ثم جاء ذلك اليوم العادي في مدرسة بوسط ألمانيا، حيث كان ميرتس يحاول أن يشرح لمجموعة من التلاميذ أهمية السياسات الأوروبية. كان الجو هادئاً، ووجوه التلامذة البريئة تنظر إليه بفضول أكثر من الاهتمام، وفجأة انحرف الحديث إلى الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران. هنا، بدأ المستشار الألماني يشبه أستاذاً جامعياً يحلل درساً، فأشاد بقدرة الإيرانيين على التفاوض، وقال إنهم “بارعون جداً في التفاوض، أو بالأحرى في عدم التفاوض”، مستشهداً بجولة إسلام آباد التي لم تُسفر عن شيء. ثم انتقد دخول الحرب دون استراتيجية واضحة، واستحضر أخطاء العراق وأفغانستان، وإذ به يطلق قنبلته الصوتية قائلاً إن “أمةً بأكملها تتعرض للإذلال على يد القيادة الإيرانية”. لم يقل ميرتس إن هذه الأمة هي الولايات المتحدة، لكن قاعة الدرس المدرسية كانت تعرف أنه يقصدها، وسرعان ما عرفت واشنطن أيضاً.
لم يمضِ وقت طويل حتى خرج ترامب بتغريدة لاذعة قال فيها إن على ميرتس “أن يقضي وقتاً أطول في إصلاح بلاده الممزقة، ووقتاً أقل في التدخل في شؤون أولئك الذين يقضون على التهديد النووي الإيراني”. لكن الغضب الأميركي لم يقف عند حدود التغريدات، بل تجاوزها إلى فعل ملموس: خطة أميركية مفاجئة لسحب خمسة آلاف جندي من ألمانيا. ثم خرج ترامب نفسه ليؤكد أن هذه مجرد بداية، وأنه قد يدرس سحب قواته أيضاً من إسبانيا وإيطاليا. هكذا، وبين عشية وضحاها، تحول خلاف بدا شخصياً إلى أزمة استراتيجية تهدد العلاقة بين واشنطن وبرلين، بل وتمتد آثارها إلى أوروبا بأسرها.
حفظ ماء الوجه
قبل أن نسترسل في وصف ما جرى، ربما ينبغي أن نتوقف لحظة لنتذكر لماذا يهتز الغرب كله عندما يهتز هذا التحالف بالذات. الولايات المتحدة هي القوة العظمى في “الناتو” وفي العالم، بلا جدال، لكن ألمانيا ليست مجرد دولة عابرة تستضيف جنوداً أميركيين. إنها صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا، وثاني أكبر عدد سكان في القارة بعد روسيا، وموقعها في قلب أوروبا يجعل منها منصة لا غنى عنها لأي قوة تريد أن يكون لها حضور في الشرق أو الغرب. ولهذا، فإن القواعد الأميركية في ألمانيا ليست مجرد ثكنات عسكرية؛ ففي رامشتاين، قرب كايزرسلاوترن، توجد أكبر قاعدة جوية أميركية خارج الحدود، وفي شتوتغارت يدير البنتاغون قيادته الأوروبية والقيادة الأفريقية، وفي فيسبادن يتخذ الجيش الأميركي مقراً له. أكثر من خمسة وثلاثين ألف جندي، وأكبر مستشفى عسكري خارج أميركا، وشبكة من المراكز اللوجستية التي لا يمكن نقلها ببساطة. لذا، عندما يهدد ترامب بسحب القوات، فإنه لا يهدد ألمانيا فقط، بل يهدد معها أوروبا، بل ويهدد قدرة أميركا نفسها على إدارة عملياتها في جزأين من العالم.
في برلين، بدا المسؤولون الألمان وهم يحاولون استيعاب الصدمة بهدوء متكلّف. فخرج وزير الدفاع بوريس بيستوريوس ليقول إن ألمانيا تسير على الطريق الصحيح، وإن ما حدث ينبغي أن يحفّز الأوروبيين على تعزيز دفاعاتهم. وتلاه وزير الخارجية يوهان فاديفول، معلناً أن بلاده ترغب في “الدخول في مشاورات مكثفة” مع الجانب الأميركي، بقصد فهم طبيعة القرار. أما المستشار ميرتس نفسه، فحرص على تهدئة الأجواء، مؤكداً أن علاقته بترامب لا تزال جيدة برغم الخلاف بينهما، لكنه سرعان ما عاد فعبّر عن قلقه من التبعات الاقتصادية للحرب على إيران، وكذلك من الرسوم الجمركية المرتفعة التي يعتزم ترامب فرضها على السيارات الأوروبية. كان واضحاً أن الرجل يحاول التراجع دون أن يظهر بمظهر المتراجع، ويحفظ ماء وجهه من دون أن يفقد التحالف.
غير أن أكثر ما كان لافتاً للانتباه في هذه الأزمة هو رد الفعل الداخلي في واشنطن نفسها. فقد عبّر اثنان من كبار المشرعين الجمهوريين، السيناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز، عن قلقهما الشديد من قرار سحب القوات. قالا في بيان مشترك إن “تقليص الوجود الأميركي المتقدم في أوروبا قبل الأوان، وقبل استغلال تلك القدرات على نحو كامل، ينذر بتقويض الردع، ويرسل إشارة خاطئة إلى بوتين”. وأشارا إلى أن ألمانيا استجابت لنداءات ترامب السابقة بزيادة الإنفاق الدفاعي وتوفير وصول سلس للقوات الأميركية، وهذا يعني أن العقاب ليس له ما يبرره من وجهة نظرهما. وبينما يرى ترامب في العلاقات الدولية صفقة تجارية فيها رابح وخاسر، يرى محافظون مثله أن القوة الأميركية تمتد بحضورها وليس بسحبها، وأن قواعد مثل رامشتاين هي رافعة نفوذ لا تكلفة.
زعيمان ضعيفان
ولعل أكثر ما يثير الحيرة في هذه القصة هو التناقضات التي يفيض بها موقف ميرتس نفسه. فقبل أقل من عام، كان يجلس أمام شاشة قناة “زي دي إف” ليعلن تأييده للحرب على إيران، ويقول بكل برود إنه “ممتن لأن إسرائيل تقوم بأعمال قذرة نيابة عنا جميعاً”، مضيفاً أن إيران كانت وراء هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، واصفاً إياها بأنها “جلبت الموت والدمار إلى العالم”. فكيف يمكن لرجل أن يؤيد الحرب التي يخوضها حليفه قبل عام، ثم ينتقد استراتيجية هذا الحليف نفسه في الحرب في عام آخر؟ الإجابة ربما تكمن في أن ميرتس لم يغيّر رأيه بقدر ما شعر أن ترامب تجاوز الحدود التي يمكنه قبولها. لكن هذا التفسير لا يبرر كونه ينتقد الآن ما كان يؤيده قبل أشهر، بل يُظهر أن المستشار الألماني، الذي كان يوماً قاضياً، قد يكون مثل خصمه في شيء واحد، الميل إلى القول دون تمحيص كافٍ.
الصحافة الألمانية، التي عادة ما تكون وفيرة التحليل، بدت هذه المرة حائرة. صحيفة “فرانكفورتر ألغماينه” المحافظة كتبت أنه مهما كانت أسباب هذا التصعيد، فإن على الطرفين التحلي بالواقعية، لأن العلاقات عبر الأطلسي تشهد تغيراً جذرياً بعيداً عن أي شراكة تقليدية. أما “هاندلسبلات” الليبرالية فاختارت النظر إلى الشبه بين الرجلين، معتبرة أن كلاً من ترامب وميرتس ضعيفان سياسياً هذه الأيام، الأول يخشى خسارة حزبه للانتخابات النصفية في الخريف، والثاني يرأس ائتلافاً مثقلاً بالنزاعات وقد يسقط قبل حلول الخريف، بينما يقترب حزب “البديل” اليميني من نسبة ثلاثين في المئة في استطلاعات الرأي. ومع ذلك، تستبعد الصحيفة حدوث قطيعة حقيقية، وتخلص إلى صيغة وسط مفادها أن “علينا أن نثبت أن الولايات المتحدة تحتاج إلينا ونحن نحتاج إليها، ولكن بدرجة أقل”.
أما “زود دويتشه” اليسارية، فكانت أكثر حدة، إذ رأت أن ميرتس يتباهى بأن شخصيته تفرض عليه قول ما يراه صحيحاً حتى لو أثار الرأي العام، غير أن هذا الأسلوب لا يبدو حكيماً عند التعامل مع رئيس نرجسي تعتمد ألمانيا على دعم بلاده بشكل كبير. وذهبت إلى أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على ترامب، الذي يميل إلى معاملة الحلفاء كتابعين له، ويبحث باستمرار عن أدلة تدعم شكوكه بأن الأوروبيين يستفيدون من العلاقة دون مقابل.
المانيا تقتنص اللحظة
في خضم هذه التطورات، يظل السؤال الأكبر هو ما إذا كانت ألمانيا، أو أوروبا عموماً، مستعدة لتحمل مسؤولية دفاعها بنفسها. فقد كشف وزير الدفاع الألماني مؤخراً عن نسخة معدلة من الاستراتيجية العسكرية تستهدف رفع عدد الجنود إلى نصف مليون، في ظل التحذير من خطر روسي محتمل في السنوات المقبلة. وتشير “وول ستريت جورنال” إلى أن ألمانيا كثّفت إنفاقها العسكري وسارعت وتيرة عمليات الشراء بهدف أن تصبح أكبر قوة عسكرية تقليدية في أوروبا بحلول عام 2029. لكن المحللين العسكريين يؤكدون أن برلين ما تزال بعيدة عن تحقيق هذا الهدف، وأن الخلاف بين ميرتس وترامب كان بمثابة تذكير قاسٍ بمدى إلحاح هذا المسعى.
ويقول تيفيك أوزكان، رئيس حزب “دافا” الألماني، في حديث لمراسل إحدى الفضائيات، إن سحب القوات الأميركية سيكون “منعطفاً تاريخياً”، إذ ستضطر ألمانيا لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، إلى أن تتعلم كيف تحمي نفسها. ويضيف أن أوروبا يجب أن تتقارب أكثر، وأن تنظر إلى روسيا كشريك لا كعدو، وأن تكثف تعاونها العسكري والاقتصادي مع تركيا. أفكار كهذه كانت قبل سنوات تُعدّ هرطقة في برلين، لكنها اليوم تجد آذاناً صاغية.
هنا، لا بد من الإشارة إلى أن ميرتس ليس أول مستشار ألماني يصطدم بترامب. فأنغيلا ميركل، المرأة التي قادت ألمانيا لستة عشر عاماً، كانت علاقتهما متوترة حتى قبل أن يصبح رئيساً. وعندما اختيرت “شخصية العام” لمجلة “تايم” عام 2015، غرّد ترامب قائلاً: “لقد أخبرتكم أن مجلة “تايم” الأميركية لن تختارني شخصية العام برغم أنني المرشح الأوفر حظاً. لقد اختاروا شخصاً يُدمّر ألمانيا”. لكن ميركل نجحت في تجاوز تلك الفترة، وتقاعدت قبل عودة الرجل إلى البيت الأبيض. أما ميرتس، فسيكون مضطراً للتعامل معه لفترة طويلة إذا أُعيد انتخابه، وهذا يعني أن الخلاف الحالي قد لا يكون سوى الحلقة الأولى من مسلسل طويل.
ربما يكون من المبكر الحكم على ما إذا كانت هذه الأزمة ستمضي إلى نهايتها، أو ما إذا كانت أوروبا ستجد في نفسها القوة لتجاوزها. لكن المؤكد أن العلاقة عبر الأطلسي لن تعود كما كانت. ليس لأن أحداً أراد ذلك، بل لأن الرجلين اللذين يقودان ضفتي الأطلسي اليوم، كلٌّ منهما بطريقته، يعيدان كتابة القواعد القديمة دون أن يعلنا ذلك. ميرتس، الذي نسي أن التلاميذ الذين كان يتحدث إليهم ليسوا قضاة، وترامب، الذي يرى في كل خلاف تهديداً لرجولته السياسية، لم يكن ليكونا الخصمين المثاليين في مسرحية كان يمكن أن تكون أكثر هدوءاً. لكنهما أصبحا كذلك، وعلى بقية العالم أن يستعد لمشاهدة الفصل التالي.
