صيف 2006.. عندما توهم حلوتس بهزيمة حزب الله بالحرب الجوية (119)

من واقعة أسر الجندي جلعاد شاليط عند تخوم قطاع غزة في حزيران/يونيو 2006 إلى أسر جنديين إسرائيليين في عملية خلة وردة عند تخوم بلدة عيتا الشعب في جنوب لبنان في تموز/يوليو 2006، يروي الكاتب رونين بيرغمان في هذا الفصل من كتابه "انهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية" كيف كان مفعول هاتين العمليتين قاسياً على الدولة العبرية وكيف رفع معنويات ما يسميها "جبهة التشدد".

يقول رونين بيرغمان إنه في أكتوبر/تشرين الأول 2000، وبأوامر من القيادي في حزب الله عماد مغنية، خطفت وحدة خاصة من حزب الله ثلاثة جنود “إسرائيليين” كانوا في عداد دورية عند الحدود “الإسرائيلية” ـ اللبنانية، وكي تستعيد “إسرائيل” جنودها الأسرى، إضطرت للقبول باتفاق مذل لتبادل الأسرى مع حزب الله. وكان من بين الذين جرى الافراج عنهم أسرى من “حركة الجهاد الإسلامي” سرعان ما عاودوا نشاطاتهم “الإرهابية” فور عودتهم إلى قطاع غزة و”شنّوا هجمات انتحارية مرعبة”. هؤلاء الأسرى تمكنوا من إدارة ثماني هجمات انتحارية قتل فيها 39 مدنياً قبل أن يتمكن جهاز “الشين بيت” والجيش “الإسرائيلي” من قتلهم أو اعتقالهم مرة أخرى.

وفي 25 يونيو/حزيران 2006، يقول بيرغمان، “خرج سبعة مقاتلين من حركة حماس من نفق كانوا قد أمضوا شهوراً طويلة في حفره سراً من قلب قطاع غزة مروراً تحت السياج الحدودي وصعوداً إلى قرية “إسرائيلية” قريبة من الحدود. وفي عملية جريئة زحفوا خلف معسكر للجيش “الإسرائيلي” فقتلوا جنديين وسحبوا ثالثاً، هو جلعاد شاليط. وفي طريق عودتهم إلى غزة، قاموا بتعليق سترته الواقية على السياج بين غزة و”إسرائيل” في رسالة تحدٍ. وقد فشل كل من “الشين بيت” والجيش “الإسرائيلي” في تحديد موقع شاليط مع العلم أن جهازي “الشين بيت” و”أمان” كانا عادة فعّالين بصورة استثنائية في جمع المعلومات وتنفيذ العمليات في غزة، ولكن الارشادات التي تلقتها حركة حماس من الاستخبارات الإيرانية أثبتت فعاليتها، فعلى مدى خمس سنوات من أسر شاليط عجزت “إسرائيل” عن معرفة مكان إحتجازه”.

ويتابع بيرغمان، “في الوقت الذي نُفِّذت فيه هذه الغارة، كانت حركة حماس قد أصبحت مؤسسة حكومية ناضجة؛ فقبل ستة أشهر وبدعم إيراني ربح الجناح السياسي للحركة الانتخابات التشريعية الفلسطينية. وقام إسماعيل هنية رئيس الوزراء المنتخب ـ الذي سبق أن نجا من عدة محاولات “إسرائيلية” للنيل منه ومن ضمنها إستهداف اجتماع لقيادة الحركة عام 2003 (في عملية فريق الحلم) ـ برحلة إلى طهران حيث نال وعداً بمساعدة تُقدَّر قيمتها بنحو 250 مليون دولار فصرح خلال الزيارة “أن إيران تشكل العمق الإستراتيجي الفلسطيني”. وقال “إننا لن نعترف بالكيان الصهيوني وسنواصل الجهاد حتى تحرير القدس”. عاد بعدها هنية الى غزة وهو يحمل 35 مليون دولار موضبة في حقائب سفر كبيرة”، بحسب زعم بيرغمان.

غرق أولمرت في التطمينات التي قدمها له رئيس هيئة الأركان الجنرال دان حالوتس الذي كان متأكداً أنه بالإمكان هزيمة حزب الله من الجو من دون تعريض الجنود للخطر في البر وكان يعتقد أنه “باستثناء حمار يحمل كاتيوشا هنا أو هناك” فان مقاتلات سلاح الجو الهجومية بإمكانها شل قدرات حزب الله على توجيه ضربات لـ”إسرائيل”

يضيف الكاتب “ردّت “إسرائيل” على قتل جنودها وخطف شاليط بقصف عنيف على قطاع غزة أدى إلى مقتل ما بين مائة إلى مائتي فلسطيني، كما شنّت غارات على الضفة الغربية وخطفت عدداً من وزراء حماس في الحكومة الفلسطينية، ولكن كل ذلك لم يجعل حركة حماس يرف لها جفن، فطالبت بإطلاق سراح ألف أسير فلسطيني مقابل الإفراج عن شاليط”.

بعد أسبوعين من خطف شاليط، وتحديداً في 12 يوليو/تموز 2006، رفعت “جبهة التشدد” حرارة المواجهة، فقد خطف مقاتلو حزب الله جنديين “إسرائيليين” كانا في دورية على الحدود الشمالية، وقد كان هذا الهجوم أكبر من أن يحتمله “إلإسرائيليون”، فأخبر رئيس الحكومة ايهود أولمرت (أتى خلفاً لأرييل شارون الذي أصيب بجلطة دماغية أودعته في غيبوبة) مساعديه أنه سيقضي على حزب الله (to fuck) مرة وإلى الأبد، فسلفه شارون لم يكن ليتردد في استخدام القوة ولكنه كان متشككاً في قدرات الجيش “الإسرائيلي” في ربح الحرب ضد مقاتلي حزب الله، لكن أولمرت غرق في التطمينات التي قدمها له رئيس هيئة الأركان الجنرال دان حالوتس الذي كان متأكداً أنه بالإمكان هزيمة حزب الله من الجو من دون تعريض الجنود للخطر في البر وكان يعتقد أنه “باستثناء حمار يحمل كاتيوشا هنا أو هناك” فان مقاتلات سلاح الجو الهجومية بإمكانها شل قدرات حزب الله على توجيه ضربات لـ”إسرائيل”، حسب رواية بيرغمان

“لقد كان ذلك خطأً مصيرياً، بحسب بيرغمان، وكلّف “إسرائيل” الكثير وأنهى حياة حالوتس العسكرية، فمع العلم أن الضربات الجوية على مواقع حزب الله تسببت بأضرار جسيمة، إلا أن شبكة انفاق التنظيم وشبكة اتصالاته ومواقعه المحصنة لإطلاق الصواريخ كلها صمدت، فقد كانت “إسرائيل” تعرف القليل عن شبكة الانفاق التي كانت تسميها “محميات طبيعية” والتي تم بناؤها تحت اشراف حسان اللقيس بأوامر من عماد مغنية مستخدماً معدات حديثة تم احضارها من إيران وسوريا. فاستمرت صواريخ حزب الله تمطر شمال “إسرائيل”، وهذا ما أدى في 29 يوليو/تموز إلى أن يرسل الجيش “الإسرائيلي” جنوده في غزو بري متردد وغير فعال، فدمّر بعض مواقع حزب الله، ولكنه عانى من خسائر قاسية بالأرواح قبل أن ينسحب مصحوباً بالعار بعد أسبوعين”.

إقرأ على موقع 180  الإمام الصدر "غُيِّبَ" على طريق مار شربل!

لقد كانت هذه الحملة برمتها (المعروفة في “إسرائيل” باسم “حرب لبنان الثانية”) “هزيمة مذلة لم تحقق أياً من أهدافها”، بحسب بيرغمان، “فأعظم قوة عسكرية في الشرق الأوسط هزمت مرتين في غضون ستة أعوام من قبل جيش من مقاتلي حرب العصابات”. وينقل بيرغمان عن رئيس “الموساد” مائير داغان قوله “لقد كان ذلك شبيه بالهجوم الشامل لجيش فيتنام الشمالية في عيد رأس السنة القمرية هناك، فمع العلم أن الهجوم فشل وتلقى الفيتناميون ضربة موجعة، ولكنهم ربحوا الحرب”!

يضيف بيرغمان: “بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار (لم يكن هناك اتفاق خطي لوقف إطلاق النار، بل التزم طرفا الصراع بقرار أصدره مجلس الأمن الدولي وحمل الرقم 1701 ودعا إلى وقف الأعمال العدائية)، أصبح (السيد حسن) نصرالله القائد الأكثر شعبية في العالم العربي، فهو الوحيد لسنوات طويلة الذي واجه “إسرائيل” في حرب عسكرية وربحها. فحاولت “إسرائيل” أن تعوّض خسارتها في الميدان بمحاولات لاغتيال قادة حزب الله وعلى رأسهم نصرالله”. وينقل بيرغمان عن دان حالوتس قوله “لو تمكنا من قتل نصرالله لكانت قد تغيّرت الصورة كلياً. لقد حاولنا، ولكننا لم ننجح”. وفي ثلاث مرات وبناء على معلومات استخبارية دقيقة عن أماكن تواجد نصرالله، في الأولى قصف المبنى بعد وقت قصير من مغادرته له، وعملياً فإن الموقع قصف مرتين ولكن القنابل فشلت في اختراق الطبقات السميكة للأسمنت المسلح فوق الملجأ الواقع تحت الأرض حيث كان يختبئ، ويقول حالوتس “إنه أمر غير معقول أن يبنى كل ذلك هناك، فانت تضرب موقعاً معيناً وفجأة ترى الدخان يتصاعد من حفرة ما في نهاية الشارع فتعرف حينها أن هناك نفقاً لم تكن تعلم عنه شيئاً”.

ويتابع بيرغمان، “لاقت جهود أخرى لاغتيال مسؤولين رفيعي المستوى في حزب الله نفس مصير محاولات اغتيال نصرالله. ففي 20 يوليو/تموز حاولت “إسرائيل” قتل اللقيس عبر تحديد موقع هاتفه الخليوي، فقامت مقاتلة من طراز اف 16 باطلاق صاروخ على شقة في بيروت تم تحديد وجود الهاتف فيها ولكن تبين أن اللقيس كان قد غادرها تاركاً هاتفه فيها فقتل نجله”.

وفي يونيو/حزيران عام 2007 “بعد مرور عام على قتل أربعة جنود “إسرائيليين” ووصول الأمر إلى حدود الحرب، قامت حركة حماس ـ التي كانت غاضبة من واقع أن جماعة محمود عبّاس (أبو مازن) لا تزال تمسك بمؤسسات السلطة الفلسطينية بالرغم من فوزها هي في الانتخابات التشريعية ـ بقتل عدد كبير من مسؤولي حركة فتح في غزة واحكمت قبضتها على القطاع بالقوة، وأنشأت بذلك عملياً دولة حماس المستقلة. لم يكن بالإمكان أن يكون الوضع أسوأ من ذلك لـ”إسرائيل”، يقول بيرغمان، فقد باتت محاطة من الشمال والجنوب بدول ومنظمات تمتلك قدرات عسكرية وموازنات مادية كبيرة وتدار من “جبهة التشدد” فيما كانت “إسرائيل” نفسها مثخنة ومترددة بعد خطف جنودها وبعد هزيمتها في حرب عام 2006. وبعد شهر واحد من السيطرة على غزة عقد كبار قادة “جبهة التشدد” لقاء قمة سرياً في دمشق لمناقشة النشاطات المستقبلية المشتركة ضد العدو. وكان جو الإجتماع احتفالياً، فقد نجحت “الجبهة” في شن تفجيرات انتحارية داخل دولة “إسرائيل” نفسها، وفي الوقت نفسه، باتت ترسانة من آلاف الصواريخ في لبنان وقطاع غزة تغطي كل أراضي دولة “إسرائيل”؛ حزب الله هزم محاولات “إسرائيل” لتدميره في الصيف السابق (2006)؛ حماس ربحت الانتخابات في السلطة الفلسطينية وبنت دولتها الخاصة في غزة؛ كلٌ من إيران وسوريا تحققان تقدماً ملحوظاً في استكمال انتاجهما للسلاح النووي. إذاً، الوضع بحسب ما أجمع عليه المجتمعون كان أفضل لـ”محور المقاومة” مما كانوا يأملون”، وفق رواية الكاتب.

يختم بيرغمان هذا الفصل بالقول “لقد راقبت “إسرائيل” هذا الإجتماع عن بعد وبدأت بالتخطيط، فقد كان داغان يعرف أن هذه الحرب يجب خوضها في الظل وهي مليئة بالمخاطر وليس لها حدود”.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  تل أبيب تُدشّن "عصر المُسيرات".. رصد موكب واينبرغر في بيروت (75)