صباح الأحد الماضي، توقع هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، انضمام مصر إلى الاتفاق قريباً، «لأنها شريك طبيعي لنا في جميع القضايا، وفي المرحلة المقبلة ستكون موجودة بيننا، بمجرد إنجاز بعض المسائل الفنية».
لكن، ومن خلال اتصالات مع مصادر متنوعة، فإن القول إن الأمر يقتصر على «المسائل الفنية» فقط ليس دقيقاً.
من يتابع السياسة الخارجية المصرية منذ عقود طويلة، وخصوصاً منذ ثورة يوليو 1952، يدرك أن لمصر مواقف ثابتة من فكرة المحاور والأحلاف العسكرية، وقد دفعت ثمناً باهظاً بسبب هذه المواقف في مواجهة قوى كبرى عديدة.
مصر أكبر من أن يتم استبعادها من هذا المحور أو ذاك، بل إن الجميع يريدها في صفه. والأدق أن مصر اعتادت أن تدرس خطواتها بهدوء وتؤدة.
وفي الملف المطروح، تفعل مصر ذلك منذ عام كامل تقريباً، قبل أن تُقدم على اتخاذ أي خطوة في هذا الطريق.
شاركت مصر بفاعلية في آلية التنسيق الرباعي التي تضم، إلى جانبها، دول التحالف الثلاث: السعودية وتركيا وباكستان، وقد استضافت القاهرة الاجتماع قبل الأخير لهذه الآلية في 21 يونيو/حزيران الماضي. وقد كتبت وقلت إن هذه المنصة أكبر من مجرد تعاون، لكنها ليست محوراً أو تحالفاً، وكان هذا التأكيد خلاصة استنتاج توصلت إليه من محادثة طويلة مع مسؤول مصري.
وبالتالي، حين تتحول المنصة من التنسيق السياسي إلى التحالف العسكري، فمن المهم أن يخضع الأمر، مصرياً، لدراسة شاملة من جميع الجوانب. وهذه المبادئ المصرية معروفة لدى جميع دول المنطقة. وحتى حين طرحت مصر «فكرة القوة العربية المشتركة»، كانت المظلة هي جامعة الدول العربية، خصوصاً أن هناك «معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية»، التي وُقّعت في القاهرة في 17 يونيو/حزيران 1950.
انطلاقاً من المبادئ السابقة، تبقى كل الخيارات المصرية مطروحة فيما يتعلق باتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. ومن الطبيعي أن تكون هناك دراسة دقيقة، فالمنطقة تعيش حالة حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فيما تشهد دول خليجية والأردن هجمات وتهديدات مرتبطة بهذه المواجهة.
وبالتالي، فالمنطق يقتضي التريث الكامل قبل الإقدام على أي خطوة في ظل هذه الأجواء الملغومة، التي تريد أطراف في المعسكرين المتحاربين جر مصر والمنطقة بأكملها إلى هذا الصراع. ويمكن قراءة الهجوم على ميناء دمياط في سياق المخاطر التي تفرضها محاولة توسيع رقعة المواجهة.
وحين تُقدم مصر على اتخاذ قرار كبير من هذا النوع، فمن المهم أن تسبقه دراسات دستورية وقانونية، وأن يخضع، حيث تقتضي النصوص الدستورية والقانونية، للموافقات البرلمانية اللازمة، خصوصاً في ظل وجود مكون عسكري ودفاعي في الاتفاق.
ثم إن مصر تقوم بدور وساطة في الأزمة الحالية. فهي ضد الحرب عموماً، لكنها أيضاً تقف مع شقيقاتها العربيات ضد أي هجوم تتعرض له. وبالتالي، فمن المهم أن تكون كل الخطوات مدروسة بدقة، بما يحقق استقرار المنطقة ويحافظ، في الوقت نفسه، على المصالح المصرية، وبما لا يضر بالأمن القومي العربي.
فليس من مصلحة مصر الدخول في صراع مع أي طرف، لكنها ستدافع عن أمنها الوطني والقومي بكل السبل. وهي تفضل، في معظم الأحيان، الحفاظ على مساحة للحركة والتوازن بين مختلف الأطراف، بدلاً من الانضمام إلى محاور محددة قد تحد من قدرتها على المناورة.
قد تتحمس مصر للتنسيق في إطار المنصة الرباعية، لكنها ستفكر كثيراً إذا تحول الأمر إلى تحالف عسكري يرتب عليها واجبات ومسؤوليات ينبغي دراستها بدقة، خصوصاً أن أحد مبادئ السياسة المصرية هو التأني الشديد قبل إرسال أي قوات إلى الخارج، ناهيك عن خوض صراعات مسلحة. وبالتالي، فقد لا تنضم إلى أي ترتيبات من هذا النوع إلا بعد توقف الحرب بصورة نهائية.
وقبل الختام، ولمن لم يتابع القضية من بدايتها، فإن كلاً من السعودية وتركيا وباكستان وقّعت اتفاقية مكة للدفاع المشترك يوم الجمعة الماضي. وقال الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، إن الاتفاق يستند إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الوثيق، ويهدف إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء.
وطبقاً لتصريحات مسؤولي الدول الثلاث، فإن أي اعتداء على إحدى الدول الأعضاء يُعد اعتداءً على الدول الأخرى.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
