الهندسة المخزنية للمشهد الحزبي بالمغرب: من الانقلاب إلى “الهولدينغ السياسي”!

تختزل الذاكرة السياسية المغربية المعاصرة وقائع مفصلية تؤكد، بما لا يدع مجالًا للشك، عمق الهيمنة البنيوية التي فرضتها المؤسسة الملكية على المشهد الحزبي والسياسي في المغرب. هذا التغوّل لم يكن وليد الصدفة، بل جاء استجابةً وتفاعلًا مع هزّات عنيفة تعرّض لها النظام قبل أكثر من نصف قرن من الزمن.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وبعد محاولتي الانقلاب الصاعقتين في 1971 (قصر الصخيرات) و1972 (قصف طائرة البوينغ الملكية)، والانتفاضة المسلحة التي قادتها بعض الفصائل اليسارية الراديكالية في آذار/مارس 1973، أدرك المهندس الحقيقي للسلطة أن البقاء يتطلب سيطرة مطلقة تتجاوز النصوص القانونية الصريحة والدساتير المكتوبة.

هنا برزت تقنية «لغة الإشارات»، وهي آلية سيميائية معقّدة لا تحتاج إلى مراسيم أو ظهائر، بل يكفيها غمزة سياسية، أو «غضبة» عابرة، أو إيماءة بروتوكولية لقلب الموازين داخل القلاع الحزبية. في هذا السياق، لا يمكن إغفال حقيقة أن الزعيم الاتحادي عبد الرحمن اليوسفي كان أول من فكّك شيفرات هذه اللغة علنًا، واصفًا إياها بأنها الناظم الحقيقي للعلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب في المغرب.
لقد قدّم اليوسفي نفسه كسيميائي ولساني خبير في فك طلاسم هذه الإشارات، محاولًا تطويعها لبناء انتقال ديموقراطي هادئ، لكن التجربة أثبتت له أن «لغة الإشارات» المخزنية لغة غير خاضعة لمعايير منطقية أو قواعد ثابتة يمكن التكهن بها؛ فهي لغة متقلّبة بقرار من «المؤلف»، وهو ما أدركه اليوسفي متأخرًا حين طوّحت به تلك الإشارات خارج أسوار المجال السياسي، ودفعته إلى اعتزال السياسة بمرارة عقب انتخابات 2002، معلنًا خروجًا اضطراريًا من منهجية لم يعد يمتلك مفاتيحه.

صناعة الأحزاب!

محاصرة مبنى الاذاعة خلال انقلاب 1971

في عام 1974، وبينما كان حزب الاستقلال يلملم جراحه عقب رحيل زعيمه التاريخي علال الفاسي، اتجهت كل التوقعات نحو المهندس محمد الدويري لوراثة الأمانة العامة. لكن الملك الراحل الحسن الثاني، بعبقريته في إدارة الرموز، أصدر إشارة مشفّرة التقطتها الرادارات الاستقلالية فورًا، مفادها أن وزيره السابق غير مرغوب فيه في هذا المنصب الحسّاس. هكذا، وفي لحظة امتثال جماعي، مهّدت الإشارة الطريق للمحامي محمد بوستة لتولّي المهمة من دون أدنى منافسة، في مشهد كشف مبكرًا أن القرار الحزبي الحقيقي يُصنع خارج أسوار المقرّات الحزبية.

هذه الواقعة التاريخية لم تكن سوى واجهة لاستراتيجية مخزنية مزدوجة الأبعاد: صناعة أحزاب إدارية من العدم لتأثيث المشهد، وتدجين الأحزاب التاريخية لضمان بقائها تحت السقف المرسوم.
ولعل تجربة تأسيس حزب الاتحاد الدستوري تظل النموذج السيميائي الأبرز لهذه الصناعة؛ فقد وُلد هذا الكيان تحت الرعاية المباشرة للمستشار الملكي أحمد رضا اكديرة، وبقيادة الاتحادي السابق المعطي بوعبيد. والمثير في هذه التجربة هو السرعة الفائقة التي «نضج» بها الحزب، إذ تصدّر الانتخابات التشريعية بعد ثلاثة أشهر فقط من ولادته القيصرية، وهو ما دفع الشارع المغربي، بذكائه الفطري، إلى إطلاق لقب «حزب كوكوت مينوت» عليه.

اتّضح أن طنجرة الضغط السياسية هذه تطهو الوجبات الانتخابية في دقائق معدودة، وقدّمت للنظام أغلبية مطيعة منزوعة الإرادة، ومستعدة للمصادقة على أي توجه دون نقاش. هذه الوجبة السياسية استلذّها النظام كثيرًا، وظل يستنسخ مقاديرها وبهاراتها عند كل منعطف تاريخي لضمان تحكّمه في مفاصل التمثيلية الشعبية.

الحزب – الدرع السياسي للنظام

وفق مقولة كارل ماركس الشهيرة بأن «التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة»، شهد عهد الملك محمد السادس استنساخًا مطوّرًا لهذه الآليات. فمثلما وجد الحسن الثاني في صديقه ومستشاره أحمد رضا اكديرة الأداة لتأسيس «جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية» (الفديك) عام 1963 لمواجهة المد القومي واليساري، جاء صديق الملك الحالي ومستشاره فؤاد عالي الهمة ليؤسّس حزب الأصالة والمعاصرة «البام» للمهمة نفسها!
لم يكن ميلاد «البام» مجرد إضافة رقمية للمشهد، بل جُلب كأداة وظيفية لمواجهة المد الإسلاموي المتصاعد آنذاك، وذلك بعد أن تم إخضاع المعارضة اليسارية البرلمانية وترويضها داخل سياق ما سُمّي بـ«التناوب التوافقي».
هكذا، بُني حزب فؤاد عالي الهمة عبر تجميع شتات أحزاب مجهرية، جميعها كانت في ركاب الموالاة، وجرى تلقيحها بنخبة من قدماء اليساريين وضحايا سنوات الرصاص، ليقوم «الوافد الجديد»، كما سمّته الصحافة الاتحادية، بمهمة الدرع السياسي للنظام في مواجهة الخصوم الجدد.

كان «البام» قاب قوسين أو أدنى من تولّي رئاسة الحكومة في 2011، لولا الهبّة المفاجئة لـ«انتفاضة 20 (شباط) فبراير» التي فرضت سياقًا جديدًا مالت فيه الكفة لصالح حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلاموية. لكن «الذكاء المخزني» لم يتخلَّ عن ورقة المستشار الأول، بل أرجأها إلى انتخابات 2021، حيث عاد الحزب ليتصدّر المرتبة الثانية ويشارك في التحالف الثلاثي الحالي، مؤكدًا أن الإشارة قد تتأخر لكنها لا تخطئ هدفها.

الهولدينغ السياسي

محاكمة مشاركين في انقلاب الصخيرات

في العهد الحالي، انتقلنا من منطق الحزب الإداري التقليدي إلى منطق «الهولدينغ السياسي»، حيث جرى تحويل الأحزاب إلى مقاولات وظيفية مندمجة ضمن «شركة أم» ضخمة تعمل في خدمة النظام وتثبيت أركانه الاقتصادية والسياسية. ضمن هذه الرؤية، جُلب التكنوقراط الاقتصادي صلاح الدين مزوار ليقود حزب التجمع الوطني للأحرار، حزب أحمد عصمان، صهر الملك الراحل، ثم سُرعان ما استُبدل مزوار، عقب انتخابات 2016، برجل الأعمال عزيز أخنوش.

أخنوش، الوافد الذي لا تجمعه بحزب الأحرار وشائج تنظيمية، قفز إلى القيادة بقرار فوقي ليجسّد النموذج الأرقى لزواج السلطة بالمال. أدار أخنوش الحكومة بعقلية المدير التنفيذي والباطرون، لا رئيس الوزراء السياسي، حيث حشد موظفي شركاته وتكنوقراطييه في مفاصل الدولة، مخلّفًا حصيلة وسمتها التقارير باستباحة المال العام. ولعل ملف مليارات المحروقات المنهوبة، التي كشفها تقرير مجلس المنافسة برئاسة إدريس الكراوي، يظل الشاهد السيميائي الأكبر على هذا التغوّل، حيث كانت المكافأة هي الإقصاء والإبعاد لمن كشف الحقيقة، في رسالة واضحة لكل من سوّلت له نفسه العبث بمصالح «الهولدينغ».

إقرأ على موقع 180  "ميدل إيست آي": إيران على "عتبة النووي".. كيف تتصرف أميركا؟

ضمن هذا السياق المعقّد، تبرز واقعة نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، كشهادة على حدود المسموح به في لغة الإشارات. ففي العام 2016، تجرّأ بنعبد الله على انتقاد ما وصفه بـ«التحكّم»، تلك الآلية التي تطوّع القرار الحزبي. لقد كان منطلقه سياسيًا بامتياز، ولعل خلفية نبيل بنعبد الله كمترجم محلّف هي التي دفعته إلى محاولة ترجمة الإشارات المخزنية وتصحيح هنّاتها المرفوضة شعبيًا.
أدرك بنعبد الله، بحدس المترجم، أن التحكّم يحوّل المؤسسات إلى هياكل كرتونية، لكن المؤلف الرئيسي للخريطة السياسية لم يستسغ هذه الترجمة. فجاء الرد عبر بيان حازم من الديوان الملكي، تلاه قصف إعلامي شرس كاد أن ينهي المسار السياسي لبنعبد الله.
كانت تلك هي الرسالة الأقوى: يمكنك أن تقرأ الإشارة، لكن يُمنع عليك ترجمتها علنًا للجمهور. ففي هذا النظام، الوضوح جريمة، والغموض هو الملاذ الوحيد للبقاء.

العين الغاضبة

الآن، تبدو نتائج انتخابات 2026 وكأنها حُسمت سلفًا بفضل «الذكاء المخزني» الذي يتفوّق على خوارزميات الذكاء الاصطناعي. لقد بلغت هندسة المشهد مداها حين استقالت الأحزاب من أدوارها في المعارضة والاقتراح، وأصبح قادتها يتسابقون للادعاء بأن «برنامجهم هو البرنامج الملكي».
ولعل قمة هذا الاستلاب تتجسّد في التصريح السريالي لإدريس لشكر، الكاتب الأول (والدائم) للاتحاد الاشتراكي، حين أطلّ ذات مرة من شاشة القناة الثانية ليعلن بأن حزبه يمثّل الملك في المعارضة («احنا معارضة ديال صاحب الجلالة نصره الله»).
إنها المفارقة التي تلخّص بؤس المشهد، فالمعارضة التي كانت تاريخيًا صوت الشعب ضد تغوّل السلطة، أصبحت اليوم تطلب تفويضًا من السلطة لتمثيلها في المعارضة!

كل الإشارات تفيد بأن الضوء الأخضر قد مُنح لأخنوش ليتنحّى قبل استحقاق 2026، والمقاول البراغماتي الذي أدرك احتراق ورقته استجاب بسرعة، وهو يستعد للمغادرة بابتسامة الواثق وبضمانات عدم الحساب أو المساءلة.
لكن، وبخلاف وصوله ممتطيًا صهوة التعيين، يغادر اليوم مترجّلًا بإشارة صدرت عن «عينٍ غاضبة».
وللمتوهمين نقول: لن يتغير في الجوهر شيء. استقالة عزيز أخنوش أو استمراره ليست سوى «إعادة ترتيب تقني» في مكاتب “الهولدينغ”. فالدولة تمتلك محرّكاتها الخاصة، ويسيرها الفاعل الحقيقي من خلف الستار، ومن أسماء تلك المحركات: حكومة الظل.
إن الوجبة المطهية على طنجرة المخزن القديمة تظل دائمًا هي الألذ في ذائقة النظام، مهما تغيّر الطهاة.
شهية طيبة للمستفيدين والمحظوظين على المائدة الباذخة، ولا عزاء لفاقدي حاسة الشم والتذوّق السياسي الذين صدّقوا سراب التغيير من الداخل.
أما الجوعى الحقيقيون، فلا مكان لهم في هذه الولائم والمآدب السياسية التي تُقام فوق أنقاض الإرادة الشعبية.

 

مصادر ومراجع للاستزادة:

  • عبد الرحمن اليوسفي: أحاديث فيما جرى (سيرة ذاتية)، الجزء الثالث، دار النشر المغربية – الدار البيضاء، 2018. (لمراجعة مفهوم “لغة الإشارات” وعوائق الانتقال الديمقراطي).
  • نبيل بنعبد الله: بيان الديوان الملكي حول تصريحات الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أيلول/سبتمبر 2016. (الأرشيف الصحفي لوكالة المغرب العربي للأنباء).
  • محمد طوزي: الملكية والإسلام السياسي في المغرب، نشر “الفنك”، الدار البيضاء، 2001. (لتحليل هندسة الحقل الديني والسياسي).
  • عبد الله حمودي: الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الرابعة 2010. (لفهم آليات الولاء والتحكم).
  • عبد اللطيف اكنوش: التاريخ السياسي للمغرب المعاصر: آليات إنتاج النخب، الدار البيضاء، 1987. (حول نشأة أحزاب “الفديك” والاتحاد الدستوري).
  • مجلس المنافسة (المملكة المغربية): تقرير حول الممارسات المنافية للمنافسة في سوق المحروقات، إشراف إدريس الكراوي، الرباط، 2020.
  • البرلمان المغربي: تقرير المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول كيفية تحديد أسعار البيع للعموم وحقيقة شروط المنافسة في قطاع المحروقات، أيار/مايو 2018.
  • محمد لومة؛ سنوات الرصاص في المغرب: محاولات الانقلاب والانتفاضات المسلحة، سلسلة منشورات الذاكرة التاريخية – 2004.
  • المهدي بن بركة: الاختيار الثوري في المغرب، (حول الصراع بين السلطة المركزية والحركة الوطنية)، بيروت -دار الطليعة، 1966. 
  • عبد الرحيم بوعبيد: “كتابات ومواقف” (حول صراع الاتحاد الاشتراكي مع النظام).
  • أرشيف حزب الاستقلال: حول وفاة علال الفاسي عام 1974 وتولي امحمد بوستة الأمانة العامة. مؤسسة علال الفاسي، الرباط.
  • كارل ماركس: الثامن عشر من بروميير – لويس بونابرت (لفهم جدلية تكرار التاريخ بين المأساة والمهزلة).
  • رولان بارت: في علم السيميائيات (لفهم دلالات “الإشارة” والرموز في الفضاء العام).
Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "ميدل إيست آي": إيران على "عتبة النووي".. كيف تتصرف أميركا؟