حادثة التنف.. لا أحد يخوض معارك أميركا بعد اليوم!

يستمد خبر استهداف قاعدة أميركية في الشرق الأوسط، قيمته من مقتل ثلاثة جنود أميركيين، وهو ما يستدعي الرد من وجهة نظر الولايات المتحدة، وبالتالي يفتح الباب أمام احتمال تورط أميركي أكبر في "حروب" المنطقة. في الوقت نفسه، أظهرت الحادثة أن الولايات المتحدة تتَحَيّن فرصة إقحام الحلفاء، وفق حسابات مصالحها لا مصالح هؤلاء، في خضم مرحلة إنتقالية دولياً سمتها الأبرز تراجع الدور الأميركي وتقدم دور قوى دولية وإقليمية صاعدة.

هذه المشهدية عايشتها المنطقة عندما كانت أميركا تجمع حلفاءها في مواجهة اليمن ضمن “تحالف حارس الازدهار” لشن عملية عسكرية للرد على الهجمات التي يقودها الحوثيون على السفن المتجهة إلى إسرائيل، وسرعان ما وجدنا المحيط العربي يتململ، ووجدنا السعودية التي خاضت حرباً في اليمن طوال تسع سنوات، تفضل الجنوح للحياد. فكانت النتيجة ضربات أميركية إنكليزية باهتة استهدفت شمال اليمن.. وبعضها اقتضى العلم والخبر المسبق!

كانت الساعات الماضية ملفتًة للإنتباه لجهة الإصرار الأميركي على أن القاعدة الأميركية التي استهدفت إنما هي في الأردن، بينما كان الأردن يُعلن أنها في سوريا؛ ذلك الإعلان لم يكن الإعلان الرسمي نهائيًا، إذ ختم الأردن يوم الأحد 28 كانون الثاني/يناير ببيان يُجامل حليفته أميركا، لكن ليس على حساب نفسه، فأعلن إدانته الهجوم الإرهابي الذي استهدف موقعًا “متقدمًا على الحدود مع سوريا”، وأدى إلى مقتل 3 جنود أميركيين وجرح آخرين من “القوات الأمريكية التي تتعاون مع الأردن في مواجهة خطر الإرهاب وتأمين الحدود”.

وأكد البيان الأردني الرسمي أن “الأردن سيستمر في مواجهة خطر الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود السورية إلى الأردن، وسيتصدى بكل حزم واقتدار لكل من يحاول الاعتداء على أمن المملكة”.

واللافت للإنتباه أيضاً إشارة البيان إلى أن “الأردن كان قد أعلن سابقًا أنه يتعاون مع شركائه لتأمين الحدود، وطلب من الولايات المتحدة ودولًا صديقة أخرى تزويده أنظمة عسكرية والمعدات اللازمة لزيادة القدرات على تأمين الحدود ومواجهة الأخطار عبرها”.

إن لم تجد أميركا متبرعًا يحارب معها من الدول العربية، فهل ستخرج من المنطقة فعلًا وقد بدأت تلمس قيمة الخسائر البشرية أو أنها ستخوض حرب بقائها في المنطقة؟ والسؤال الأكبر: كيف ستترك أميركا المنطقة وربيبتها “إسرائيل” في أضعف حالاتها؟

كان الإعلان عن ذلك خلال مقابلة أجراها مدير الإعلام العسكري في القوات المسلحة الأردنية مصطفى الحياري في تشرين الأول/أكتوبر الماضي على التلفزيون الأردني إذ قال إن الأردن طلب من الولايات المتحدة تزويده بمنظومة صواريخ “باتريوت” لتحسين وتقوية نظامه الدفاعي الحدودي.

وفيما كانت الولايات المتحدة تتمترس حول إعلانها أن القاعدة المستهدفة تقع في الأردن، أصدرت “المقاومة الإسلامية في العراق” بيانًا أشارت فيه إلى أنها “استهدفت فجر يوم الأحد أربع قواعد للأعداء بواسطة الطائرات المسيّرة”، وأوضحت أن ثلاثًا من القواعد المستهدفة الأربع موجودة في سوريا، (قاعدة الشدادي، قاعدة الركبان، وقاعدة التنف)، والرابعة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وهي منشأة “زفولون” البحرية.

يتضح مما سبق أن الولايات المتحدة كانت ترغب في زج الأردن في المواجهة المفتوحة بينها وبين الأذرعة الإيرانية، مستفيدة من إقدام الأردن مؤخرًا على استهداف مواقع لمهربي مخدرات قرب حدوده مع سوريا، بعد أن أعلن تغيير قواعد الاشتباك خلال العام الماضي، وكأن واشنطن في تأجيجها للصراع بين الأردن وأذرعة إيران، تنتقم لنفسها بأيدٍ نظيفة، ولا تترك لروسيا فرصة التلذذ وهي ترى عدوتها غارقة في مستنقع حرب في الشرق الأوسط.

وما يؤكد ما سبق، النفي الأردني الذي يحمل في طياته دلالات كبيرة، ففي الباطن يريد الأردن النأي بنفسه عن أي صراعات في المنطقة، وهو وإن قدّم مجاملة لطيفة إلى حليفته في بيانه الرسمي، لكنه ذكّرها بموضوع صواريخ “الباتريوت”، فهل يحمل هذا التذكير في باطنه إشارة إلى أن الولايات المتحدة تتلكأ في الطلب؟ ربما!

حالما وقعت العملية كان المارد الأميركي غاضبًا، وبدا أنه مستعد للانتقام، لكن بأيدٍ أردنية هذه المرة، ولما تمسّك الأردن برأيه، وتلا ذلك بيان “المقاومة الإسلامية في العراق” الذي أكد أن عمليته استهدفت القواعد الأميركية في سوريا، وجدنا المارد يُهدّئ من علو نبرته، إذ صرح رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة في وقت متأخر من ليلة أمس (الأحد) قائلًا “نعتقد ان إيران لا تسعى لحرب معنا برغم رغبتها بمغادرة قواتنا العراق”. وهذا يؤكد ما ذهب إليه العديد من المحللين أن أميركا سترد، لكنها لن تخوض حربًا.

تدرك الولايات المتحدة أن روسيا تحلم في ذلك اليوم الذي تتورط فيه أميركا في حرب تستنزفها في منطقة الشرق الأوسط، فتسعى إلى الحلفاء بشتى الوسائل والطرق، لتثأر لنفسها – كما في الماضي – بأيدي بلاد أخرى أو بمعونة بلاد أخرى، لكن شكل العالم يتغير، ومكانة أميركا تتراجع، فبعد أن كانت تجد الحلفاء في حروبها، تجد نفسها مربكة ووحيدة، وعندما تغدو مجبرة على خوض حروبها بمفردها تنحو نحو التعقل أكثر!

إن قصة بيانات ليلة الأمس حول استهداف القاعدة الأميركية، وقبلها محاولة تأليف تحالف ضد اليمن، وقبل ذلك عجز أميركا عن التأثير على قرارات “أوبيك بلاس” خلال الأزمة الروسية الأوكرانية، وتحدي السعودية الصريح لها؛ إن كل هذه الحوادث تأخذنا إلى صورة أميركا الجديدة التي لم نعهدها من قبل، صورة أميركا التي لم تعد القطب الأوحد الحاكم؛ صورة أميركا بعد أن اكتوى الكثير من حلفائها بنار صحبتها، فهل ينسى الأردن اعترافها بالقدس عاصمة لاسرائيل، وتحالفها مع الإسلام السياسي فترة ما يسمى بـ”الربيع العربي”، ودعمها اللامنتهي لإسرائيل في حرب غزة؟

إقرأ على موقع 180  "حقل قانا" في عالم إدارة الأصول.. (BlackRock) نموذجاً

ورُبّ سائل: إن لم تجد أميركا متبرعًا يحارب معها من الدول العربية، فهل ستخرج من المنطقة فعلًا وقد بدأت تلمس قيمة الخسائر البشرية أو أنها ستخوض حرب بقائها في المنطقة؟

والسؤال الأكبر: كيف ستترك أميركا المنطقة وربيبتها “إسرائيل” في أضعف حالاتها؟

إن أسئلة ما بعد يوم الأحد 28 كانون الثاني/يناير تكبر أكثر وأكثر، وإجاباتها تحمل صورة المستقبل الذي لن يشبه يومنا هذا أبدًا.

Print Friendly, PDF & Email
رانية الجعبري

صحافية وقاصة من الأردن

Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إنحدار المكانة الأمريكية.. العالم يدفع الثمن!