غسان الرفاعي “اللبناني”.. عصمت جاويد أدهم “العراقي”

رحل إلى الرفيق الأعلى المناضل الشيوعي اللبناني - العراقي غسان الرفاعي عن عمر ناهز اﻟ 100 عام، فقد وُلد كما يقول، حسب وثيقة رسمية، في الأول من كانون الثاني/يناير 1926، وتشير وثيقة أخرى إلى أنه ولد في الأول من تموز/يوليو 1928، لكنه يميل إلى ما دوّنه والده في صفحة داخلية لقاموس ويبستر، وبخط يده، أن ميلاده كان يوم 20 كانون الأول/ديسمبر 1929.

ليست مفارقة تاريخ الميلاد هي الوحيدة في حياته، فهذا العراقي عاش في لبنان منذ العام 1948 ولحين وفاته في 19 أيار/ مايو 2026، أي ما يقارب ثمانية عقود من الزمن، وظلّ مختفيًا عن الأنظار لأكثر من عقدين من الزمن وعمل في الظل لعقود أخرى، وخلالها حمل وثائق متعدّدة رسمية وغير رسمية، لبنانية وعراقية وسورية وأردنية ويمنية وجزائرية، وهذه مفارقة ثانية.

كويسنجق

ولعلّ الكثيرين لا يعرفون أصوله العراقية، فقد وُلد في مدينة كويسنجق التي تقع بين مدينتي السليمانية وأربيل في كردستان العراق، والتي ينحدر منها العديد من القيادات العراقية، فثمة رئيسان للجمهورية منها، وهما جلال الطالباني وفؤاد معصوم، وقياديان شيوعيان مخضرمان، هما بهاء الدين نوري وكريم أحمد، ومنها أيضًا جوهر نامق رئيس برلمان إقليم كردستان، علمًا بأن عائلته كانت تقيم في بغداد عند ولادته، ولم ير مسقط رأسه إلّا بعد مرور 40 عامًا على ميلاده، وتلك مفارقة ثالثة.

التحق بالمدرسة الابتدائية في مدينة كركوك، حين نُقل والده إلى مصلحة الري فيها، بعد أن كان موظفًا في وزارة العدل، وهكذا اختلطت بيئته بين العرب والكرد والتركمان وبين المسلمين والمسيحيين، ثم أكمل دراسته الإعدادية في بغداد في مدرسة التفيّض الأهلية في العام 1947، وكانت تلك الأجواء، التي تتّسم بالتنوّع، النواة الأولى والتجربة الجنينية لإيمانه بالتعدّدية وقبول الآخر.

والمفارقة الرابعة، هي أن غسان الرفاعي عاش باسمه اللبناني الذي عُرف به، لكن اسمه العراقي الأصلي، عصمت جاويد إبراهيم أدهم، ظلّ يعيش معه أيضًا، وعاد واستذكره وكتبه، ربما لأول مرّة في حياته الطويلة، حين دوّن مذكراته، التي يقول فيها: كان جدّه لوالده ضابطًا في الجيش العثماني، وقد استقال منه حين تأسست المملكة العراقية في العام 1921، وهو ينحدر من بلدة كويسنجق التي وُلد فيها، وهو ما يؤكّد كرديته العراقية.

جيل الأحلام

هبة 1948، بغداد

بدأ غسان نشاطه السياسي في العراق في كركوك في خريف العام 1946، ثم انتمى إلى الحزب الشيوعي العراقي، ونسّبه هذا الأخير إلى “حزب التحرّر الوطني“، واجهة الحزب العلنية بعد الحرب العالمية الثانية، والذي كان يديره الشهيد حسين الشبيبي، الذي أعدم يوم 14 شباط/فبراير 1949 مع قائد الحزب فهد (يوسف سلمان يوسف) وزكي بسيم ويهودا صدّيق.

عاش غسان حالمًا، وإن لم يختر دور البطل، كانت البطولة جزءًا من حياته المتخيّلة “الواقعية”، التي هي أقرب إلى أفلام شارلوك هولمز، خصوصًا حين اضطرّ إلى العمل السرّي وبأسماء مستعارة، مغيّرًا عشرات الهويّات وأماكن السكن، وكما يقول تحوّلت من هاوٍ إلى مناضل محترف، وسيصبح فيما بعد محترفًا بالعمل السري والأوكار الحزبية وطرق التخفّي والإفلات من قبضة البوليس.

ومن يقرأ مذكراته الموسومة “التحولات السياسية: سبعون عامًا من أجل التغيير” الغنيّة والممتعة والزاخرة بالأفكار، سيكتشف العديد من الدروس والعبر، إضافة إلى مفارقات أخرى لحياته التي أعطاها معنى ودلالة، وكان قد أهداني إياها في آخر زيارة له بصحبة الرفيق يوسف مرتضى، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني سابقًا، وكتب في صدرها إهداءً رقيقًا جاء فيه “إلى الرفيق المفكّر المنفتح الدكتور حسين شعبان، مع التقدير والاعتزاز”، كما أرسل معي إلى العراق بضعة نُسخ إلى عدد من الرفاق والمسؤولين الكرد.

وبالمناسبة تقع مذكراته في أكثر من 1000 صفحة من القطع الكبير، موزعة على جزئين، اختلط فيها ما هو شخصي بما هو عام، في إطار هارموني متناسق ومتفاعل، وصدرت عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – الفاربي (بيروت، 2024)

موسكو والعلاقة الشخصية

تعرّفت على غسان قبل أن ألتقيه، وذلك بعد استشهاد شقيقه فكرت جاويد في العراق في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وكان نوري عبد الرزّاق قد ردّد اسمه أكثر من مرّة أمامي، إضافة إلى كريم مروّة الذي كان يقول لي باستمرار أنه تربيتكم، ويقصد العراق. وقد التقيته لأول مرّة في موسكو وقضينا نحو شهرين في المستشفى (مطلع العام 1984)، حيث كنّا ضيوفًا على السوفييت للعلاج، وخلال الشهرين المذكورين قلّبت معه العديد من الأمور والقضايا، من السياسة إلى الثقافة فالأدب والفن والشعر، فقد كان محبًا لشعر محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السيّاب.

وكان أول سؤال طرحه عليّ عن أحداث بشتاشان الدامية، تلك المجزرة الرهيبة التي استشهد فيها ما يزيد عن 70 شيوعيًا (أيار/مايو 1983)، خصوصًا أنه عرف أنني أحد الناجين منها، وقد رويت له ذلك كشاهد عيان، وعلى نحو موضوعي، وكم تألّم وأصيب بالوجوم وهو يستمع إليّ، وقد سألني: هل ثمة خيار آخر، لا أقول بديلًا بل تعديلًا؟ وباللهجة اللبنانية “لوين رايحين؟”، شرحت له التعقيدات العامة والخاصة، بما فيها الداخلية، فازداد حزنًا.

بدوري، سألته عن أصوله العراقية، وكيف انتقل إلى لبنان، فأشار بأنه جاء للدراسة في الجامعة الأميركية في بيروت، فرع الهندسة المعمارية، حيث كان متفوقًا في الرياضيات والهندسة والجبر والفيزياء في دراسته الثانوية، وحين وصل إلى بيروت اعتُبر حلقة وصل بين الشيوعيين العراقيين والشيوعيين السوريين – اللبنانيين، وكان محل إقامته أشبه بمحطة اتصال وبريد ومراسلة، وبسبب تعقدّ الأوضاع في العراق انتسب إلى الحزب الشيوعي اللبناني بعد إعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي، ومنذ ذلك التاريخ ظلّ لصيقًا بالحركة الشيوعية اللبنانية، وقد عمل في ثلاثة أحزاب شيوعية: العراقي، السوري – اللبناني واللبناني فيما بعد، وتلك مفارقة خامسة.

الجدير بالذكر أن العلاقات بين الأحزاب الشيوعية في المنطقة كانت وثيقة، فعبد القادر إسماعيل، القيادي الشيوعي العراقي، وبعد إسقاط الجنسية عنه في أواخر الثلاثينيات وحتى ثورة 14 تموز/يوليو العام 1958، عمل لنحو عقدين من الزمن في الحزب الشيوعي السوري – اللبناني، ثم عاد إلى العراق وأصبح رئيسًا لتحرير جريدة “اتحاد الشعب”. ومحمد علي الزرقا، وهو سوري الأصل، كان على علاقة وطيدة بالحزب الشيوعي العراقي خلال إقامته في بغداد في أواخر الأربعينيات.

أسئلة وتساؤلات

عاش غسان حياة حافلة بالنضال لنحو ثلاثة أرباع القرن، وقد شهد صعودًا وانكسارًا وانحدارًا في الحركة الشيوعية، لكنه ظلّ مؤمنًا بأن حلم التغيير ليس وهمًا أو خرافة، بقدر ما هو حلم مؤجّل، لأن الظلم والاستغلال لن يدوما، حتى بعد انهيار الكتلة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي بجبروته أمامه، وتغوّل إسرائيل ومعها الإمبريالية على الدول العربية بعد احتلالها فلسطين، فقد بقي في داخله ذلك الحلم الذي صنعه جيله بمعاناة وصبر طويلين، حتى وإن كان يعرف أنه هناك من باع أحلامنا على قارعة الطريق، وإن كانت ثمة حيرة، فهي حيرة محي الدين بن عربي الذي يقول “الهدى في الحيرة، والهدى هو أن يهتدي الإنسان إلى الحيرة، فيعلم أن الأمر حيرة، والحيرة قلق وحركة، والحركة حياة”.

ظلّ غسان حائرًا ويطرح الأسئلة العويصة على رفاقه وعلى نفسه، ما الذي حصل؟ وكيف حصل؟ وإلى أين سنمضي؟ وكيف السبيل لمواجهة أزمتنا المركّبة الفكرية والسياسية؟ وهل ثمة وسيلة غير الحوار والتفاهم لمعالجة مشكلاتنا الداخلية؟ وما هي الروافع المساعدة، وكيف يمكن تنميتها واستثمارها؟ ثم كيف يمكن التخلّص من الكوابح والعوائق العديدة التي تحول دون نهوضنا؟ ولعل هذه الأسئلة وغيرها هو ما كنّا نناقشه طيلة شهرين كاملين.

أندروبوف والخبر الغامض

كنّا في مستشفى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي يوم 9 شباط/فبراير 1984، نتجوّل في حديقتها، فلاحظنا وضعًا غير اعتيادي وحركةً غريبةً وهمسًا بين الأطباء والعاملين، وإذا بنا نعرف بوفاة الرفيق يوري أندروبوف، الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي، فسألني هل لاحظت ثمة تغيير بعد وفاة ليونيد برجينيف (10 تشرين الثاني/نوفمبر 1982) وقيادة أندروبوف؟ وهل تتوقّع حدوث تغيير بعد وفاته؟

أجبته: “لا أذيع سرًا إذا قلت لك أنه لا شيء قد تغيّر خلال هذه الفترة القصيرة، وربما أنت أعرف مني بوضع الاتحاد السوفيتي، فالأزمة الاقتصادية واضحة للعيان، والاختناقات أصبحت ظاهرة مستديمة، والحريّات ما تزال كما هي عليه دون تقدّم، وليس هناك ثمة آراء غير الرأي الرسمي، كما ليست هناك بوادر قبول للتعدّدية حتى داخل الحزب، وتلك إحدى العقد الأساسية للبيروقراطية الحزبية الشمولية التي تعاني منها أحزابنا”. كانت تلك الإرهاصات والملاحظات عبارة عن هموم مشتركة ومراجعات أولية، لا تمتلك رفاهية التصريح بها أو الحديث عنها بصوت عال، إلّا على نحو محدود.

إقرأ على موقع 180  عملية "أيلول الأسود" في ميونيخ: فشل إسرائيلي ذريع (25)

وأضفت شيئًا واحدًا أتأسف عليه برحيل أندروبوف، هو أنه الوحيد من بين الزعماء السوفييت الذي اتّخذ مواقف جديّة ضدّ الصهيونية، وأخشى برحيله أن الأمر سيتغيّر، فسألني: وما هي مواقفه؟ فقلت له: على الرغم من قصر الفترة التي قضاها (من تشرين الثاني/نوفمبر 1982 إلى شباط/فبراير 1984)، فقد أسّس “اللجنة الاجتماعية السوفيتية لمناهضة الصهيونية“، وتناولت معه موضوع القرار 3379 الصادر عن الأمم المتحدة في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1975، والذي ساوى الصهيونية بالعنصرية.

وللعلم فقد أُلغي هذا القرار التاريخي في 16 كانون الأول/ديسمبر 1991 (الدورة 46 للجمعية العامة للأمم المتحدة)، أي بُعيد انهيار الكتلة الاشتراكية، والذي تلاه بعشرة أيام انحلال الاتحاد السوفيتي (26 كانون الأول/ ديسمبر 1991)، وتصدّع الحد الأدنى من التضامن العربي إثر غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب/أغسطس 1990، وكان ذلك تمهيدًا لتراجعات أكبر باتفاقات أوسلو (1993) التي مهّدت لها لقاءات مدريد (1991). وأتذكّر أنني كتبت مقالةً في جريدة “القدس العربي” بلندن يوم 18 كانون الأول/ديسمبر 1991، عنوانها “انتصارات أشدّ عارًا من الهزيمة” تعليقًا على قرار الأمم المتحدة الذي يُعدّ سابقةً دوليةً خطيرة بإلغاء القرار 3379، الذي سبق أن صوّتت عليه، إذْ لم تتّخذ الجمعية العامة قرارًا ثم تعود لنقضه.

يفسييف.. والصهيونية

جرّنا الحديث لتبادل سيرة المفكّر السوفيتي يفغيني يفسييف، الذي بقيت أتابع نتاجاته، وهو من ألد أعداء الصهيونية في الاتحاد السوفيتي، وسألني عن أهم كتبه، فقلت له اطّلعت شخصيًا على ثلاثة فقط، هي “الفاشية تحت قناع الصهيونية” (1971)، و”الصهيونية أيديولوجيا، سياسة، ممارسة” (1971)، و”العنصرية تحت قناع الصهيونية” (1981).

الجدير بالذكر أن فترة غورباتشوف التي عُرفت باسم البريسترويكا والغلاسنوست (إعادة البناء والشفافية)، كانت ضرورة لا غنى عنها، لكنها كانت في الوقت نفسه تحتاج إلى تحضيرات تبدأ من القاعدة إلى القمّة، مثلما يتطلّب الأمر توفير مستلزمات أساسية، فكرية وثقافية وتربوية ونفسية وقانونية، وتهيئة كوادر مقتنعة، والسعي لبناء قناعات جديدة للتغيير والتجديد، في الوقت الذي قادت تلك الإجراءات المتسرّعة إلى طمس التجربة والإطاحة بها بدلًا من إصلاح نواقصها ومعالجة عيوبها.

لقد شهدت فترة البريسترويكا ذاتها انتعاشًا للحركة الصهيونية داخل الاتحاد السوفيتي، وقد استجابت قيادته للضغوط العديدة بخصوص هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل، وترافق ذلك مع نشاط استهدف كل من يعادي الصهيونية باعتبارها فكرة رجعية عنصرية، ومن بينهم يفسييف، الذي وُجد مقتولًا في ضواحي موسكو في العام 1990، وقبل ذلك سُحبت شهادته، واعتُبرت كتبه غير علمية وفُصل من عمله في معهد الاستشراق، وفي مداخلتي عن الرفيق جورج حبش في كتابي “الزمن والنخب – في أنطولوجيا الثقافة العربية” (مطبعة الآداب، عمان، 2023) تناولت ذلك بالتفصيل.

قيادات.. هرمة

تساءلنا معًا، هل سيحلّ محل أندروبوف شاب أو على الأقل شخصية خمسينية؟ ولعلّ ما تحتاجه الأحزاب دائمًا إلى تجديد ملاكاتها وكوادرها بهدف تجديد شبابها لإضفاء حيويّة وديناميكية على عملها وبرامجها ومبادراتها ووسائل تنفيذها.

 وبعد عدّة أيام أُعلن عن اسم الأمين العام الجديد (13 شباط/فبراير 1984)، جاءني غسان قبل الفطور في الصباح الباكر، وبطريقة النكتة المملّحة التي أضفاها عليه عيشه اللبناني، قائلًا: يبدو أن قسطنطين تشيرنينكو هو الشاب الوحيد الموجود في المكتب السياسي وعمره الآن 73 عامًا، وبالطبع فلم تدم قيادته سوى عام واحد وبضعة أيام، حيث توفي في 10 آذار/مارس 1985، وجاء بعده ميخائيل غورباتشوف الذي استمرّ في قيادته حتى تفكّك الاتحاد السوفيتي.

وعلى الرغم من التباعد وظروف كلّ منّا، إلّا أننا كنا نلتقي بين الفينة والأخرى منذ أواسط التسعينيات ونتبادل الرأي والأخبار، وعرفت منه أنه ذهب إلى العراق وإلى كردستان تحديدًا بعد الاحتلال الأميركي عام 2003، حيث كان لديه علاقات طيبة مع الرئيسين مام جلال الطالباني وكاك مسعود البارزاني، وكان يلتقي مع الشيوعيين الكرد أيضًا، وبشكل خاص مع كريم أحمد، الذي حدثني عنه خلال زيارتي له في منزله في كويسنجق، حيث كنت أزورها ضيفًا على جامعتها لأكثر من مرّة.

مذكرات غسان.. عصمت جاويد

إن قراءة مذكرات غسان الرفاعي (عصمت جاويد)، والتي تمثّل عصارة تجربته النضالية، تضعك أمام مثقف متميّز، فلغته أقرب إلى الأدب، فضلًا عن امتلاكه وعيًا ورؤيةً نقدية متّزنة، إضافة إلى معرفته الواسعة بأوضاع الحركة الشيوعية العربية والعالمية وحركة التحرّر الوطني العربية، حيث كان يناقش كل ذلك بروح تتطلّع لاستشراف مستقبل جديد، دون نسيانه الأخطاء والعيوب والمثالب، لكنه كان ينظر بعين المستقبل لنجاحاتها أيضًا، ومن أبرز كتبه “اليسار الحقيقي واليسار المغامر” (لم يضع اسمه عليه)، فلم يهمل غسان وثيقةً أو مؤتمرًا إلّا وعلّق عليه في مذكراته، لذلك جاءت جامعة لما هو خاص وما هو عام بأمانة واجتهاد، اتّفقت معه أو اختلفت عليه.

لم يكن غسان حزبيًا متزمّتًا، على الرغم من التزامه الشديد، فقد كان يمتلك عقلانية سياسية رؤيوية مسؤولة، ودائمًا ما كان يسعى إلى التواصل والحوار، حتى حين تحتدم الخلافات وتتباعد السبل، وهو ما عرفته من رفاقه اللبنانيين أيضًا، وكان ينظر إلى الماركسية لا باعتبارها سرمديات ثابتة، بل كأداة ومنهج للتحليل، وقد يكون لأجواء الحريّة التي يعيشها لبنان وراء ذلك، فضلًا عن انفتاح الشيوعيين اللبنانيين ومراجعاتهم لتجاربهم وتاريخهم وبعض مواقفهم، حيث يُعتبر المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني، الذي انعقد في العام 1968 محطة أولى للانتقال من الإيمانية التبشيرية العقائدية إلى التساؤلية النقدية العقلانية، بما فيها الموقف من القضية القومية والعلاقة مع المركز الأممي، حيث تميّز الحزب الشيوعي اللبناني باستقلالية نسبية قياسًا بأحزاب أخرى، بالرغم ممّا آلت إليه أوضاع الحركة الشيوعية من الانقسامات والانشطارات، بل إن بعضها انقلب على نفسه بفعل المتغيّرات التي حصلت في العالم وفي المنطقة.

وقد عبّر غسان عن قراءته الجديدة لكارل ماركس في كتابه “ماركس دون دوغمائية ودون تقريظ“، وإن كان الأمر يتطلّب إعادة قراءة ماركسيتنا لاستنباط قوانيننا، فما توصّل إليه ماركس من أحكام واستنتاجات يصلح لزمانه، وبعضه عفا عليه الزمن، فضلًا عن أن بعضه الآخر لم يكن صحيحًا، وباستثناء المنهج فماركسية القرن الحادي والعشرين هي غير ماركسية ماركس في القرن التاسع عشر، حيث يشهد العالم تطورًا غير مسبوق في تاريخه، وخصوصًا في تكنولوجيا الإعلام والاتصالات والمواصلات والطفرة الرقمية (الديجتال) واقتصادات المعرفة والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يحتاج إلى استنباط قوانين وأحكام في ضوء المنهج الديالكتيكي وأدوات التحليل، إضافة إلى مناهج العلوم الأخرى.

بداية تجربة وليست نهاية لها

شعرتُ وأنا أقرأ مذكرات غسان أنها ليست نهاية لتجربة، بل هي بداية لها، لما تثيره من أسئلة ساخنة وبما تفتحه من مجالات حوار ونقاش وجدل، وبما تحفّزه للذاكرة من حاضر ومستقبل، سواء بتجربته الشخصية، أو بتجارب الحركة الشيوعية اللبنانية والعربية والعالمية.

رحل غسان الذي مثّل حقبة زمنية مهمة من تاريخ الحركة الشيوعية، بما لها، وهو كثير، وما عليها، وهو ليس بقليل، فقد امتاز بالتواضع وروح التلمذة، وظلّ فمه معطّرًا، فهو حتى حين يريد انتقاد مواقف بعض رفاقه، فإنه يملّحها بالمحبة والاحترام، وتلك سمة الكبار. لقد مثّل غسان ضميرًا يقظًا وطموحًا شريفًا وعادلًا متجاوزًا في نظرته وممارسته الانتماءات الضيقة، سواء كانت دينية أم قومية أم جهوية أم مناطقية، وإن ظلّ يعتزّ بكرديته وعراقيته ولبنانيته في الآن، فإنه كان نموذجًا شيوعيًا مشرقيًا أمميًا هويته إنسانية وقيمية جمالية.

وأختتم بالقول إذا كان عالم غسان لا يحب الأضواء أو الظهور أو الشهرة، لكن اسمه ظلّ مألوفًا ومسموعًا ومرفوعًا وحاضرًا بين كبار الشيوعيين اللبنانيين أمثال فرج الله الحلو ونقولا الشاوي ومصطفى العريس وجورج حاوي وفؤاد الشمالي وغيرهم.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث وكاتب عربي

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  رواية "الموساد": بختيار يطلب إغتيال الخميني.. وإسرائيل ترفض! (71)