في هذه الشهادة الرفاقية الرفيعة يستحضر سلمان حوارا استثنائيا دار بينهما على رصيف مشاة باريسي؛ حوارا لم يكن مجرد نقاش عابر بل كان بيانا وجوديا يفسّر فلسفة الباهي في العودة، وموقفه من النفي والوطن، كاشفا عن قلم لا يعرف العيش إلا في قلب المعنى، حيث كتب طلال سلمان ما سمعه من رفيقه الباهي: “إنما نعود لنموت في المغرب. ولكننا نموت في منافينا كل يوم ألف مرة، ونموت بلا مشيّعين. أن تهرب من الموت المجاني إلى الموت ذي المعنى، هذه هي حياتنا. إلى متى سنظل نسافر بين الموتين ولا نعثر على حياتنا؟! لعل حياتنا بعد الموت، بل بعد الموتين! فلا وجود للباهي محمد خارج المعنى”.
***
حين تَقودك الخطوات في حي النخيل بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، وتتوقف أمام لوحة تحمل اسم زنقة محمد باهي، وتكتشف أنها تقع على بعد خطوات معدودة من ذلك البيت المتواضع الذي سكنه الأستاذ الراحل عبدالله إبراهيم، رئيس الحكومة المغربية في بداية أعوام الاستقلال وأحد أنقى رموز الفكر والسياسة في تاريخ المغرب المعاصر.. لا تملك إلا أن تشعر بأن هذه التسمية لم تكن مجرد إجراء إداري بارد لتكريم راحل، بل كانت التماعا شاعريا ونادرا؛ التماعٌ يجمع في رقعة جغرافية واحدة جيلين من الأنوف الشامخة التي رفضت الانحناء لعواصف الانتهازية.
هذا الجوار الرمزي بين روح محمد باهي وظل عبدالله إبراهيم يحيل إلى وحدة التربة الأخلاقية.. فمحمد باهي لم يكن مجرد عابر في تاريخ الصحافة، بل كان نخلة سامقة، ضربت جذورها عميقا في تُربة الصدق المتفرد والإيمان المبدئي الذي لا يلين. كان الرجل يشبه نفسه إلى حد مذهل، في زمن عزّ فيه التطابق بين الكلمة وقائلها. وأسلوبه ككاتب لم يكن قناعا يرتديه لغرض مهني، بل كان هو ذاته أسلوب محمد باهي الإنساني.. تدفق آسِر وعمق معرفي وقدرة عجيبة على شدّ القارئ من ياقته الفكرية ويجعله يستزيد دون ارتواء.
تتجلى هذه الروح في “رسالة باريس” الأسبوعية، تلك الإطلالة التي لم تكن مجرد مادة صحفية تُدبّج على عجل لتغطية مساحات بياض الجريدة، بل كانت طقسا طقوسيا يترقبه القراء بشغف، مما أسهم في رفع مبيعات جريدة “المحرر” المغربية إلى أرقام غير مسبوقة.. كان الباهي يكتب تلك الرسائل بأنفاسه المتهدجة وبدمه المحترق، باحثا في دهاليز السياسة الدولية وعواصم القرار عن إجابات لأسئلة الشرق المأزوم.
كان باهياً باعتراف كل من عاصره. شخصية عربية فريدة قادمة من زمن غابر.. زمن الموسوعيين والفرسان الذين يحملون الحبر كرسالة مقدسة. وليس من قبيل العبث أو المجاملة العابرة أن صديقه الكاتب والروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، عندما انبرى لرثائه بعد رحيله المفجع، لم يكتب مقالة رثاء تقليدية، بل صاغ مرثية سردية طويلة ومهيبة حملت عنوانا دالا ومحفوفا بالرمزية: “عروة الزمان الباهي”… في هذا عنوان هذا الكتاب لم ينسب منيف.. الباهي إلى زمنه، بل نسب الزمن نفسه لمحمد الباهي، في اعتراف صريح بأن الخسارة لم تكن رحيل صحفي، بل كانت انكسار عروة وثقى من عرى الوعي العربي المعاصر.
***
لا أعتقد أن مثقفا أو مناضلا مغربيا، أو حتى عربيا، نجح في حشد هذا الكم الهائل والنوعي من الأصدقاء والمحبين على امتداد الخريطة العربية ومنافستها كما فعل الباهي. لقد كان عابراً للحدود والأنظمة، جامعا للتناقضات بفضل كاريزما إنسانية آسرة.
في الجزائر التي أمضى فيها سنوات طويلة وقاسية من منفاه الأول، لم يُعامل يوما كلاجئ أو ضيف عابر، بل كان يُعدّ جزائريا صميما، مطلعا على تفاصيل الثورة والدولة ومخاضاتها المعقدة، ومؤثرا في نخبها الفكرية والسياسية.
أما في العاصمة الفرنسية باريس، التي تحولت إلى رئة يتنفس منها المثقفون العرب الهاربون من بطش الأوطان، فقد كان الباهي معلما من معالمها الثقافية. كان مشهدا مألوفا في شوارع “السين” والمنطقة اللاتينية لا يصادفه أحد إلا وهو ينوء بحمل أكياس ورقية ثقيلة، محشوة بآخر ما قذفت به المطابع ودور النشر العالمية من كتب ومجلات ودراسات. كان قارئا شرها، يلتهم المعرفة بنهم يعكس جوعه الدائم للفهم.
ولعل المفارقة التي تلخص جوهر هذا الرجل وتكشف عن زهده في حطام الدنيا، أنه عندما وافته المنية لم يترك وراءه عقارات أو حسابات بنكية متخمة، بل غادر الدنيا وتاركا بذمته بقية حساب مالي، دينا قديما لإحدى المكتبات الباريسية العتيقة، وكأن موته كان إعلانا بأن كتاب حياته قد أُغلق قبل أن يسدد ثمن الكتب التي أضاءت وعيه.
***
في خريف العمر والأيام اشتد الحنين وضغوط السياسة.. إذ مارس القائد الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي ضغوطا قوية على الباهي، مستعينا بثقل ورمزية الفقيه محمد البصري، لإقناع الباهي بمغادرة باريس والعودة إلى الدار البيضاء. كان الهدف من هذه العودة هو تكليفه بمهمة جسيمة خطيرة: تسيير وإعادة هيكلة جريدة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. كان ذلك في مرحلة دقيقة وحرجة، حيث كان اليوسفي يستعد لدخول تجربة “التناوب التوافقي” والتفرغ لرئاسة الحكومة باسم الحزب، وكان بحاجة إلى رجل بوزن ونزاهة الباهي لضبط الجبهة الإعلامية.
لكن محمد الباهي بنقائه الباريسي والبدوي المفطور على النزاهة، لم يكن يعلم أو يتوقع أنه يقدم بقدميه إلى “عش عقارب”، وهو الوصف القاسي والدقيق الذي أطلقه الصحفي المخضرم حميد برادة في مجلة “جون أفريك” على كواليس زنقة الأمير عبد القادر حيث جريدة الاتحاد الاشتراكي في تلك الفترة. كانت البيئة مشحونة بالدسائس والصراعات الصغيرة ومراكز النفوذ التي رأت في وجود باهي ونزاهته تهديدا مباشرا لمصالحها.
***
كانت نهاية الباهي تراجيدية ومأساوية بامتياز، حيث أسلم الروح في مصحة الحكيم بالدار البيضاء في ظروف أثارت وما تزال، الكثير من علامات الاستفهام والظلال القاتمة، لدرجة دفعت الكثر للقول إن لعبد الرحمان اليوسفي، بشكل أو بآخر عبر الضغط والبيئة التي وضعه فيها، يدا في موته غير المباشر.
أمام هذا الرحيل المفاجئ والصادم، انتفض صديق الباهي الحميم، المفكر الكبير الدكتور محمد عابد الجابري، مطالبا بتشكيل لجنة تقصي حقائق رسمية ومستقلة للكشف عن ملابسات الوفاة الطبيّة والسياسية. وتمت الاستجابة للطلب تحت ضغط القواعد، فتشكلت لجنة ثلاثية ضمت قيادات حزبية وازنة: محمد الحبابي، عبد الواحد الراضي وفتح الله ولعلو.
إلا أن مسار اللجنة كشف عن عمق الشرخ، فلم يتفق الحبابي مع زميليه في اللجنة، واختار أن يحرر تقريرا خاصا ومنفردا خطّه بيده، يعكس وجهة نظره الاستقصائية، بينما كُتب التقرير الثاني بخط يد فتح الله ولعلو محاولا تهدئة الأجواء وسحب فتيل الأزمة.
والنتيجة؟
كالعادة في الدهاليز السياسية.. لم تظهر نتائج التحقيق للعلن، وطُوي الملف بالكامل، ودُفنت الحقيقة مع الجسد الراحل كأن شيئا لم يكن. ومثلما جرت الأمور في الاتحاد الاشتراكي مع لجان تحقيق سابقة، تحول موت الباهي إلى سر مغلق من أسرار الحزب الرمادية.
وحتى عندما طُرحت في وقت لاحق فكرة وفاء وتكريم متمثلة في تأسيس مؤسسة ثقافية تحمل اسم “مؤسسة محمد الباهي” لتخليد فكره ورعاية تراثه، قوبلت المبادرة ببرود قاتل.. فلم يدعمها لا عبد الرحمان اليوسفي ولا الفقيه محمد البصري، فوُئدت الفكرة في مهدها ولم تر النور، خوفا من أن يتحول اسم الباهي، حتى وهو في قبره، إلى منصة لنقد الحزب ومراجعة مساراته.
***
وسط هذا الجحود والنسيان المنظم تبرز مبادرة وطنية وإنسانية نبيلة تستحق كل الإشادة والثناء، حيث انبرى المناضل والسياسي مبارك بودرقة (عباس)، في خطوة وفاء نادرة، لجمع وتوثيق جزء هام وأصيل من تراث الباهي المكتوب، والمتمثل في “رسالة باريس”. وقد تُوج هذا الجهد المضني بصدور خمسة مجلدات ضخمة توثق تلك الحقبة وتشكل مرجعا لفهم السياسة العربية والدولية بعيون الباهي.
إن اسم الباهي لم يكن مجرد حروف، بل كان رمزا يسبب الهلع والقلق المزمن للانتهازيين والوصوليين، وبخاصة أولئك الذين تحالفوا وتكتلوا خلف الكواليس لإفشال مهمته الإصلاحية في تسيير جريدة الحزب وتنقيتها من الأذرع المكسورة والأقلام المأجورة والمندسين الذين زرعتهم أجهزة الاستخبارات لإبقاء الجريدة تحت السيطرة.
ومن أقسى تجليات النفاق الإنساني والسياسي، أن أحد هؤلاء الذين حاربوا في العلن الباهي في رزقه ونفسيته، انبرى بعد وفاته مباشرة للبكاء والعويل عليه في وسائل الإعلام، متباكيا وزاعما في ادعاء فج أن الباهي ترك له “وصية خاصة” قبل موته! والحقيقة التاريخية الموثقة تكشف مفارقة مخزية.. فقبيل ساعات قليلة من احتضار الباهي ومفارقته للحياة، كان هذا الشخص عينه يكيل للباهي أبشع الشتائم الرخيصة في المجالس والمكاتب، ويلقبه مستهزئا باسم “البعير العربي”، في إشارة وعنصرية مبطنة لأصوله الموريتانية وثقافته البدوية السامقة.
***
من بين الأسرار والتسريبات التي خرجت من الغرف المغلقة لتضيء جانبا من مأساة هذا المثقف العضوي، ما حدث في جلسة سمر فكرية وسياسية التأمت ذات ليلة في بيت الكاتبة والروائية العراقية المتميزة عالية ممدوح في باريس. كانت السهرة قد جمعت نخبة من ألمع المثقفين والسياسيين العرب المقيمين في المنفى الفرنسي، وتزامن التوقيت مع بداية اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى).
احتدم النقاش وتعددت القراءات، لكن موقف محمد الباهي كان واضحا وقاطعا كحد السيف.. عبر دون مواربة عن معارضته الشديدة لشن الحرب على إيران من قبل نظام صدام حسين، معتبرا إياها حربا استنزافية ستأتي على الأخضر واليابس في المنطقة وتخدم القوى الاستعمارية.
في اليوم الموالي مباشرة، وعندما وصل الباهي إلى مكتب الوكالة العربية للأنباء الذي كان يديرها في العاصمة الفرنسية ـ وهي وكالة كانت تمولها بغداد بالكامل ـ تفاجأ بوجود رسالة “فاكس” عاجلة تستدعيه للسفر فورا إلى بغداد.. توجس الباهي خيفة من هذا الاستدعاء المفاجئ، وبخاصة أنه لم يمض على عودته من العراق سوى أيام قليلة. أحس برائحة كمين يُطبخ له في دهاليز المخابرات العراقية. واتخذ قرارا شجاعا.. لم يركب الطائرة، بل جلس إلى مكتبه وكتب استقالته وغادر الوكالة بكرامته. ويُقال في الكواليس إن صديقه، نائب رئيس الوزراء العراقي آنذاك طارق عزيز، أرسل إليه إشارة سرية غير مباشرة مع أحد الوسطاء، يحذره فيها من أن مجيئه إلى بغداد في هذا التوقيت يشكل خطرا حقيقيا على حياته.
لكن السؤال الحارق الذي ظل يتردد هو كيف وصلت تفاصيل سهرة خاصة في بيت عالية ممدوح إلى أجهزة أمن بغداد بهذه السرعة القياسية؟
المعلومات الصادمة تفيد بأنه كان يوجد في تلك السهرة شخصان مغربيان: أحدهما كان يُعدّ قطبا من أقطاب النضال الطلابي في السبعينيات، في عز ذروة توهج منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (م.خ).. والثاني كان كاتبا محسوبا على صحافة الاتحاد الاشتراكي (أ.م). هذان الشخصان، وبدلا من أن يستغرقا في النوم بعد انفراط عقد السهرة في الهزيع الأخير من الليل، توجها مباشرة، كل على حدة، لتدبيج تقرير سري استخباراتي مفصل، يشِي بصاحبهما وبموقف الباهي، لتقديمه للجهات التمويلية العراقية مقابل ثمن بخس.
***
قبل أعوام.. لم نكتف بالصمت الذي يلف هذه المأساة، بل اخترنا مواجهة التواطؤ الجماعي بنشر نص حارق حمل عنوان “باهي وزمن القتلة”.. في ذلك النص لم يكن الهدف مجرد رثاء متأخر، بل كان وخزا لإبرة الحقيقة في ضمير الساحة الثقافية والسياسية، إذ أفضت السطور وبجرأة لا تهاب العواقب، عن أسماء صريحة لواحد من المتورطين المباشرين وغير المباشرين في اغتيال الباهي معنويا وجسديا، وتدمير بيئته النفسية حتى قادوه إلى مصحة الموت في الدار البيضاء.
هذه المكاشفة العارية زلزلت عروشا ورقية.. ولم يتأخر الرد الخجول والمذعور خلف الكواليس. لقد أرسل واحد من أولئك القتلة المتورطين عتابا ثقيلا محملا باللوم والعتب الموارب مع أحد الوسطاء. عتابٌ بطعم الدم والإنكار، يعكس ضيق القاتل بمرآة الحقيقة التي كشفت سوأته التاريخية بعد عقود من التخفي.
لكن المأساة الحقيقية التي نعيشها اليوم ليست في الماضي، بل في الحاضر الممتد.. فللأسف الشديد ما زال هؤلاء القتلة يعيشون بيننا. يصولون ويجولون في الصالونات والمنابر والمؤسسات دون حياء أو محاسبة.. والأدهى من ذلك أنهم لم يكتفوا بالتواري، بل بكل وقاحة صفيقة تقدموا الصفوف في المشهد العام ليعلنوا عن أنفسهم بكونهم هم الأبطال الرمزيين والمناضلين الأوفياء والشرفاء الحامين للذاكرة!
إنهم يحاولون إعادة كتابة التاريخ على مقاس أقنعتهم المستعارة، متوهمين أن مرور العقود كفيل بغسل أيديهم من دماء الوشاية والغدر. لكن حقيقة اغتيال محمد الباهي وخيانة نقائه، لا يمكن سترها أو طمسها أبدا، لا بفعل ماض ناقص يُراد به تزييف البدايات، ولا بأخوات “كان” التي تحاول تغيير أحوال الضحايا، ولا بأخوات “إن” التي تُستعمل للتوكيد الكاذب وتزيين الوجوه الشائهة.
***
هذه السنة، تحل الذكرى الثلاثون لرحيل محمد الباهي، كأنها الذكرى الأولى.. فالحبر الذي خطه بنبضه لا يزال حيا، والوشايات التي حيكت ضده لا تزال تُلاحق أصحابها كلعنة أبدية.
إن محاولات القتلة لتنصيب أنفسهم أوصياء على النضال والشرف ستتحطم صخرتها أمام حتمية تدوين الذاكرة الحقة، فالتاريخ قد يمهل لكنه لا يهمل، والتواطؤ قد يطول لكنه يتفتت أمام صرخة الحق.
محمد الباهي باقٍ بنقائه في الدار البيضاء بجوار طيف عبدالله إبراهيم، وفي الجزائر وباريس.. أما هم فسيظلون مجرد هوامش ملوثة في “زمن القتلة”، ولن تسعفهم كل بلاغات التبرير، فالحكم الفصل قد نطق به الوجود منذ الأزل.. ونهاية السردية تؤكد دائما وأبدا.. إن الباطل كان زهوقا.
