كيف أُبعِدَ الجيل العربي الجديد عن.. السياسة؟

يحاول هذا المقال سبر أغوار الفجوة الكبيرة بين المواطنين العرب والعمل السياسي، في محاولة لتبيان أسباب هذا الانسلاخ. والفعل السياسي هنا لا يعني مجرد إبداء الرأي، بل المشاركة الفعلية عبر الانتساب إلى أحزاب وتنظيمات سياسية، كما يشمل النضال دفاعًا عن القضية الفلسطينية باعتبارها شأنًا سياسيًا عربيًا جامعًا.

أولًا: الجيل العربي الجديد، وإن لم يتلمّس آثار هزيمتي 1948 و1967 بشكل مباشر، فإنه معنيّ بهما، وقد شكّلتا، على الأرجح، لجيل أهله صدمة معنوية كبيرة. وثمة احتمال قوي بأن يكون اليأس من التغيير قد انتقل من جيل الآباء إلى الأبناء، ما أبعدهم عن الانخراط في الشأن السياسي العام. ويزداد هذا الاحتمال في حالات تحولت فيها الأحزاب السياسية إلى ميليشيات، كما حال أحزاب لبنان في حقبة الحرب الأهلية، الأمر الذي جعل فئة من الشباب العرب تتملكهم “فوبيا” الانخراط في الشأن العام. أما في ما يخص العمل السياسي المواكب للقضية الفلسطينية، فإن تطبيع عدد لا يُستهان به من الدول العربية مع الكيان الإسرائيلي ساهم في إبعاد شرائح اجتماعية عديدة عن الانخراط في أنشطة تضامنية مع فلسطين، حتى ولو ارتدت طابعًا رمزيًا.

ثانيًا: قمعت معظم الأنظمة العربية حرية الرأي والتعبير، ومارست تضييقًا على حرية العمل السياسي. وإذا كان هذا العامل أساسيًا لفهم منطلقات الانتفاضات العربية، فإن التغيير السياسي الذي حصل بعد هذه الانتفاضات لم يؤدِّ، هو الآخر، إلى تحسين واقع حرية الرأي والتعبير، بل ازداد الوضع سوءًا في بعض الحالات. وما يزال آلاف السجناء السياسيين من ناشطين وصحفيين ومدونين موجودين في العديد من السجون العربية بحجج تتعلق بتهديد الأمن القومي أو الإساءة إلى سمعة الدولة الوطنية إلخ..

ثالثًا: تعاني معظم المجتمعات العربية من أزمات اجتماعية واقتصادية مزمنة، كارتفاع معدلات الفقر والبطالة وانعدام الضمانات الاجتماعية والصحية، ما ينعكس سلبًا على أحوال المواطنين العرب وأولوياتهم. وعندئذ، يصبح همّ المواطنين تأمين قوت يومهم، وبخاصة إذا كانوا ضمن أسر تضم عدة أفراد. ذلك أن النضال السياسي يحتاج إلى تكريس وقت وأثمان، والوقت هنا سلعة أيضًا سلبتها المنظومة الرأسمالية العالمية، حين جعلت شعوب العالم تلهث وراء تأمين لقمة العيش، فغدا الوقت عاملًا مسروقًا من حياتنا، كما الكرامة والعدالة الاجتماعية.

رابعًا: بعد انهيار المنظومة الاشتراكية، تمكنت الماكينة الرأسمالية العالمية، بشبكاتها الإعلامية والدعائية، من فرض سطوة النمط الاستهلاكي. وانتقل هذا النمط إلى المجال العام، محولًا الشعوب العربية، إلى جمهور كبير يتلقى ولا ينتج، وما يتلقاه هو، في الأغلب، مواد تهدف إلى الهيمنة على وعيه الفكري والتأثير على منطلقاته الإيديولوجية لتكريس ثقافة الاستهلاك والابتعاد عن الانخراط في القضايا الكبرى. إن بيع ثقافة الوهم، وتسليع القضايا، وتشييء الترفيه، وسلخ المعرفة، أمور تكفلت بها الفضائيات العربية التي اختصت بالتسلية والترفيه، وانتشرت كالفطريات بدءًا من أواسط التسعينيات، قبل أن تفرض وسائل التواصل الاجتماعي، في السنوات الأخيرة، سطوتها على الرأي العام العالمي والعربي. وواهم من يعتقد أن هذا حصل بالصدفة، بل كان ضمن سياسة ممنهجة لإبعاد المواطن العربي عن التأثير في الشأن العام. تصوّر أن أحد الشباب قد يطلق وصف “مجنون” على صديقه إذا اقترح الأخير نشاطًا تضامنيًا مع القضية الفلسطينية!

خامسًا: كجزء أساسي من إخلاء أحزاب ومنظمات اليسار العربي ميادين العمل الطلابي والنقابي، استطاعت المنظمات غير الحكومية ملء هذا الفراغ.. فعقب انهيار المنظومة الاشتراكية، برزت مقولات تفيد بعدم جدوى النضال ضمن الأطر الحزبية التقليدية، بل ضمن منظمات غير حكومية. وهذه الأخيرة تمتلك أجندات ليبرالية استطاعت عبرها استقطاب (وتوظيف) جيشاً من المواطنين العرب. وعملت هذه المنظمات على تحويل قضايا الشأن العام إلى قضايا فردية، ورسخت في أذهان العامة ثقافة الحقوق الفردية. كما أصبح النضال مهمة مدفوعة الأجر، وأُلغي مفهوم التطوع في المجتمع، هذا فضلًا عن تجزئة العمل في الحقل العام إلى قضايا تخص فئات مجتمعية معينة، كالشباب والنساء وذوي الإعاقة، من دون إيجاد الرابط السياسي في كيفية وصول هذه الفئات إلى ما وصلت إليه من سلب لحقوقها.

كذلك، عمدت هذه المنظمات إلى تقديم ورش عمل جذابة لموظفيها عن التشبيك والمناصرة والمدافعة، ما مكّنهم من امتلاك خبرات تقنية ولوجستية في تأسيس وتطوير حملات حول قضايا تمس السياسة العامة، ولكن بأدوات لا سياسية (apolitical). وهذا وهم آخر رسخته الليبرالية الحديثة، وكأنك تستطيع خوض السياسة من دون أدواتها. وقد أدت كل هذه الأمور إلى “أنجزة” العمل السياسي (NGOisation of politics) في منطقتنا، وتحويل المطالب الاقتصادية والاجتماعية إلى حقل اختصاص لمنظمات غير حكومية.

سادسًا: تنتشر في مجتمعاتنا العربية ثقافة الخلاص الفردي، وهذا أمر منافٍ للمنطق والحقيقة. فإذا كان الجميع يعاني من تبعات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، فإن ذلك يستوجب البحث عن بدائل جماعية لهذه الأزمات. غير أن بعض المجتمعات العربية باتت تختصر الحلول بحلول ترقيعية فردية وبسيطة تحل محل الحلول الجماعية التي يمكن أن تنشأ من خلال الانخراط في النضال السياسي. لقد رسخ المؤثرون وما يسمى “مدربو الحياة” أساليب التفوق والتميز الفردي تحت مسميات خادعة وشعارات براقة كالـ entrepreneurship. وهذه الفئة تعظ العالم، غالبًا بأسلوب فوقي، حول كيفية عيش الحياة برفاهية. وهنا ننزلق إلى معضلة أخرى؛ فبحسب هؤلاء “المؤثرين”، فإن عيش الحياة بسعادة مطلقة يستوجب الاهتمام المطلق بالنفس.. غير أن هذا التفكير الاستعلائي، المفرط في فردانيته، (دون التقليل من أهمية بناء الذات وتطويرها) يقوم على سلخ الشأن العام عن الشأن الخاص، ليتحول المواطنون إلى فقاعات ذاتية تنمو وتتكاثر في ظل الواقع السائد. والحقيقة أن تحقيق أي تقدم شخصي يستحيل من دون تحقيق تقدم مجتمعي عام، والأخير لا يتحقق إلا بتغيير سياسي، وهذا التغيير لا يُنجز إلا ضمن إطار سياسي. فمن قلب المعادلة إذًا؟

إقرأ على موقع 180  أيُّ نتائج لم تكن بحسبان "إسرائيل" في عدوانها على قطر؟

سابعًا: عرفت دول المنطقة العربية، وبخاصة بعد نيل استقلالها الوطني، تجارب حزبية وسياسية أثرت المجال العام، كتيارات القومية العربية والقومية السورية والإسلام السياسي وتيارات اليسار المتعددة. وبغض النظر عن تقييمنا لهذه التجارب، إلا أنه من نافل القول إنها أثْرت وأثّرت في الحياة السياسية العربية وتركت إرثًا نضاليًا. بيد أن هذه التيارات أصابتها الشيخوخة، ولم تستطع تجديد خطابها وأدوات عملها، ما جعل الشارع العربي، ولاسيما فئة الشباب، تبتعد عنها. أضف إلى ذلك أن حالة الاستسلام واليأس والخمول الفكري والكسل المعرفي التي تسربت إلى عدد وافر من النخب العربية أدت إلى فجوة كبيرة بين النخب المثقفة من جهة والجماهير العربية من جهة أخرى، ما خلق تصحرًا فكريًا وسياسيًا لا تزال آثاره ماثلة حتى اليوم. وهو ما يفسر بوضوح لماذا لم ينتظم الشارع العربي في حراك تضامني واسع مع غزة طوال حرب الإبادة الجماعية، مقارنة بضخامة التظاهرات التي شهدتها الدول الغربية.

ثامنًا: أدت هجرة عشرات آلاف المواطنين العرب خارج بلدانهم إلى ابتعادهم عن المجال السياسي العام. صحيح أن مواطني بعض الدول العربية يُسمح لهم بالاقتراع في بلدان الاغتراب، إلا أن هذا الشكل من المشاركة يبقى رمزيًا، إذ جرى تغييب المشاركة في جوانب أخرى من عملية صنع القرار السياسي، وعلى رأسها التواجد الجسدي المباشر بما يوفره من فرصة للاحتكاك والعمل والانخراط في النشاطات الاجتماعية. ثم إن الشباب يشكلون قسمًا كبيرًا من الكتلة العربية المهاجرة، وهم، في الوقت نفسه، دينامو التغيير السياسي، إذ تشير دراسات عديدة إلى أن الشباب أكثر حماسة للتغيير. لكن هجرتهم إلى الخارج أخرجتهم من سوق العمل المحلي ومن التأثير في المجال العام. وهنا تتجلى الخطورة، إذ يصبح همّ الشباب، في هذه الحالة، تأمين الاستقرار المهني والمادي في البلدان التي يقيمون فيها، بعدما كان انعدام الاستقرار في مجتمعاتهم الأصلية السبب الرئيس في دفعهم إلى الهجرة.

في المحصلة، تتداخل عوامل القمع والخوف والأزمات الاقتصادية والثقافة الاستهلاكية والفردانية وتراجع الأحزاب السياسية في تفسير عزوف المواطن العربي عن المشاركة السياسية. غير أن التغيير الذي ينشده الجميع يبقى تغييرًا سياسيًا بالضرورة، ويستحيل تحقيقه من دون انخراط المواطنين في تنظيمات وأطر سياسية قادرة على إنتاج فعل جماعي منظم.. وهذا بحث آخر.

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  أيُّ نتائج لم تكن بحسبان "إسرائيل" في عدوانها على قطر؟