لبنان.. وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

لا يبدو ما يعيشه الشرق الأوسط اليوم مجرد سلسلة حروب متداخلة، بل لحظة تاريخية يعاد فيها تعريف معنى القوة ووظيفة الدولة داخل عالم يفقد توازناته القديمة من دون أن ينجح بعد في إنتاج نظام جديد مستقر.

من غزة إلى لبنان، ومن إيران إلى البحر الأحمر، تدخل المنطقة طورًا طويلًا من إعادة التموضع السياسي والعسكري والاستراتيجي، حيث يتداخل الصراع الإقليمي مع التنافس الأميركي-الصيني وصراع الممرات والطاقة وإعادة تشكيل خرائط النفوذ الدولي.

لكن التحول الأعمق لا يتعلق بالحروب نفسها، بل بطبيعة العالم الذي تجري داخله. فالعالم القديم يتفكّك، بينما لم يولد العالم الجديد بعد، وهو ما يجعل القوى الكبرى عاجزة حتى الآن عن إنتاج نظام دولي مستقر أو حسم شكل التوازنات المقبلة. فالولايات المتحدة فقدت قدرة ما بعد الحرب الباردة على فرض نظام عالمي واضح، فيما لم تنجح الصين وروسيا في إنتاج بديل مكتمل المعالم.

وفي هذا المعنى، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة تتأثر بتحوّلات النظام الدولي، بل إحدى المناطق التي يُعاد عبرها تعريف هذا النظام نفسه. فالمنطقة تتحول إلى مختبر لإدارة التوازنات الجديدة، حيث لم تعد الحروب تُخاض فقط لحسم النزاعات، بل لإعادة تعريف النفوذ والممرات ووظيفة الدول داخل عالم يدخل مرحلة انتقال تاريخي طويلة.

ولهذا، قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة ما يجري هو اختزال المشهد بمن ربح ومن خسر. فالحروب الكبرى لا تنتهي دائمًا بحسم نهائي، بل تعيد توزيع الأدوار وفرض وقائع جديدة داخل أنظمة إقليمية لم تستقر بعد.

فحريٌّ القول إن الشرق الأوسط لا يدخل نظامًا جديدًا مستقرًا، بل مرحلة انتقالية طويلة تقوم على إدارة الصراعات أكثر من إنهائها.

***

لقد كشفت السنوات الأخيرة حدود القوة العسكرية نفسها. فالولايات المتحدة، برغم تفوّقها الهائل، لم تستطع إنتاج استقرار دائم، ولم يعد تفوقها العسكري وحده كافيًا لحسم نتائج حروبها وإنهاء الصراعات العميقة المرتبطة بالهوية والانقسام والجغرافيا السياسية.

لكن التحول الأخطر لا يكمن فقط في تبدل موازين القوى، بل في تبدل معنى الشرعية نفسه. فالشرق الأوسط ينتقل تدريجيًا من عصر الأيديولوجيا إلى عصر الوظيفة؛ أي من شرق أوسط كانت شرعية دوله ومشاريعه تُبنى على الشعارات والهويات الكبرى، إلى شرق أوسط تُقاس فيه قيمة الدول بقدرتها على حماية الاستقرار والتموضع داخل الاقتصاد العالمي وشبكات التكنولوجيا والطاقة والنفوذ.

وهنا يبدأ التحول الحاسم: الدول لم تعد تُسأل فقط عمّا تؤمن به، بل عمّا تستطيع أن تفعله، وما إذا كانت تمتلك وظيفة واضحة داخل النظام الإقليمي الجديد.

***

قد تكون المشكلة اللبنانية اليوم أعمق بكثير من أزمة نظام سياسي أو انهيار اقتصادي أو صراع داخلي على السلطة.

فلبنان لا يواجه فقط مأزق دولة ضعيفة، بل مأزق كيان يدخل شرق أوسطًا جديدًا لم يعد يشبه البيئة التاريخية التي سمحت له أصلًا بالوجود.

لقد قام لبنان طويلًا على دور الوساطة والهامش الحر والقدرة على العيش داخل التوازنات الرمادية. لكن الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم يبدو أقل اعترافًا بالكيانات الرمادية وأكثر ميلًا نحو الدول القادرة على إنتاج الاستقرار والوظيفة والنفوذ.

ومن هنا، يصبح السؤال اللبناني سؤالًا إقليميًا بقدر ما هو داخلي: هل ما يزال لبنان يمتلك وظيفة واضحة داخل الشرق الأوسط الجديد؟

***

لا يبحث الشرق الأوسط الجديد عن الدول الأكثر رمزية، بل عن الدول الأكثر قدرة على التموضع داخل شبكات الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا. وفي هذا المعنى، قد يكون لبنان أحد أكثر الكيانات العربية انكشافًا أمام التحول الجاري، لأن أزمته لا تتعلق فقط بضعف السلطة، بل باهتزاز البيئة التاريخية التي جعلت الصيغة اللبنانية ممكنة داخل المشرق طوال قرن تقريبًا.

وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل الطرف الإقليمي الأكثر قدرة على تحويل تفوقه العسكري والتكنولوجي إلى عنصر مؤثر في إعادة صياغة الشرق الأوسط. فهي لا تتحرك فقط كقوة عسكرية متفوقة، بل كجزء عضوي من البنية الأمنية والاستراتيجية الغربية، وركيزة متقدمة للنفوذ الأميركي في المنطقة. ومن هنا، أعادت حرب أكتوبر 2023 تثبيت الدور الإسرائيلي داخل شرقٍ أوسطَ يعيد بناء توازناته، حيث لا يعمل الزمن دائمًا لمصلحة الأكثر عدالة، بل لمصلحة الأكثر قدرة على تحويل القوة إلى نظام مستقر ومشروع طويل المدى.

وبرغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، لم تنجح إسرائيل حتى الآن في تحويل تفوقها إلى استقرار إقليمي دائم أو إلى حسم تاريخي ينهي الصراعات المفتوحة في المنطقة. بل إن الحرب الحالية نفسها لا تبدو، حتى اللحظة، قادرة على إنتاج نهاية حاسمة للصراع بقدر ما تعيد تشكيل توازناته وأدواته.

ولهذا، قد لا يكون الوصف الأدق للموقع الذي تبدو إسرائيل متجهة إليه حتى الآن هو “النصر الحاسم”، بقدر ما هو انتقالها إلى موقع إقليمي أكثر راحة داخل مرحلة انتقالية مفتوحة لم تُحسم فيها بعد طبيعة الشرق الأوسط الجديد ولا شكل النظام الدولي الذي سيتكوّن فوقه. فالحرب، حتى اللحظة، لا تنتج منتصرًا نهائيًا بقدر ما تعيد توزيع الأدوار والنفوذ.

***

في المقابل، لا تبدو إيران، برغم الضغوط الهائلة التي تواجهها، أمام لحظة انهيار أو خروج من المعادلة الإقليمية، بقدر ما تبدو أمام لحظة إعادة تعريف لمعنى مشروعها ووظيفة نفوذها داخل شرق أوسط يتغير بسرعة.

فالصراع لم يُنتج حتى الآن قدرة أميركية – إسرائيلية على فرض حسم نهائي، كما لم يمنح إيران في المقابل إمكانية تحويل المواجهة إلى انتصار استراتيجي واضح.

ومن هنا، لم تعد “المشكلة الإيرانية” الأساسية مرتبطة فقط بالحفاظ على النفوذ، بل بقدرتها على إعادة إنتاج شرعية هذا النفوذ داخل إقليم ينتقل من التمدد الأيديولوجي المفتوح إلى توازنات أكثر صلابة تحكمها المصالح والأمن والاقتصاد.

لم تبنِ إيران تمددها فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضًا عبر الفراغ العربي وفشل المشاريع المنافسة. لكن الشرق الأوسط الذي سمح بهذا التمدد بدأ يتغير. فالخليج يتحوّل نحو الاقتصاد والاستقرار طويل المدى، وإسرائيل تترسّخ بوصفها المركز الأمني الأكثر تنظيمًا، فيما تدخل المنطقة مرحلة أقل قابلية للتمدّد المفتوح وأكثر ميلًا إلى إدارة التوازنات الصلبة.

***

في قلب هذه التحولات، تبدو سوريا إحدى أخطر ساحات إعادة تعريف المشرق نفسه. فما يجري هناك لم يعد مجرد أزمة نظام أو حرب أهلية طويلة، بل تفكك تدريجي للنظام الإقليمي الذي حكم المشرق منذ عقود.

إقرأ على موقع 180  سؤال الى القارئ العزيز.. مليار دولار نقداً أو معرفة نفسك؟

فسوريا تتحول من مركز إقليمي إلى ساحة نفوذ مفتوحة، تتقاطع فوقها المشاريع التركية والإيرانية والإسرائيلية والدولية. لكن المشكلة الأخطر لا تكمن فقط في ضعف الدولة السورية، بل في تحوّل المشرق نفسه من منطق الدول المركزية إلى منطق المساحات المفتوحة المتنازع عليها إقليميًا ودوليًا.

وفي معنى أعمق، قد تكون سوريا إحدى أوضح العلامات على أن الشرق الأوسط الذي وُلد بعد “سايكس – بيكو” يدخل مرحلة تفكّكه البطيء. فالدولة المركزية التي حكمت المشرق طوال قرن تتآكل تدريجيًا لتحل مكانها خرائط أكثر سيولة تقوم على النفوذ المتعدّد والتوازنات الخارجية والدول الضعيفة.

ولهذا، لا يبدو السؤال الحقيقي في سوريا متعلّقًا فقط بمن يحكم دمشق، بل بأي نوع من المشرق سيولد من هذا التحول الطويل.

*** 

هنا تظهر المعضلة اللبنانية بصورة أوضح. فلبنان كان تاريخيًا جزءًا من بيئة مشرقيّة مستقرة نسبيًا تسمح للكيانات المرنة بالعيش داخل الهوامش والتوازنات. أما اليوم، فإن المشرق نفسه يفقد تدريجيًا طبيعته القديمة، ويتحول إلى فضاء أكثر صلابة وأقل تسامحًا مع الكيانات المعلّقة.

وفي موازاة ذلك، ينتقل الشرق الأوسط تدريجيًا من منطق المشاريع الأيديولوجية الكبرى إلى منطق المصالح والاستقرار وإدارة النفوذ. فالقومية العربية والإسلام السياسي يفقدان تدريجيًا قدرتهما على تنظيم المنطقة، فيما تصعد قوى إقليمية أكثر انشغالًا بالأمن والطاقة والممرات الاقتصادية.

ومن هنا، قد يكون التحول الأخطر ليس تبدل التحالفات فقط، بل تبدل معنى القوة نفسه. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بالجيوش والشعارات العقائدية، بل بالقدرة على التموضع داخل الاقتصاد العالمي وشبكات التكنولوجيا والطاقة والممرات التجارية.

ولهذا، يتحول الخليج إلى مركز اقتصادي – تكنولوجي صاعد، فيما تتحرك تركيا بمنطق التوسع البراغماتي وإدارة النفوذ، بينما تبدو مصر أكثر انشغالًا بمنع انهيار فكرة الدولة الوطنية العربية داخل إقليم يدخل مرحلة انتقالية طويلة.

وفي هذا المعنى، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو هيمنة مستقرة لقوة دولية واحدة، بل نحو مرحلة تنافس طويل بين قوى كبرى لم تحسم بعد شكل النظام العالمي المقبل، ما يجعل الصراعات المفتوحة مرشحة للاستمرار حتى داخل فترات التهدئة الظاهرية.

***

هنا تظهر الأزمة اللبنانية بأوضح صورها: فبينما تعيد دول المنطقة تعريف وظائفها داخل النظام الإقليمي الجديد، يبدو لبنان كأنه الكيان الوحيد الذي لم يحسم بعد ماذا يريد أن يكون.

لقد كشف الانهيار اللبناني أن لبنان بدأ يفقد تدريجيًا الوظائف التي سمحت له تاريخيًا بالبقاء داخل المشرق: دوره المالي والمصرفي والثقافي والطبي والسياحي والخدماتي، وهامش الحريات، وموقعه الوسيط بين الشرق والغرب.

ولهذا، قد لا تكون “الأزمة اللبنانية” مجرد “أزمة دولة”، بل “أزمة معنى” ودور داخل “شرق أوسط” يفقد تدريجيًا قدرته على احتواء الكيانات المرنة والمعلّقة.

فلبنان لم يكن يومًا مجرد دولة صغيرة داخل المشرق، بل فكرة عن التعدّد والوساطة والهامش الحر داخل منطقة قامت طويلًا على الصلابة الأيديولوجية والأمنية. لكن الشرق الأوسط الجديد يبدو أكثر ميلًا نحو القوة الاقتصادية والأمنية والتنظيمية، وأقل تسامحًا مع الكيانات التي تعيش على التوازنات والهامش المفتوح.

ومن هنا، لا تكمن المعضلة اللبنانية فقط في ضعف الدولة أو الانهيار الاقتصادي، بل في غياب أي اتفاق فعلي على طبيعة الكيان نفسه ووظيفته داخل الإقليم. فكل قوة أساسية تكاد تمتلك تصورًا مختلفًا للأمن والسيادة والعلاقة مع الخارج.

ولهذا، قد لا يكون الخطر الحقيقي هو سقوط لبنان دفعة واحدة، بل تحوله تدريجيًا إلى كيان فاقد للدور داخل شرق أوسط يعيد تعريف معنى القوة والضرورة والبقاء.

وفي الوقت الذي تعيد فيه إسرائيل وإيران والخليج وتركيا وسوريا تعريف مواقعها داخل النظام الإقليمي الجديد، يبدو لبنان وكأنه ما يزال ينتظر ما ستقرره العواصم الخارجية حول مستقبله أكثر مما يصنع هذا المستقبل بنفسه.

ولهذا، قد لا يكون السؤال الحقيقي بعد الحرب: كيف يخرج لبنان من أزمته الاقتصادية؟ بل: هل ما يزال يمتلك ضرورة تاريخية داخل شرق أوسط يعاد تشكيله بمنطق القوة والمصالح والوظائف الصلبة؟

فالكيانات لا تبقى فقط لأنها وُجدت يومًا، بل لأنها تنجح في إقناع التاريخ بأنها ما تزال ضرورية.

وفي الشرق الأوسط الجديد، تبدو الدول وكأنها تخوض للمرة الأولى معركة إثبات ضرورتها التاريخية، لا مجرد الدفاع عن حدودها السياسية.

***

قد لا يكون ما يعيشه الشرق الأوسط اليوم مجرد مرحلة اضطراب عابرة، بل لحظة تاريخية يعاد فيها تعريف معنى القوة والدولة والدور داخل منطقة تتفكك خرائطها القديمة قبل ولادة نظام جديد مستقر.

فالمنطقة لا تنتقل فقط من توازن إلى آخر، بل من عصر أيديولوجي كامل إلى شرق أوسط تُقاس فيه قيمة الدول بقدرتها على إنتاج الاستقرار والتموضع داخل شبكات النفوذ العالمية.

ولهذا، لا يبدو الشرق الأوسط الجديد أكثر عدالة أو استقرارًا، بل أكثر قسوة وأقل تسامحًا مع الكيانات الهشة والدول الرمادية التي عاشت طويلًا على التوازنات الخارجية والغموض الاستراتيجي.

وفي قلب هذا التحول، يقف لبنان بوصفه أحد أكثر النماذج تعبيرًا عن أزمة الكيانات الهشة في الشرق الأوسط الجديد. فلبنان لا يواجه فقط انهيارًا اقتصاديًا أو أزمة سياسية، بل سؤالًا يتعلق بمعنى وجوده داخل الإقليم الجديد.

ومن هنا، قد لا يكون أخطر ما يواجه لبنان احتمال الانهيار الكامل، بل أن يدخل الشرق الأوسط عصره الجديد، فيما يبقى هو عالقًا خارج التاريخ، يعيش على انتظار التسويات أكثر مما يصنع موقعه بنفسه.

فالعالم الجديد لا ينتظر المتردّدين، ولا يمنح الكيانات المعلّقة وقتًا طويلًا للبقاء. فإما أن تنجح الدول في إعادة تعريف ذاتها ووظيفتها وموقعها داخل التحولات الكبرى، وإما أن تتحول تدريجيًا إلى ساحات تُدار من الخارج وفق مصالح القوى الأكثر قدرة على التنظيم وفرض النفوذ.

وفي الشرق الأوسط الجديد، لن تُسأل الدول فقط عمّا كانت تؤمن به، بل عمّا إذا كانت ما تزال تمتلك ضرورة تاريخية للبقاء.

Print Friendly, PDF & Email
علي العزي

كاتب، أكاديمي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  "طالبان الأميركية".. تزيد الشرخ في المشهد الجهاديّ