لبنان.. من توازن الطوائف إلى “إيتيقا المواطنة”

في كل مرة يخرج فيها لبنان من حرب أو أزمة كبرى، يتجه النقاش العام نحو الأسئلة الأمنية والعسكرية: من انتصر ومن خسر؟ وما هي موازين القوى الجديدة؟

غير أن التجربة اللبنانية الطويلة تكشف حقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالحروب في لبنان ليست أبدًا صراعات داخلية خالصة، بل هي ساحات لصراعات إقليمية ودولية تجد في البنية الطائفية اللبنانية أرضًا خصبة لها. فالنظام السياسي القائم على المحاصصة يجعل من السهل تسليح الجماعات، وتجييشها، وتحويلها إلى وكلاء محليين في حروب الآخرين. لذا، فإن وقف إطلاق النار قد يوقف الرصاص، لكنه لا يوقف المنطق الذي ينتج الحرب.

واليوم، مع تزايد الحديث عن تفاهمات إقليمية ودولية قد تفضي إلى تهدئة طويلة الأمد في لبنان والمنطقة، يبدو السؤال الأكثر إلحاحًا هو: ماذا بعد هذا الهدوء؟ وهل تنتهي الحروب فعلًا عندما يصمت السلاح؟ إذا كان ممكنًا الوصول إلى تسوية حول الحدود أو السلاح أو النفوذ، فهل تمت معالجة السؤال الأساسي الذي رافق لبنان منذ نشأته الحديثة عما إذا يمكن للهوية السياسية أن تجمع اللبنانيين في مشروع وطني واحد؟

ليست الأزمة اللبنانية أزمة حكومة أو رئاسة أو قانون انتخاب فحسب، بقدر ما هي أزمة تصور للعيش المشترك. ولذلك فإن أي حديث عن المستقبل يبقى ناقصًا ما لم يُطرح سؤال الهوية السياسية بوصفه المدخل الحقيقي لبناء الدولة.

منذ تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، نشأ الكيان اللبناني على أساس تعددية دينية وثقافية واسعة. وقد بدا هذا التنوع في البداية مصدر غنى حضاري، لكنه تحول تدريجيًا إلى أساس لتوزيع السلطة والشرعية السياسية. وهكذا ولد لبنان كدولة حديثة (عام 1920)، لكنه أُسِّس بنظام سياسي ما قبل حديث يقوم على التمثيل الطائفي.

في هذا السياق، تأسست الدولة على مفهوم الجماعة الطائفية لا على مفهوم المواطن الفرد. فالانتماء إلى الطائفة سبق الانتماء إلى الدولة، وأصبحت السلطة تُقرأ من خلال مَن يحكم لا كيف تُحكم الدولة.

من هنا نشأت معضلة مزمنة، فكلما شعرت جماعة بأنها فقدت موقعها في السلطة، ظهر شعور بالتهديد الوجودي؛ وكلما تعزز نفوذ جماعة أخرى، بدا الأمر وكأنه انتصار لهوية على أخرى. بمعنى آخر، لم تعد السياسة مجالًا لإدارة الشأن العام، وإنما تحولت إلى إدارة دائمة لمخاوف الجماعات.

قد توقف التفاهمات الإقليمية الحرب، لكنها لا تبني دولة. ولن تبنى الدولة اللبنانية إلا بالانتقال من منطق الطائفة إلى منطق المواطنة، ومن توازن الهويات إلى إيتيقا المسؤولية المشتركة

مراكز القوة تتغير

عند النظر إلى التاريخ اللبناني الحديث، يمكن ملاحظة انتقال مراكز الثقل السياسي بين الطوائف المختلفة. ففي مرحلة ما قبل الحرب الأهلية، كان الحضور الماروني يشكل المركز الأساسي للنظام السياسي. وبعد اتفاق الطائف (1989)، تعزز الدور السنّي في إدارة السلطة التنفيذية ورسم السياسات العامة. أما العقود الأخيرة، فقد شهدت تصاعد الحضور الشيعي بوصفه لاعبًا أساسيًا في المعادلة الداخلية والإقليمية. لكن يبقى السؤال حول ماذا أنتجت هذه التحولات؟

لقد تغيرت مراكز القوة، لكن منطق النظام نفسه لم يتغير. فالسلطة انتقلت من مركز طائفي إلى مركز طائفي آخر، فيما بقيت الدولة عاجزة عن التحول إلى فضاء سياسي مشترك يتجاوز الانتماءات الأولية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى، إذ جرى تداول النفوذ، لكن لم يتم تداول مفهوم الدولة. ولم تكن المداورة سياسية فقط، بل اقتصادية أيضًا. حيث سعت كل طائفة لامتيازات مالية وإدارية، ولإعادة إنتاج شبكات الزبائنية السياسية، لا لبناء سوق وطني عادل.

أيضًا هناك بُعد آخر أكثر تعقيدًا. فالنظام الطائفي في لبنان ليس مجرد نظام لتوزيع السلطة، على العكس، هو غطاء لرأسمالية المحاصصة. فغالبًا ما تحوّل كل زعيم طائفي  إلى إمبراطور اقتصادي يسيطر على مؤسسات مالية، وشركات استيراد، ومرفقات عامة كمرفأ بيروت، ومطار رفيق الحريري، ومؤسسة كهرباء لبنان. فتعيش هذه الإمبراطوريات على الفساد، وعلى استمرار غياب الدولة العادلة. فالدولة الضعيفة هي التي تسمح لهذه الإمبراطوريات بالنهب من دون محاسبة.

وعليه، فإن أي مشروع لإصلاح لبنان لا يمكن أن يمر دون مواجهة مباشرة لهذه المافيا السياسية-الاقتصادية التي تستخدم الطائفة كدرع، وتستخدم الدولة كمصدر لتمكين النفوذ.

إعادة توزيع الحصص

في هذا السياق تستمد الطبقة السياسية شرعيتها من خلال استمرار الأزمة. فتبرر دوام الأزمة الاستثناءات، وتبرر السلاح، وتبرر غياب المحاسبة. لذا، فإن السؤال الأول الذي يجب طرحه قبل أي حديث عن المواطنة كيف يمكن كسر احتكار هذه الطبقة للقرار؟ وهل يكفي الوعي الأخلاقي، أم أننا بحاجة إلى حركة اجتماعية – سياسية تمارس ضغطًا حقيقيًا؟

قد تنجح التسويات عادة في إيقاف الصراع، لكنها بالتأكيد تفشل في إزالة أسبابه. والسبب أن التسويات اللبنانية الكبرى (من الطائف 1989، إلى اتفاق الدوحة 2008، إلى التسويات الأخيرة) صُممت في الأساس خارج لبنان، بواسطة رعاة إقليميين ودوليين. وكان همّ هؤلاء الرعاة هو تثبيت نفوذهم، لا بناء دولة لبنانية قوية. لذلك، كانت التسويات أشبه بـ”وقف إطلاق النار” في جبهة، مقابل “تعزيز النفوذ” في جبهة أخرى. أما الأسئلة الجوهرية عن هوية الدولة، وعن الاحتكار الشرعي للسلاح، وعن محاربة الفساد، فتركت جانبًا لأنها كانت تزعج الرعاة أنفسهم.

وهكذا، تحولت التسويات إلى مجرد إعادة توزيع للحصص: رئاسة الجمهورية للموارنة، رئاسة الوزراء للسنة، رئاسة المجلس للشيعة. بينما بقيت الدولة نفسها أسيرة المحاصصة. وعندما يفشل هذا التوازن الهش، كما حصل في 1975، أو 2005، أو 2019، يعود الجميع إلى المربع الأول، لأن الصراع لم يكن على كيفية إدارة الدولة، وإنما على أي طائفة تتحكم في مفاصل النهب.

“إيتيقيا المواطنة”

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا، لماذا فشلت كل التسويات اللبنانية المتعاقبة في إنتاج دولة مستقرة برغم نجاحها المتكرر في وقف الحروب؟ يبدو أن المشكلة تكمن فقط في غياب تصور مشترك لمعنى الانتماء الوطني ذاته. فالتسويات عالجت مظاهر الأزمة من خلال إعادة تنظيم موازين القوى، لكنها لم تمسّ الأساس الذي تتوالد منه الأزمة باستمرار، أي العلاقة بين اللبنانيين أنفسهم. أتت التسويات لتتعامل مع الطوائف باعتبارها وحدات سياسية مكتملة، لكنها لم تنجح في بناء فضاء وطني يجعل من المواطن مرجعية سابقة على الجماعة. ومن هنا، فإن البحث عن مخرج للأزمة اللبنانية لا يمكن أن يقتصر على الإصلاحات الدستورية أو الترتيبات الأمنية فقط، وإنما من خلال استدعاء لإعادة التفكير في الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها العيش المشترك. فحين تعجز السياسة عن إنتاج وحدة وطنية، يصبح من الضروري العودة إلى السؤال الأخلاقي: كيف يمكن للّبناني أن يرى في الآخر شريكًا في الوطن لا منافسًا على السلطة؟ عند هذه النقطة بالذات تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ“إيتيقا المواطنة”. والمقصود بالمواطنة هنا ليس المعنى القانوني الضيق الذي يربط الفرد بالدولة عبر الحقوق والواجبات فقط، وإنما الانتقال من مجرد عقد سياسي إلى التزام أخلاقي متبادل بين المواطنين.

إقرأ على موقع 180  أوروبا: فضيحة "إيشلون" التلقيحية.. أبطالها ثلاثة!

فيصبح المواطن مواطنًا حقيقيًا فقط عندما يعترف بكرامة الآخر وحقه في الاختلاف والمشاركة. فالآخر ليس خصمًا يجب احتواؤه أو إلغاؤه، لأنه شرط وجودي لبناء الذات نفسها. وعندما تنتقل هذه الفكرة إلى المجال السياسي، يصبح الانتماء الوطني قائمًا على المسؤولية المتبادلة، لا على الخوف المتبادل.

يتجاوز هذا المفهوم النظريات التقليدية للعقد الاجتماعي التي تؤسس المواطنة على المصالح. بدلاً من ذلك، ينطلق من فكرة أن الذات لا تتشكل إلا من خلال مسؤوليتها تجاه الآخر. فالآخر ليس تهديدًا لهويتي، وإنما هو الذي يستدعيني إلى الوجود الأخلاقي. في الحالة اللبنانية، هذا يعني أن الماروني لا يكون مارونيًا حقيقيًا إلا من خلال مسؤوليته تجاه السنّي أو الشيعي، وليس عبر تحصين هويته ضده. كذلك الأمر عند السنّي والشيعي.

لا تبنى الهوية الوطنية عبر محو الاختلافات، وإنما من خلال جعلها جزءًا من فضاء أخلاقي وسياسي أوسع، حيث يصبح الاختلاف مصدر غنى وليس تهديدًا. قد ينجح الاتفاق الأميركي–الإيراني في تخفيف التوترات الإقليمية، وقد تنجح المفاوضات في تثبيت الحدود ووقف المواجهات العسكرية. لكن مستقبل لبنان سيتحدد بما يكتبه اللبنانيون في تصورهم لأنفسهم ولدولتهم

بهذه المرتكزات، تخرج “إيتيقا المواطنة” من كونها شعارًا سياسيًا إلى كونها نظرية لبنانية-عربية جديدة في تأسيس المجال السياسي، تصلح لأن تكون نموذجاً لدول ما بعد النزاع الهوياتي.

المواطنة الأخلاقية

غير أنه يمكن لهذا التأصيل للمواطنة الأخلاقية أن يكون ساذجًا إزاء تعقيدات السلطة. فهذه النظرة الأخلاقية تقدّم لنا أفقًا، لكنها لا تقدّم لنا نظرية في كيفية التعامل مع مَن يرفضون هذا الأفق أصلًا. فماذا نفعل مع الزعيم الطائفي الذي يرى في استمرار المحاصصة مصلحة شخصية له؟ وماذا نفعل مع القوى الإقليمية التي تستخدم الطائفية كورقة ضغط في صراعاتها؟

هنا لا بد من الإقرار بأن المواطنة الأخلاقية ليست حلًا سحريًا، إذ أنه مشروع طويل الأمد، يحتاج إلى رافعين أساسيين:

  • رافِع سياسي-قانوني، يتمثل في إصلاح النظام الانتخابي عبر نسبية كاملة ودوائر صغيرة، وفي كشف الفساد المالي عبر هيئات رقابية دولية-محلية مستقلة، وفي تجريد الزعامات السياسية من امتيازاتها الاقتصادية.
  • رافِع إقليمي، يتمثل في حوار عربي-دولي واضح حول تحييد لبنان، مع شرط أساسي لعدم شرعية أي سلاح خارج إطار الدولة، وإلزام كل الأطراف الإقليمية بالاعتراف بأن لبنان ليس ساحة حرب، بل دولة ذات سيادة.

من دون هذين الرافعين، تبقى المواطنة الأخلاقية أخلاقًا جميلة في مجتمع لا يقرؤها، أو يقرؤها لكنه لا يستطيع تطبيقها تحت وطأة سلاح خارجي وفساد داخلي.

ولكن كيف تنعكس “إيتيقا المواطنة” في الحالة اللبنانية؟

تعني هذه المواطنة في التطبيق الملموس:

  • الانتقال من منطق الجماعات إلى منطق الأشخاص حيث لا يُسأل المرشح عن طائفته بل عن برنامجه في محاربة الفساد.
  • أن تكون الكرامة الإنسانية أساس الشرعية السياسية في حق السكن، التعليم، العلاج، والعمل فوق أي حسابات نفوذ طائفي.
  • بناء مؤسسات ترى في الفرد مواطنًا قبل أن تراه عضوًا في جماعة دينية أو مذهبية، من خلال إلغاء التمثيل الطائفي في الوظائف العمومية تدريجيًا.
  • إعادة تعريف الهوية اللبنانية بوصفها مشروعًا مفتوحًا للعيش المشترك، لا مجرد توازن هش بين مكونات متجاورة.

فلا تبنى الهوية الوطنية عبر محو الاختلافات، وإنما من خلال جعلها جزءًا من فضاء أخلاقي وسياسي أوسع، حيث يصبح الاختلاف مصدر غنى وليس تهديدًا. قد ينجح الاتفاق الأميركي–الإيراني في تخفيف التوترات الإقليمية، وقد تنجح المفاوضات في تثبيت الحدود ووقف المواجهات العسكرية. لكن مستقبل لبنان سيتحدد بما يكتبه اللبنانيون في تصورهم لأنفسهم ولدولتهم.

دولة القانون

نعم، الأزمة اللبنانية في جوهرها أزمة مواطنة. لكن لا يمكن اختزالها إلى أخلاقيات فقط؛ هي أزمة سلطة، وثروة، وسيادة. لا يمكن أن ينجح المشروع الأخلاقي ما لم يُقرن بمشروع سياسي-اقتصادي واضح. لذلك، يتحدد مستقبل لبنان بقدرتهم على كسر ثلاث دوائر مغلقة:

  • كسر دائرة السلاح الخارجي عبر تفكيك شرعية أي سلاح لا يخضع للدولة، وإعادة تعريف “المقاومة” بما لا يتعارض مع سيادة الدولة.
  • كسر دائرة الفساد السياسي عبر كشف ثروات النخبة الحاكمة، ومحاسبتها، وفصل الإمبراطوريات الاقتصادية عن المناصب السياسية.
  • كسر دائرة التدخل الإقليمي عبر بناء توافق داخلي ينطلق من المصالح اللبنانية أولًا، ويجعل لبنان فاعلًا في محيطه لا مفعولًا به.

لكن يبقى السؤال الأكثر إيلامًا حول استعداد القوى اللبنانية الفاعلة (محليًا وإقليميًا) للتخلي عن امتيازاتها الطائفية مقابل دولة القانون؟ هنا، الإجابة غير مضمونة، لكن الطريق يبدأ باعتراف صادق بأن المشكلة في جوهرها هي بنيوية، اقتصادية، وجيوسياسية. فإما أن ننتقل من توازن الخوف إلى تضامن المسؤولية، وإما أن نبقى أسرى الدورة الأبدية: حرب، تسوية، هدنة، ثم حرب جديدة. قد توقف التفاهمات الإقليمية الحرب، لكنها لا تبني دولة. ولن تبنى الدولة اللبنانية إلا بالانتقال من منطق الطائفة إلى منطق المواطنة، ومن توازن الهويات إلى إيتيقا المسؤولية المشتركة.

وعليه فالسؤال الأكثر جدية وضرورة للبحث فيه عما إذا كان اللبنانيون ما زالوا يريدون دولة أصلًا؟ عندها فقط، يصبح لبنان نموذجًا في منطقة لا تزال أسيرة الأنظمة الأبوية. وإلا، فستبقى المواطنة الأخلاقية نداءً جميلًا في وادٍ لا يسمعه أحد.

Print Friendly, PDF & Email
يوسف أيوب

كاتب وأكاديمي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  المعنى شرط الدولة والسلطة.. انكشاف أزمة الشرعية في العالم العربي