خرائط الزواج والطلاق في لبنان.. مؤشرات مُقلقة

في لبنان، لا تكشف التحوّلات الديموغرافية نفسها فقط عبر انخفاض الولادات وارتفاع معدلات الشيخوخة، بل أيضاً عبر تغيّر عميق يطال بنية الأسرة نفسها. فتراجع الإقبال على الزواج، بالتوازي مع الارتفاع المستمر في حالات الطلاق، بات يشكّل أحد أبرز المؤشرات على التحوّل السكاني والاجتماعي الذي يعيشه البلد، بما يحمله ذلك من انعكاسات مباشرة على النمو السكاني وتوازناته المستقبلية.

تعتبر الزواجية[1] واحدة من المؤشرات البالغة الأهمية في الديموغرافيا، وبخاصة في الدول التي تكاد تتساوى فيها الخصوبة الشرعية مع الخصوبة العامة[2]. ويعد لبنان ودول المشرق ضمن هذه المجموعة بحيث يُحرم الأطفال المولودون خارج إطار الزواج من معظم حقوقهم المدنية والحقوقية. هكذا، يُدرس الزواج في الديموغرافيا بالتوازي مع الطلاق باعتبارهما من محدّدات الخصوبة، فمع ارتفاع حالات الزواج من المفترض أن ترتفع الخصوبة في المجتمع. أما ارتفاع نسب العزوبية و/أو الطلاق فيعني، في المجتمعات المحافظة، تراجع الولادات.

في المقالات السابقة، وخاصة “الولادات في لبنان بين ظاهرتي التعويض والصدى” و “النمو التفاضلي للسكان“، كنا قد بينّا اتجاهات الولادات والخصوبة والنمو في لبنان، وهي كلها اتجاهات سلبية تؤشر إلى تراجع حالي في أعداد الولادات سنة عن سنة، وإلى تنامٍ مستقبلي في نسب المعمّرين وانخفاض عدد السكان.

في هذه المقالة، سنتصدى لمسألة لا تزال الدراسات السكانية بين الباحثين والطلاب في اختصاص الديموغرافيا لا تلقي الضوء عليها: المحدد الأساسي في تراجع النمو السكاني ليس انخفاض الولادات فحسب؛ بل أيضًا، تراجع الإقبال على الزواج، أو لنقُل، تراجع الزواجية، بحد ذاتها، لناحية انخفاض مستمر للإقبال على الزواج، المرتبط بدوره، بارتفاع ملحوظ لحالات الخروج من الزواج بالطلاق.

وعليه، فإن هذه المقالة لن تتطرّق إلى العوامل التي تؤثر في الزواج والطلاق، لأن معظم هذه العوامل يدخل في الاختصاصات المتعلقة بدراسة الأسرة والعائلة، بل سنقدم هنا عرضًا شاملًا للاتجاهات الإحصائية المتعلقة بالزواج والطلاق مناطقيًّا وزمنيًّا في لبنان.

***

الرسم 1

تُظهر أعداد معاملات الزواج السنوية في لبنان تراجعًا مستمرًّا منذ أن بلغت حدها الأقصى عام 2011 حيث زادت عن 40 ألف معاملة في حينها. انخفض عدد المعاملات ليستقر بين 36 و37 ألفًا سنويًّا طيلة الفترة الممتدة من 2012 إلى 2018.

في العام 2019، تراجع عدد المعاملات إلى 34 ألفًا في مؤشر يدلُ على أن الأوضاع في لبنان ليست على ما يرام. صحيحٌ أن الأزمة تفجّرت في تشرين الأول/أكتوبر 2019، إلا أن انخفاض عدد المعاملات بين 2018 و2019 بما يزيد عن 2000 حالة زواج كان مؤشرًا على تراجع الإقبال على الزواج. وحين ندرك أن أكثرية الزيجات تتم في فصل الصيف، أي قبل تشرين الأول/أكتوبر 2019، نستنتج مدى دلالة هذا المؤشر في فهم ما كان مقبلًا على البلد.

استمر تراجع معاملات الزواج من حينها، ولم يعد للمستوى الذي كان عليه عام 2011 ولا للمستوى الذي كان عليه عام 2018. إلا أن السنة التي سجّلت أقل عددٍ من معاملات الزواج منذ عام 2009 ولغاية 2026 كانت 2024. هذا ما يدل على التأثير المباشر الذي يلعبه عدم الاستقرار والحرب الإسرائيلية على لبنان (منذ نهاية العام 2023 وطوال العام 2024) في وقف الزواج أو تأجيله. ولعل استخدام مصطلح التأجيل هو أكثر دقة في هذه الحالة، حيث عاد عدد حالات الزواج للارتفاع في العام 2025 ليفوق عدد ما كان يُسجّل منذ عام 2021، وليعوّض عن تأجيل الحالات من عام 2024. (الرسم 1)

سلكت معاملات الطلاق مسارًا عكسيًّا للزواج. ذلك أن حالات الطلاق المسجلة منذ عام 2009 ترتفع سنوياً وبشكل مستمر. ولم يسجل أي تراجع في الأعداد المسجّلة في سنة ما عن السنة السابقة لها إلا عام 2020 و2024؛ الحالة الأولى، كانت بسبب الإقفال والحجر الصحي وتوقُّف المعاملات الإدارية (ومنها معاملات الطلاق)؛ والثانية، كانت بسبب ظروف الحرب.

هكذا تُظهر معاملات الزواج تذبذبًا بين سنة وأخرى. إلا أن مسارها كان انحداريًّا خلال 16 عاماً.

معاملات الطلاق

الرسم 2

بالمقابل، كان مسار معاملات الطلاق أكثر ثباتًا، وباتجاه تصاعدي واضح. (راجع الرسم 2)

يختلف هذان المساران بين الأقضية اللبنانية، مع الاحتفاظ بميزة واحدة تقريبًا في الأقضية جميعاً، وهي اتجاه صاعد لعدد حالات الطلاق، واتجاه هابط لعدد حالات الزواج. إلا أن حدّة الصعود والهبوط ليست واحدة في الأقضية وهذا ما يعطي دلالة تساعد في فهم أفضل للخصوبة التفاضلية بين الأقضية.

لتوضيح هذه الاتجاهات، نقوم بتحليل معاملات الانحدار التي تشير إلى العلاقة بين التطوّر الزمني وعدد الحالات المسجّلة[3]. هكذا يتبيّن التفاوت في اتجاهات الزواج والطلاق. فالأقضية الأكثر تأثرًا بتراجع الزواج هي بيروت والشوف وعكار وبعلبك وصور، أما الأقل تأثراً فهي الهرمل (ازدياد الحالات) وجبيل وجزين والكورة والبترون.

وفي المقابل، فإن الأقضية الأكثر تأثرًا بزيادة الطلاق مع الوقت هي بنت جبيل والنبطية (تراجع الطلاق) والبترون وبشري والكورة. أما الأقل تأثراً بزيادة الطلاق فهي أقضية عكار وبعلبك وطرابلس وبيروت وصيدا. قد يبدو هذا الاتجاه منطقيًّا في لبنان، حيث تزداد اتجاهات الطلاق في الأقضية ذات الأكثرية المسلمة. ذلك أن معاملات الطلاق عند المسلمين تُعتبر “أسهل” منها عند المسيحيين. إلا أن هذا لا ينفي واقع الطلاق في الأقضية ذات الطابع المسيحي للسكان، مثل زحلة والمتن الشمالي وجبيل وزغرتا وجزين، إذ كلها تسجل اتجاهات طردية في زيادة حالاته. (الرسم 2)

معدلات الزواج والطلاق

يمكن إلقاء الضوء أكثر على هذا الواقع من خلال عرض معدلات الزواج والطلاق في الأقضية اللبنانية[4].

الرسم 3

تتأثر معدلات الزواج حسب الأقضية بعاملين أساسيين: الأول (المؤثر الأساسي) هو طابع الانتماء الديني في القضاء حيث ترتفع معدلات الزواج في الأقضية ذات الانتماء الإسلامي (الهرمل – مرجعيون – بنت جبيل…). أما العامل الثاني (المؤثر الثانوي) فهو متغير ريف/مدينة حيث ترتفع حالات الزواج في الأقضية (المتشابهة دينياً) ذات الطابع الريفي أكثر من الأقضية ذات الطابع المديني وهو ما نراه في بشري وجزين على سبيل المثال. أما بالنسبة للطلاق فالعوامل نفسها تؤثر في تفاوت المعدلات حيث ترتفع في الأقضية ذات الطابع المسلم أولاً ثم الأقضية ذات الطابع المديني ثانياً (عند الأقضية ذات الطابع الديني المتشابه). (الرسم 3)

إقرأ على موقع 180  من غرينلاند إلى الداخل الأميركي: بداية أفول الترامبية؟

وقد انتشر مؤخرًا في التعاطي اليومي اللبناني معتقد يشير إلى أن ربع الزيجات في لبنان تنتهي بالطلاق، وهو ما يشير إلى ارتفاع هذه الظاهرة في لبنان الذي لا يزال يتمتّع بنوع من المحافظة على التقاليد. ولا تزال فيه القيم المرتبطة بالعائلة تحمل تقديرًا واحترامًا عاليًا من اللبنانيين. لا يمكن اعتبار هذا المفهوم دقيقًا، إلا أنه ليس بعيدًا عن الصحة.

اعتمدت الإحصاءات التي أشارت إلى أن ربع أو حتى ثلث الزيجات في لبنان تنتهي بالطلاق إلى مقارنة بسيطة بين عدد حالات الزواج المسجّلة في سنة، وعدد حالات الطلاق المسجّلة في السنة نفسها. فإن أخذنا عدد حالات الزواج في لبنان لعام 2025 (32852) وقارناه بعدد حالات الطلاق المسجّلة في السنة نفسها (7823) لوجدنا أنها تبلغ 23% من حالات الزواج. من هنا أتى الرأي المذكور أعلاه. إلا أن هذا المعطى غير دقيق، لأن معظم حالات الطلاق المسجّلة لعام 2025 هي لحالات الزواج المسجلة قبل عام 2025، أي أن الـ 32 ألف حالة زواج لعام 2025 لم ينتج عنها 7823 حالة طلاق المسجلة عام 2025، بل الغالبية العظمى من الزيجات المسجلة عام 2025 لا تزال مستمرة ولم تنته.

وعليه، فإن هذا المعطى المتمثّل بقسمة حالات الطلاق الحالية من حالات الزواج الحالية لا يعدّ مؤشرًا دقيقًا. إلا أنه يعطي لمحة عن ازدياد حالات الطلاق مما يشكل ظاهرة قابلة للدراسة المتعمّقة. وفي هذا المجال، نعرض لنسب الطلاق من الزواج بين الأقضية كمؤشر مساعد في استشراف اتجاهات الزواجية (أنظر الرسم الأخير).

من البديهي أن تكون أقل نسب الطلاق للزواج موجودة في الأقضية ذات الطابع المسيحي، والماروني تحديداً، وهذا بالفعل ما يتضح في أقضية بشري وزغرتا والبترون وكسروان، إذ فيها أقل نسب الطلاق للزواج. ثم يدخل العامل الثاني في التأثير على هذه النسب وهو الريف/المدينة حيث تنخفض النسب في الأقضية الريفية ذات الطابع المسلم مثل الهرمل وعكار. أما أعلى نسب فهي في بيروت وفي طرابلس والنبطية.

تكمن أهمية دراسة الزواجية في لبنان في تقديمها نوعين من الاستنتاجات؛ الأول، آني يعكس ما يظهر في الواقع من تراجع الإقبال على الزواج وتزايد حالات الطلاق، وذلك في الأغلبية العظمى للمناطق اللبنانية. إلا أن النوع الثاني من الاستنتاجات، وهو الأهم، يتعلق بانعكاس ما ظهر (في الاستنتاج الأول) على بنى السكان مناطقيًّا في لبنان حيث تساهم ظاهرة تراجع الزواج القائم (مع ارتفاع الطلاق وانخفاض الزواج يتراجع أعداد الأسر المبنية على الزواج)، وتأثير ذلك في تراجع الخصوبة، وهو ما سنتطرّق إليه في المقالات المقبلة.

[1]. يستخدم مصطلح الزواجية في الديموغرافيا للدلالة على كل ما يتعلق بالزواج (بدايته ونهايته) ودراسة اتجاهاته الحالية والسابقة والمستقبلية، بالإضافة إلى تأثيره على الخصوبة وبنى السكان.

[2]. الخصوبة الشرعية (Legitimate Fertility) تشير إلى الولادات داخل إطار الزواج، أما الخصوبة العامة (نميّزها هنا عن الكلية) فهي تشير إلى الولادات الكلية أي الناتجة عن زواج شرعي، بالإضافة إلى الولادات المسجلة خارج إطار الزواج الشرعي.

[3]. يستخدم “معامل الانحدار” ((r) Regression) لفهم العلاقة بين متغيّرين هما هنا السنة وعدد الحالات (الزواج أو الطلاق). اذا كانت قيمة المعامل 0 فهذا يعني أنه لا يوجد أي تغير، وأن القيم ثابتة مع الوقت. كلما ابتعدت القيمة عن 0 يشتد مقدار التغير: ارتفاع القيمة إيجابًا يعني اتجاهًا صاعدًا أي ارتفاعًا في عدد الحالات مع الوقت. وانخفاض القيمة سلبًا يعني تراجع عدد الحالات مع الوقت. هكذا، فإن معامل الانحدار في بيروت لحالات الزواج والذي يبلغ -84.62 يشير إلى تراجع حاد جدًّا في الزواج منذ عام 2009 إلى 2025 مقارنة بتراجع طفيف في قضاء جبيل مثلًا الذي سجّل -4.22. أما بالنسبة للطلاق، فإن قضاء عكار الذي سجّل معامل انحدار مقداره 30.07 يسجل أعلى تسارع في معدلات الطلاق مقارنة بقضاء البترون الذي يسجّل أدنى تسارع بمعامل انحدار 0.66 أو حتى بالنبطية التي تسجل اتجاهًا متراجعًا في عدد حالات الطلاق (معامل انحدار -1.85).

[4]. معدل الطلاق والزواج الخام هو عدد حالات الطلاق أو الزواج مقسومًا على عدد السكان. هو معطىً خام ولا يمكن تحليله منفردًا، ولكن يساعد في إعطاء لمحة عن واقع الزواجية في لبنان. في هذه الرسوم نعبّر عن معدل مركب للزواج أو الطلاق من خلال استخراج العدد المتوسط لمعاملات الزواج أو الطلاق بين 2012 و2024 وقسمتها على عدد السكان في أول عام 2019 (الذي يشكل هنا منتصف الفترة بين 2012 و2024).

Print Friendly, PDF & Email
شوقي عطيه

باحث متخصص بالديموغرافيا وأستاذ جامعي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "حزب الله" في موسكو.. الصورة أولاً