الجنوب اللبناني امتحان الدولة.. الأخير

تدخل المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المباشرة في واشنطن، هذا الأسبوع، جولتها الثالثة، على وقع خروقات واسعة لما تسمى "الهدنة المؤقتة"، وكذلك في ظل استمرار التدمير والتهجير المنهجيَّين وتهديدات إسرائيلية بتوسيع العمليات البرية. وبذلك، لا تبدو الطاولة التفاوضية منفصلة عن الميدان، بل امتدادًا له بوسائل أخرى: يذهب لبنان إليها مثقلًا بملف وقف العدوان، والانسحاب، وعودة المهجّرين، وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار، فيما تدخلها إسرائيل من موقع القوة، واضعةً نزع سلاح المقاومة في صلب أي تفاوض مع لبنان.

أصبح الجنوب عنوان المأساة اللبنانية كلّها. فأهله لا يتابعون الحرب كخبر عاجل، بل يعيشونها حياةً يومية مفتوحة على النزوح. لم تعد الذاكرة وحدها ترافقهم، بل الحقيبة أيضًا: حقيبة صغيرة تختصر البيت، والوثائق، والثياب، وبعض الصور، وما بقي من رائحة المكان. كأنّ الجنوب كلّه صار معلّقًا بين قرية مهدّمة، وطريق نزوح، وبطولات وتضحيات أبنائه، وطاولة تفاوض لا يعرف أهلها إن كانت ستعيدهم إلى بيوتهم أم ستجعل من تضحياتهم ورقةً في يد الآخرين.

***

لم يعد الجنوب ينتظر وقف النار وحده. صار ينتظر المفاوضات الإيرانية–الأميركية، وينتظر المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية وربما نتائج القمة الأميركية الصينية وربما وربما..، وينتظر ما إذا كانت الدولة ستنجح في انتزاع وقف دائم لإطلاق النار، وما إذا كانت المقاومة ستتمكن من تثبيت معادلات ميدانية تمنع فرض الشروط الإسرائيلية. وبين انتظار وآخر، تمعن آلة الهدم الإسرائيلية في تفريغ القرى، وزيادة عدد النازحين، وتحويل الهدنة إلى برزخ ثقيل بين حدي الحرب أو الجحيم.

هذا الانتظار ليس زمنًا محايدًا، بل هو شكل آخر من أشكال الحرب. أن تعيش في نزوح دائم، وأن تسمع المسيّرات فوق رأسك من الصبح إلى آخر المساء، وأن ترى بيتك يتحوّل إلى خبر، وقريتك إلى إحداثية، وعودتك إلى وعد مؤجل، فذلك لا يمنحك شعورًا بالهدنة، بل يضعك في منطقة رمادية بين الحياة المعلّقة والموت البطيء.

وهنا ينهض السؤال الأخطر: ماذا لو طالت المفاوضات الإقليمية؟ ماذا لو تعطلت المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية تحت وطأة التعنّت الإسرائيلي؟ ماذا لو بقيت إسرائيل متمسكة بشروطها: لا انسحاب قبل نزع سلاح المقاومة، ولا وقف نار ثابتًا قبل ترتيبات أمنية تناسبها، ولا عودة كاملة للنازحين قبل فرض وقائع جديدة على الأرض؟ كيف يُمكن لدولة أن تفاوض تحت النار، وكيف يمكنها أن تطلب من بيئة تُقتل وتُهجّر وتُقتلع من أرضها أن تثق بضمانات أميركية لم تمنع الاحتلال، ولم توقف التدمير، ولم تحمِ القرى من أن تتحوّل إلى خرائط ركام؟

عندها لا يكون الخطر في فشل التفاوض وحده، بل في أن يتحوّل التفاوض نفسه إلى وسيلة استنزاف: إبقاء الجنوب معلّقًا بين الدمار والتهجير، وإبقاء لبنان كلّه تحت ابتزاز الوقت. فالسلطة تنتظر الخارج، والمقاومة تنتظر تبدّل الموازين، والناس ينتظرون بيتًا لم يعد بيتًا، وقرية لم تعد قابلة للسكن، وأمانًا لا يأتي.

***

هو الجنوب حكاية لا تنتهي. ما حدث بالأمس يعود إلينا اليوم، لا بالأسماء نفسها، وإنما بالوجع نفسه. كان الإمام السيد موسى الصدر يختصر معادلة الكيان اللبناني بعبارة بالغة الدلالة: لا يمكن أن يبتسم لبنان وجنوبه يتألّم. لم يكن الجنوب عنده هامشًا جغرافيًا ولا خاصرة طائفية، بل معيارًا لصدق الوطنية اللبنانية نفسها. فإذا كان الجنوب ينزف، فلبنان كلّه فاقد للتوازن، وإذا كانت قراه تُهدم وأهله يُهجّرون، فلا معنى لطمأنينة بقية المناطق إلا بوصفها طمأنينة مؤقتة ومخادعة.

بهذا المعنى، لا ينفصل المشهد الراهن عن ذاكرة السبعينيات. يومها كان موسى الصدر يواجه دولة تتعامل مع الجنوب كحدّ بعيد يمكن تأجيله، واليوم يعود السؤال نفسه بصيغة أشد قسوة: هل يمكن للبنان أن يفاوض على مستقبله بينما جزء من أرضه يُقصف، وجزء من شعبه يعيش في حقيبة نزوح دائمة؟ وهل يمكن أن تُبنى دولة قوية إذا بدأت من تجاهل ألم الذين يدفعون الكلفة الأكبر؟

***

يدفع الجنوب الثمن وثمة سلطة سياسية تقول إنها تتعرض لضغوط أميركية وعربية وأوروبية لدفع ملف سلاح المقاومة إلى واجهة المشهد، والدخول في تفاوض مباشر مع إسرائيل بوصفه الطريق الممكن لإيقاف الحرب وفتح باب المساعدات والإعمار. في المقابل، ترى المقاومة (وبيئتها) أنّها تدفع أثمانًا يومية، ولا تملك ترف الثقة بضمانات دولية أخفقت مرارًا في إلزام إسرائيل بالانسحاب أو وقف الاعتداءات.  لذلك يتشكّل مأزق شديد الخطورة: الرئاسة والحكومة تقدّمان التفاوض المباشر باعتباره الطريق الواقعي الوحيد لوقف الحرب، بينما ترى المقاومة أنّ الصمود وامتلاك عناصر الردع هما الضمانة الوحيدة لوقف العدوان وعودة المهجّرين وفتح باب الإعمار. وبين هذين المنطقين، لا يقف لبنان أمام خلاف سياسي عابر، بل أمام أزمة ثقة عميقة بين الدولة وجزء أساسي من مجتمعها.

***

اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982 تحت عناوين عديدة بينها إنهاء الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان وانتاج سلطة لبنانية موالية لها وإخراج الجيش السوري من بيروت وهزيمة الحركة الوطنية اللبنانية. لم تبدأ المفاوضات المباشرة، حينذاك، إلا تعبيراً عن اختلال كبير في ميزان القوى (خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، وصعود بشير الجميّل ومن ثم أمين الجميل إلى الرئاسة)، وهذا الاختلال بلغ ذروته بتوقيع إتفاق 17 أيار/مايو 1983، بوساطة أميركية. هذا الاتفاق، وبرغم قبوله رسميًا، لم يتحوّل إلى سلام مستقر بل سقط خلال أقل من سنة. سقط لأنّه جاء في ظل حراب الاحتلال، ومن دون إجماع وطني، وفي مواجهة واقع دولي وإقليمي متحرك (رفض حافظ الأسد للاتفاق ومجيء يوري أندروبوف رئيساً للاتحاد السوفياتي).

ليست العبرة هنا في رفض التفاوض من حيث المبدأ، بل في فهم شروطه. فالتفاوض تحت النار، ومن دون توافق داخلي، يحوّل الدولة من إطار جامع إلى أداة ضغط على فريق داخلي. وهذا ما جعل لحظة 1982–1983 قابلة للانفجار: فقد رُفع شعار الدولة القوية، لكن في ظل غلبة خارجية، وميزان داخلي مختل، وفائض قوة حاول أن يفرض نفسه باسم الشرعية.

أما اللحظة الراهنة، فتختلف في حاملها السياسي والمؤسساتي. فالرئيس جوزاف عون آتٍ من المؤسسة العسكرية لا من ميليشيا، ولا يملك حزبًا مسلحًا، ولا يقوم مشروعه المعلن على تحالف عضوي مع إسرائيل، بل على ترميم الدولة من داخل مؤسساتها. لكن نقطة الالتقاء مع لحظة 1982–1983 تكمن في الظرف: اختلال في ميزان القوى، وضغط خارجي كثيف، وعدوان إسرائيلي مستمر، وشعار الدولة القوية وحصرية السلاح.

هنا يكمن الامتحان الحقيقي، فقد يضيع الفارق بين اللحظتين إذا شعرت بيئة المقاومة أنّ الدولة تتحرك تحت ضغط أميركي–إسرائيلي، لا من داخل تسوية وطنية جديدة. عندها لن يُقرأ مطلب حصرية السلاح بوصفه مدخلًا لبناء الدولة، بل بوصفه نسخة ناعمة من منطق 1982–1983: استخدام الضغط الخارجي لإعادة تشكيل الداخل اللبناني.. وهذا ما أدى إلى انفجار الواقع اللبناني.

***

ليست آلام الجنوبيين تفصيلًا وطنيًا هامشيًا، ولا شأنًا مناطقيًا يمكن تأجيله إلى ما بعد التفاوض. إنّ استمرارها سيضرب لبنان كلّه: سلمه الأهلي، ووحدة مؤسساته، واقتصاده، وما تبقى من الثقة بين الدولة ومجتمعها. فالدولة التي تريد استعادة قرارها لا تستطيع أن تبدأ من كسر جزء من شعبها، ولا من مطالبة المنكوبين بالصمت، ولا من تحويل وجعهم إلى بند مؤجل على جدول أعمال المفاوضات.

لقد أثبت التاريخ اللبناني أنّ الخارج يستطيع صناعة لحظة ضغط، لكنه لا يستطيع صناعة شرعية داخلية دائمة. وأثبت أيضًا أنّ أي مشروع دولة لا يمر عبر العدالة الوطنية والتوافق الداخلي سيبقى هشًا، ولو امتلك اعتراف الخارج ودعمه.

من هنا، لا يكون السؤال الحقيقي: هل يفاوض لبنان أم لا؟ بل: بأي شروط يفاوض؟ ومن يفاوض؟ وباسم أي إجماع؟ وعلى قاعدة أي حماية للناس والأرض والعودة والإعمار؟

نعم، لبنان لا يستطيع أن يبني دولة قوية فوق ركام الجنوب، ولا أن يصنع سلامًا بينما جزء من شعبه يعيش في حقيبة نزوح. والدولة التي لا تعيد الجنوب إلى قلبها، ستكتشف متأخرة أنّ الجنوب ليس طرف الوطن، بل امتحانه الأخير.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  "الدولار الجمركي" بين المخاوف المشروعة والموارد المطلوبة
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  هذه قرارات الحكومة لإستعادة المال المنهوب.. وهذه قصة "الإستقالة"؟