غير أن هذا الفهم يظل غير مكتمل إذا لم يُستكمل بمقاربة موازية تستلهم ما يطرحه البروفيسور عدنان حبّ الله (1935–2009)، الذي يرى أن الحدث السياسي لا يُختزل في وقائعه المادية، بل يتشكّل داخل بنية نفسية جماعية تُعيد إنتاجه عبر التمثّل والتأويل. ومن هذا المنظور، لا تبدو المفاوضات مجرد مسار دبلوماسي، بل امتدادًا للحدث نفسه، حيث يُعاد تمثّله داخل كل طرف وفق منظومته النفسية والإدراكية.
فالصراع هنا لا يُدار فقط على مستوى توازن القوى، بل أيضًا على مستوى التمثّلات المتعارضة للذات والآخر.
بالتالي، لا يرتبط تحديد السيناريوهات المحتملة فقط بموازين القوة العسكرية، بل يتأسس، بدرجة حاسمة، على ما يمكن تسميته بـ«التصورات الجيوسياسية» أو «المتخيّل الجيوسياسي»، أي ذلك الإطار الإدراكي الذي ترى من خلاله الدول ذاتها وخصومها والعالم من حولها، حيث لا يعود الصراع مجرد مواجهة مادية، بل يتحول إلى تعبير عن ذوات جماعية وهويات تاريخية وتمثّلات راسخة في الوعي واللاوعي.
تصورات ذاتية
في الحالة الإيرانية، يتأسس التصور الجيوسياسي على مفهوم “وحدة الساحات”، بما يعنيه من بناء عمق استراتيجي إقليمي، واستخدام أدوات غير متماثلة لتعويض الفجوة في القوة التقليدية. غير أن هذا التصور لا يمكن فصله عن البنية النفسية للمجتمع الإيراني، الذي يتشكل كـ«ذات جماعية» مشبعة بتاريخ إمبراطوري، وإحساس عميق بالكرامة، وذاكرة حصار ممتدة، إلى جانب البعد الاثني عشري الذي يمزج بين سردية المظلومية وفكرة الصمود. ضمن هذا الإطار، يتحول الحدث العسكري إلى لحظة لإعادة إنتاج الهوية، لا إلى مجرد تهديد أمني، ما يفسر إلى حد كبير فشل الرهانات على انهيار داخلي سريع تحت الضغط الخارجي.
في المقابل، يتسم التصور الأمريكي بطابع براغماتي–وظيفي، يقوم على إدارة الصراع بدل حسمه، وعلى منع الانفجار الإقليمي الشامل، مع الحفاظ على بنية النظام الإقليمي القائم. غير أن هذا التصور، برغم واقعيته الظاهرية، يبقى أسير قراءة عقلانية–أداتية للحدث، تميل إلى إهمال البعد النفسي واللاواعي في سلوك الخصوم، ما يؤدي إلى سوء تقدير في فهم ردود الفعل، كما يتجلى بوضوح في الحالة الإيرانية، حيث تتجاوز الاستجابات حدود الحسابات المادية البحتة.
أما التصور الجيوسياسي الإسرائيلي، فيكشف عن إشكالية بنيوية أعمق، إذ لا يقوم على مبدأ التعايش، بل على منطق إلغاء الآخر كفاعل سياسي، وفرض واقع جيوسياسي أحادي، يرتبط بتمثّل توسعي يُستحضر ذهنيًا واستراتيجيًا في إطار ما يُعرف بـ«إسرائيل الكبرى». هذا التصور يتقاطع مع بنية نفسية يمكن وصفها بالنرجسية–الوجودية، ترى في أي تنازل تهديدًا مباشرًا للبقاء. وعليه، تتحول مفاهيم التسوية والتنازل إلى مرادفات لتفكيك المشروع، فيما يغدو السلام، ضمن هذا الإطار التصوري، خيارًا غير ممكن بنيويًا.
وبرغم التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة و«إسرائيل»، يبرز تباين واضح في الرؤية: فواشنطن تسعى إلى إدارة الإقليم وضبط توازناته، بينما تميل تل أبيب إلى إعادة تشكيله وفق تصورها الجيوسياسي (الهيمنة والإخضاع). هذا التباين يكشف عن اختلاف في البنية النفسية لصنع القرار؛ إذ تتسم المقاربة الأمريكية ببراغماتية وظيفية، في حين تحمل المقاربة الإسرائيلية طابعًا وجوديًا–نرجسيًا، ينعكس في أسلوب التفاوض، وحدود التصعيد.
التباين بين الواقع والتوقع
ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة الحدث الراهن بوصفه تصادمًا بين نرجسيات متعددة: نرجسية القادة على المستوى الفردي، و«نرجسية» (بالمعنى الإيجابي) المجتمع الإيراني على المستوى الجماعي التاريخي. وهنا تتجلى مفارقة أساسية، إذ إن تصاعد الضغط الخارجي لا يؤدي بالضرورة إلى تفكك داخلي، بل قد يعزز التماسك، لأن الحدث يُفعّل عناصر عميقة في الوعي الجمعي، مثل الذاكرة والكرامة والهوية، فيتحول إلى عامل تعبئة بدل أن يكون عامل انهيار.
ويكشف هذا الواقع أن الجيوسياسة (المدرسة الفرنسية) أو الجيواستراتيجية أو الجيواقتصادية أو الجيوبوليتيكية (المدرسة الجيوسياسية الأمريكية) غير كافية لتفسير ديناميات الصراع، إذ تتداخل فيها الأبعاد النفسية والتمثّلية، ليصبح الحدث نتاج تفاعل معقد بين القوة والهوية واللاوعي.
وعليه، فإن جوهر الصراع لا يكمن فقط في تناقض المصالح بين الدول، بل في تعارض تمثّلات جيوسياسية ونفسية عميقة، حيث تفشل القوة المادية عندما تعجز عن اختراق البنية الإدراكية للخصم أو فهم منطقه الداخلي. في هذا السياق، لا يعود الحدث العسكري مجرد فعل، بل يصبح خطابًا، ورمزًا، وساحة لإعادة إنتاج الذات، ما يجعل أي تحليل يغفل هذا البعد محكومًا بالقصور، مهما بلغت دقته في قياس موازين القوة.
في هذا السياق، يكشف التباين بين التوقع الأمريكي بانهيار داخلي أو ضغط شعبي على النظام، وبين الواقع الذي أظهر تماسكًا نسبيًا، عن خلل بنيوي في القراءة الاستراتيجية، يتمثل في تجاهل البعد اللاواعي للمجتمع الإيراني. إذ إن القرار الأمريكي، وإن استند إلى عقلانية سياسية وأدوات تحليل تقليدية، أخفق في استيعاب ما يسميه عدنان حبّ الله «اللاوعي الجماعي»، أي تلك البنية النفسية التي تحكم استجابات المجتمعات تحت الضغط. ضمن هذا الإطار، يتحول العدوان الخارجي على إيران إلى لحظة إحياء للذاكرة الجماعية، حيث يُعاد استحضار الحرب مع العراق والتدخلات الغربية، بما يؤدي إلى «تفجير المكبوت التاريخي»، وفق تعبير عدنان حبّ الله، فيُترجم في سلوك جماعي يقوم على التماسك ورفض الإذلال.
انتاج الهوية والكرامة
في المقابل، يتقاطع هذا البعد مع ما يمكن تسميته بالنرجسية السياسية لدى صناع القرار، حيث يظهر كل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ضمن نموذج نرجسي يرى في الحدث مسرحًا لإثبات الذات. ففي الحالة الأمريكية، تتجلى نرجسية القوة والهيمنة في مقاربة الحدث كأداة استعراض وردع، فيما تتخذ في الحالة الإسرائيلية بعدًا وجوديًا–تاريخيًا، حيث يُعاد تأطير الصراع ضمن سردية قدرية (توراتية) تتصل بفكرة البقاء. غير أن هذا النمط من النرجسية الفردية يصطدم بنرجسية جماعية مضادة داخل المجتمع الإيراني، قائمة على تاريخ طويل من الشعور بالعزة والقدرة على الصمود، ما يؤدي إلى نتيجة عكسية: فكلما ازداد الضغط الخارجي، تعزّز التماسك الداخلي بدل أن يتفكك.
وثمة عامل غالبًا ما يتم تجاهله في التحليل الجيوسياسي الكلاسيكي، وهو «الكرامة» بوصفها متغيرًا حاسمًا في تشكيل السلوك السياسي. ففي حين تميل المقاربات الغربية إلى التركيز على المؤشرات الاقتصادية والسياسية، تُظهر الحالة الإيرانية أن الكرامة ليست عنصرًا رمزيًا ثانويًا، بل مكوّنًا مركزيًا في بنية القرار والاستجابة. ومن هذا المنظور، لا يؤدي العدوان إلى إضعاف الهوية، بل إلى إعادة إنتاجها وتعزيزها، بحيث يتحول الحدث إلى لحظة تأسيسية تُعيد تعريف الذات الجماعية بقدر ما تعكسها.
إن هذا التمايز بين «الحدث العسكري» و«الحدث النفسي» يفسّر جانبًا كبيرًا من الفجوة في التقدير، إذ ركّز التحليل الأمريكي على مستوى الفعل العسكري، متجاهلًا ديناميات التمثّل النفسي، وهو ما قاد إلى قراءة ناقصة للنتائج. وعليه، يمكن القول إن العدوان على إيران يكشف أن الحدث الجيوسياسي لا يُختزل في توازنات القوة، بل يتشكّل أيضًا داخل بنى نفسية جماعية، تتحول فيها الضربة العسكرية إلى لحظة إعادة إنتاج للهوية والكرامة؛ وهذا ما يتعيّن على المفاوضين الأمريكيين إدراكه أثناء محادثاتهم مع الطرف الإيراني، بخلاف الجانب الإيراني الذي يبدو أكثر وعيًا بهذه القراءة، إلى جانب إدراكه لبقية الأبعاد الأخرى، سواء العسكرية أو القانونية أو الاقتصادية البحتة. ويؤشر إلى ذلك إصراره على إشراك نائب رئيس الولايات المتحدة جي. دي. فانس في المفاوضات، إلى جانب شخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذين لا يمتلكان بعدًا جيوسياسيًا عميقًا في إدارة التفاوض، بل تقتصر مقاربتهما على الأبعاد الاقتصادية والأمنية.. بخلفية صهيونية.
