سقفٌ يقول: ثمّة حدود، ثمّة سيادة، ثمّة ميثاق، ثمّة قيدٌ على القوة ولو كان القيد صدئًا، ولو كان يُفتح للأقوياء ويُغلق بوجه الضعفاء.