رحيل غسان الرفاعي.. آخر الشيوعيين الكبار (1)

غسان الرفاعي ليس إسماً عابراً في سيرة الحزب الشيوعي واليسار اللبناني والعربي. برحيله، يفتقد الشيوعيون آخر رموز مؤتمرهم الثاني (1968) الإستثنائي. هو واحدٌ من ثلة تاريخية أخذت على عاتقها قيادة تحول أعرق تجربة حزبية شيوعية عربية، صالحتهم مع "القضية القومية" إلى حد طغيانها على"القضية الوطنية"، وفي الوقت نفسه، كان "الرفيق غسان" شاهداً على تشظي الحزب الواحد ومعه كل البيت اليساري اللبناني.

في وداع غسان الرفاعي نستعيد مذكّراته ليس لأنها مجرّد استعادة شخصية لسيرة مناضل شيوعي عابر في تاريخ المشرق العربي، بل هي محاولة لإعادة قراءة قرن كامل من التحوّلات السياسية والفكرية والاجتماعية التي عاشتها المنطقة، من العراق إلى سوريا ولبنان.

ففي كتابه “التحوّلات السياسية: سبعون عاماً من أجل التغيير”، لا يكتب غسان الرفاعي فقط ما عاشه، بل يكتب أيضاً ما رآه يتكوّن وينهار أمامه: الأحزاب، الانقلابات، الوحدة العربية، الحروب، والأحلام الكبرى التي صنعت وجدان جيل كامل ثم تركته حائراً في مواجهة الأسئلة الصعبة.

تكمن أهمية هذه المذكرات في أنها تتجاوز الشكل التقليدي للمذكّرات نحو مساحة أوسع من التوثيق والحفر في التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي للمشرق ولا سيما لبنان. فغسّان الرفاعي لا يُقدّم نفسه بطلاً فردياً، بل شاهداً من الداخل على زمن عربي مضطرب، متنقلاً بين بغداد وكركوك ودمشق وبيروت، حاملاً أسماء متعددة، لكنه لطالما كان ثابتاً في انتمائه الفكري والسياسي؛ يسارياً واقعياً توّاقاً إلى مشروع التحرر الوطني والتغيير الديموقراطي والعدالة الاجتماعية.

***

شكّلت المذكّرات رافداً أساسياً للمكتبة اليسارية العربية، ولعملية توثيق ودراسة اليسار المشرقي في سوريا ولبنان، بوصفه جزءاً أساسياً من تاريخ الفكر العربي الحديث، السياسي والاجتماعي، منذ الربع الأول من القرن العشرين حتى الربع الأول من هذا القرن.

وقد صدرت مذكّرات ومقابلات لعدد من الشخصيات التي كانت في مواقع قيادية في الحزب (الحزبين) الشيوعي السوري واللبناني، من بينهم: نقولا الشاوي، مصطفى العريس، خالد بكداش، جورج حاوي، كريم مروّة، دانيال نعمة، يوسف فيصل، الياس البواري، نسيب نمر، يوسف خطّار الحلو، فؤاد الشمالي، محمود الأطرش، عزيز صليبا، موريس نهرا، وجورج البطل، وأخيراً، ولن يكون آخراً، كتاب: “التحوّلات السياسية: سبعون عاماً من أجل التغيير” بجزأيه، الصادر سنة 2024 لغسّان الرفاعي.

كتاب غسّان الرفاعي، الذي غادرنا في مطالع التسعين من عمره، لا ينتمي حصراً إلى عالم المذكّرات، بل يتعدّى ذلك إلى عالم التوثيق وقراءة النصوص والأحداث في أفقَيها، على حدّ تعبير الفيلسوف غادامير: أفق الحدث والنص في التاريخ، وأفق القارئ في الحاضر.

توقّف غسّان الرفاعي عند محطات وأحداث ومواقف كثيرة، وطنية وقومية وحزبية، أحياناً كشاهد ومشارك، وأحياناً كقارئ وناقد. وفي كل الأحوال، بقي دائماً منتمياً، فكراً وممارسة، إلى الحزب الشيوعي، سواء العراقي أولاً، أو السوري ــ اللبناني ثانياً، أو اللبناني لاحقاً بعد استقلاله عن قيادة خالد بكداش في مطلع الستينيات من القرن الماضي.

من العراق إلى النضال السري في لبنان وسوريا خلال خمسينيات القرن الماضي، ومن أول وحدة عربية في العصر الحديث بين مصر وسوريا، وثورة 14 تموز (يوليو) في العراق، إلى الانفصال وسقوط الوحدة، ومن المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني إلى المقالات السجالية مع جماعة “الحرية”، ومن المؤتمر الثالث واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية إلى طرح الأسئلة الممنوعة حول أسبابها و”حتميتها”، ومن مرحلة الوصاية السورية في لبنان إلى أزمات الحزب الشيوعي وانقساماته اللاحقة؛ في كل هذه الأحداث كان لغسّان الرفاعي قراءة ورأي.. وذكريات.

***

عصمت جاويد أدهم، أو غسّان الرفاعي، وما بينهما من أسماء كثيرة عربية وأرمنية، شكّلت هوية أحد القادة التاريخيين للحزب الشيوعي اللبناني، الذي أمضى حياته الحزبية في “الظل”، مناضلاً وكاتباً لأكثر من سبعين عاماً، متنقلاً بين بغداد وكركوك وبيروت ودمشق.

لم يبدأ انتماؤه إلى الشيوعية فكراً وممارسة في لبنان، بل بدأت القصة في العراق، حيث وُلد ونشأ في كنف عائلة كردية. وهناك أنهى دراسته التكميلية والثانوية بين كركوك وبغداد، وانتسب إلى الحزب الشيوعي العراقي، وأصبح، قبل أن يبلغ السابعة عشرة من عمره، شاهداً ومشاركاً في التظاهرات والأحداث التاريخية التي عاشها العراق الحديث، ولا سيما وثبة 1948 الوطنية ضد معاهدة جبر ــ بيفن (معاهدة بورتسموث).

بلغة الأديب، يأخذك غسّان الرفاعي إلى البدايات، إلى الطفولة المتنقلة بين بغداد وكركوك وكويسنجق، البلدة الكردية الواقعة بين السليمانية وأربيل، حيث البيت الذي وُلد فيه ومكث فيه أربعين يوماً مع والدته قبل أن تعود العائلة إلى بيتها في بغداد.

يغوص الرفاعي في تاريخ العائلة من جهة والدته ووالده بقدر ما هو معلوم لديه. فوجد أن جدّه لأبيه، إبراهيم أدهم، من كويسنجق، كان ضابطاً في الجيش العثماني واستقال “مدفوعاً بوطنيته العراقية وتوجهه القومي الكردي”، ليُعتقل بعد ذلك بتهمة الانتماء إلى جيش “العدو” (ج1: ص 21). وكان انتماء الجد إلى كويسنجق بالنسبة لغسّان تأكيداً على أصوله الكردية، كما يروي في كتابه.

أجاد غسّان الرفاعي في وصف البيوت التي حلّ فيها. فبعد أربعين سنة، زار الغرفة “السوداء.. البيضاء” التي وُلد فيها وخصّها، كما القرية (كويسنجق)، بوصف دقيق مليء بالتفاصيل الصغيرة.. وهكذا يتداخل تاريخ القرية مع الوضع الاجتماعي والعشائري التقليدي للعائلة، حيث تتحول المذكّرات إلى نص أنثروبولوجي يحفر في التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي للمكان والزمان اللذين وُلد فيهما عصمت أدهم (غسّان الرفاعي).

إقرأ على موقع 180  "طواحين الهوى".. عن دمعة وداد وأخواتها الجميلات

هناك، إضافة إلى تلك الإضاءة الدقيقة على حياة المجتمع القروي الكردي، بُعد آخر لهذا العشق الوصفي للبيوت، ولاحقاً للمدرسة التي درس فيها. إنه حنين الشاب الذي أراد دراسة الهندسة المعمارية في الجامعة الأميركية في بيروت قبل أن “يسرقه” النضال ويأخذه إلى عالم آخر: عالم الثوري المحترف، المتنقل بين الأمكنة السرية وحدود الدول، بأسماء حركية متعددة، يُعدّ وثائق الحزب طباعةً وأرشفةً في دمشق وبيروت.

***

شهدت سنوات الدراسة في كركوك وبغداد التحولات الكبرى التي صنعت وعيه السياسي. فمن حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، إلى أجواء الانتصار على النازية سنة 1945، وصولاً إلى المظاهرات العمالية والطلابية، كان الفتى عصمت أدهم يعيش تشكل العراق السياسي الحديث من الداخل، لا كمراقب فقط، بل كمشارك في التظاهرات والهتافات والعمل التنظيمي.

وكما كان “حزب الشعب اللبناني” هو الوجه العلني للحزب الشيوعي اللبناني، كان أيضا “حزب التحرّر الوطني” بقيادة محمد حسين الشبيبي، أحد قادة الحزب الشيوعي العراقي المعروف بإسمه الحركي (صارم) الذي إستشهد محكوماً بالإعدام سنة 1949، هو الوجه العلني للحزب الشيوعي العراقي، إضافة إلى أحزاب يساريّة أخرى كـ”حزب الشعب” و”الإتحاد الوطني”.

***

آخر سنة دراسية في المرحلة الثانويّة، بإحدى مدارس بغداد، كانت هي سنة التحوّل بالنسبة لعصمت، حيث تحوّل من “هاو” إلى “مناضل”. إنخرط “الرفيق عصمت” في العمل الحزبي وسُمّي بعد فترة قصيرة نائباً لمسؤول “القطاع الشمالي”.. “أعرق الأحياء الشعبيّة البغداديّة آنذاك”. كانت أول مشاركة له في الأول من أيار/مايو سنة 1947 حيث ألقى ممثّل عمّال السكك الحديديّة كلمة وسط تجمع عمّالي كبير، إضافة إلى قصيدة ألقاها الشاعر بدر شاكر السيّاب. وفي النصف الثاني من تلك السنة، شاءت الصدف أن تحمل عصمت (17 سنة) ليكونَ شاهداً ومشاركاً في أهم هبّة شعبية شهدها العراق في أواخر أربعينيات القرن الماضي، حين باشر رئيس الوزراء صالح جبر محادثاته مع الحكومة البريطانيّة وبطلب منها لأجل عقد معاهدة سياسيّة – عسكريّة تكون بديلة لمعاهدة 1930، تُجدّد بريطانيا من خلالها سيطرتها الإستعماريّة على العراق.

يصف غسان الرفاعي المظاهرات التي كانت تضمّ مئات الآلاف وتملأ شارع الرشيد البغدادي، ويُحدّثنا عن “فتاة الجسر” التي قادت حشداً بإتجاه “منطقة الكرخ عند الجسر”، حيث أطلقت الشرطة النار على المتظاهرين، ما أدى إلى إستشهاد العشرات منهم ومن ضمنهم تلك “الفتاة”. ينتقل غسّان ليحدثنا عن الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري وحضوره في وسط المتظاهرين. يستعيد التفاصيل بدقّة وكأنه يعلم، لا بل هو على علم، أن تلك التفاصيل جزءٌ من تاريخ العراق السياسي والأدبي فيكتب الآتي: “الشاعر العظيم كعظمة الفرات ودجلة، والشامخ كشموخ تاريخ العراق لآلاف السنين الماضيات. الحاضر دائماً بين الجموع بشعره الأشعث الذي خطّه الشيب، وبعينيه الغائريتين عميقاً في وجنتيه (…) يمشي مع المتظاهرين يرافقه سلّم خشبي يعتلي درجاته بين حين وآخر ليرتجل بيتين من الشعر، أو ليلقي قصيدة تلهب حماسة الجماهير وترفع مستوى التحدّي في مواجهة همجيّة السلاح. في إحدى هذه المسيرات، سمعنا صوت الجواهري المهيب وإلقاءه المميّز في جامع الحيدر، حيث تُضفي لكنته الجنوبيّة الحنونة على الفصحى رقّة وشجناً. قصيدته “أخي جعفر” لا تفيض حبّاً وحناناً إنسانيين على فقدان أخ شهيد في أسمى الدرجات فحسب، بل تُعبّر بقوة عن التراجيديا الراهنة والتاريخيّة التي عاشها ويعيشها شعب العراق” (ج1 ص:51). ومن المعروف أن قصيدة “أخي جعفر” ألقاها الجواهري في رثاء أخيه جعفر الذي إستشهد خلال المظاهرات عام 1948.

تطوّرت الأحداث الداخليّة في العراق فبدأ “الأرهاب الأسود” يترك ظلاله على الحياة السياسيّة والنقابيّة والطلابيّة وعلى الحرّيّات الفرديّة، فعطّلت الحكومة الصحف، وأدّى “الإرهاب الأسود” إلى اطلاق محاكمات لقادة الحزب الشيوعي الذين كانوا يقضون حكمهم في السجون منذ سنة 1947 فحكموا من جديد بالإعدام، وكان ذلك في شباط/فبراير 1949، حيث تمّ إعدام الأمين العام يوسف سلمان يوسف، المعروف بلقبه الشهير (فهد) وعضوي المكتب السياسي، زكي بسيم (حازم) وحسين الشبيبي (صارم).

***

لا يُقدّم غسّان الرفاعي في مذكّراته رواية حزبية مغلقة، بل يفتح الباب أيضاً أمام الأسئلة النقدية المتعلقة بتجارب اليسار العربي، وأزماته، وانقساماته، وعلاقته بالقضايا القومية والوطنية، وبالسلطة، وبالحروب الأهلية التي عصفت بالمشرق لاحقاً.

وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقية للكتاب: ليس فقط في ما يرويه من أحداث، بل في كونه شهادة جيل كامل عاش صعود المشاريع الكبرى في المشرق العربي ثم شهد انهياراتها المتلاحقة.

(يُتبع)

Print Friendly, PDF & Email
إسكندر منصور

كاتب لبناني مقيم في الولايات المتحدة الأميركية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  تطيير الإنتخابات اللبنانية!