خاتمية الكلام والنبوة وإمكان الثورة: نقد أطروحة أدونيس

يشكّل الخطاب الذي يقدّمه الشاعر والمفكّر علي أحمد سعيد أسبر (أدونيس) حول امتناع الثورة في الثقافة العربية الإسلامية نموذجاً إشكالياً لقراءة تنزع إلى التعميم الجذري، وتؤسس على فرضية مفادها أن "خاتمية النبوة" قد أغلقت أفق الفعل التاريخي، وحوّلت النص الديني إلى بنية مكتملة لا تقبل التمرد أو التجاوز. غير أن هذا التصور، عند إخضاعه لمقاربة إبستمولوجية نقدية، يكشف عن التباس منهجي عميق بين مستويين متمايزين: مستوى الوحي بوصفه حاملاً لقيم مطلقة، ومستوى التاريخ بوصفه مجالاً مفتوحاً للصراع والتأويل والتحقق.

إن الإشكالية المركزية في هذا الطرح تكمن في تحويل “الخاتمية” من مفهوم عقدي يحدد نهاية الوحي التشريعي إلى مفهوم فلسفي يغلق إمكان المعنى، وكأن النص القرآني قد استنفد دلالاته في لحظة نزوله، ولم يعد قابلاً لإعادة القراءة ضمن شروط متغيرة. والحال أن البنية الداخلية للنص القرآني، من حيث هي بنية لغوية وتأويلية، تقوم على الانفتاح، لا على الإنغلاق؛ إذ أن ارتباط الخطاب بسياقات متعددة، كلها عناصر تجعل من النص مجالاً لإنتاج المعنى لا استهلاكه. وبالتالي، فإن “ختم النبوة” لا يعني ختم التاريخ، بل على العكس، يحرر الإنسان من انتظار الوحي، ويدفعه إلى تحمّل مسؤولية الفعل في العالم.

ضمن هذا الإطار، يغدو القول بأن “الثقافة الدينية لا تسمح بالثورة” تعبيراً عن قراءة أحادية للدين، تختزل الإسلام في صيغته السلطوية التي كرّستها بعض أنماط الحكم التاريخية، وتتجاهل في المقابل البعد الاحتجاجي الكامن في النص المؤسس. فالقرآن لا يقدّم خطاباً تبريرياً للسلطة، بل يؤسس لجدلية صراعية بين الحق والباطل، ويضع الإنسان في موقع الفاعل الأخلاقي الذي يُمتحن في قدرته على مقاومة الظلم. إن حضور نماذج الطغيان في القرآن، من فرعون إلى غيره، لا يأتي بوصفه سرداً تاريخياً محايداً، بل بوصفه بناءً رمزياً يهدف إلى إنتاج وعي نقدي دائم تجاه كل سلطة تنحرف عن العدل.

وعليه، فإن مقولة “عدم إمكانية الثورة على خاتم الكلام” تفترض أن كل سلطة قائمة تستمد شرعيتها من النص، وأن معارضتها تعني بالضرورة معارضة الدين ذاته. وهذا افتراض ينهار أمام التمييز الجوهري بين “النص” و”تأويله”، وبين “الدين” و”تديّنه التاريخي”. فالثورات، في السياق الإسلامي، لا تتوجه ضد الوحي، بل ضد احتكاره من قبل سلطة تدّعي تمثيله. ومن هنا، فإن الفعل الثوري لا يُعدّ خروجاً على الدين، بل قد يكون استعادة له في مواجهة محاولة تشويهه.

إن التجربة التاريخية تقدّم شواهد دالة على هذا المعنى، وفي طليعتها حركة الامام الحسين بن علي في مواجهة يزيد بن معاوية، التي تمثّل لحظة مفصلية في تشكّل الوعي الثوري داخل الإسلام. فهذه الحركة لا يمكن اختزالها في إطار “انقلاب سياسي” أو “تنازع على السلطة”، بل هي، في جوهرها، إعادة تعريف لمفهوم الشرعية، انطلاقاً من معيار أخلاقي يتجاوز موازين القوة. لقد كان بإمكان الحسين أن يختار التسوية أو الانخراط في النظام القائم، لكنه اختار المواجهة، لا بوصفها خياراً سياسياً فحسب، بل بوصفها ضرورة أخلاقية تمليها قناعة بأن السكوت عن الظلم يساوي المشاركة فيه.

ومن هنا، فإن قراءة هذه التجربة بوصفها “ثورة دينية” بالمعنى الاختزالي الذي يطرحه أدونيس تُغفل بعدها الكوني، إذ أن مفاهيم مثل الكرامة، والعدل، ورفض الاستبداد، هي مفاهيم تتجاوز الإطار الديني الضيق، وتشكل أساس كل فعل ثوري. إن ما يضفي على هذه الثورة طابعها الخاص ليس كونها دينية، بل كونها تستند إلى مرجعية قيمية ترى في مقاومة الباطل واجباً لا خياراً.

أما القول بأن “كل الثورات العربية ذات طابع ديني” فهو، من جهة، توصيف يحتاج إلى تدقيق، ومن جهة أخرى، لا يشكل في ذاته نفياً لثوريتها. فالدين، في المجتمعات العربية، كما هو  منظومة اعتقادية، فانه أيضاً لغة رمزية مشتركة، تُستخدم للتعبير عن المطالب السياسية والاجتماعية. وبالتالي، فإن حضور الدين في الخطاب الثوري لا يعني بالضرورة خضوع الثورة لمنطق لاهوتي مغلق، بل قد يكون تعبيراً عن محاولة لتأصيل المطالب في مرجعية مفهومة ومقبولة اجتماعياً.

إن الإشكال الأعمق في أطروحة أدونيس يكمن في افتراضه أن الثورة لا تكون ثورة إلا إذا كانت قطيعة كاملة مع التراث، على غرار النموذج الأوروبي الحديث. غير أن هذا التعريف يتجاهل إمكان وجود نماذج ثورية بديلة، تقوم لا على نفي الماضي، بل على إعادة تأويله. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الثورة في الإسلام بوصفها “فعلاً تأويلياً”، يسعى إلى استعادة القيم الأصلية للنص في مواجهة انحرافات الواقع.

إن الصراع بين الحق والباطل، الذي يشكل جوهر الرؤية القرآنية، ليس نصاً قصصياً معزولاً عن التأويل، بل هو بنية مستمرة تتجدد في كل زمان ومكان. وهذه الاستمرارية هي التي تمنح الفعل الثوري مشروعيته، إذ أنه لا ينبع من رغبة في التغيير لذاته، بل من ضرورة أخلاقية تفرضها مواجهة الظلم. ومن هنا، فإن الثورة ليست محصورة في تحسين تطبيق المبادئ، كما يُفهم من طرح أدونيس، بل هي إعادة تأسيس للواقع على ضوء هذه المبادئ.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن أطروحة امتناع الثورة في الثقافة العربية الإسلامية تعاني من اختزال مزدوج؛ فهي تختزل الدين في قراءة سلطوية، وتختزل الثورة في نموذج واحد. أما القراءة البديلة، فتفترض أن الدين، بما يحمله من قيم، يمكن أن يكون مصدراً دائماً للفعل الثوري، وأن “ختم النبوة” لا يغلق أفق التاريخ، بل يفتحه على مسؤولية الإنسان في تحقيق العدل. وعليه، فإن الثورة، في هذا الإطار، ليست خروجاً على “خاتم الكلام”، بل عبارة عن تجسيد حيّ له في مواجهة كل ما يناقضه من ظلم وجور وفساد.

إقرأ على موقع 180  قبرُنا العربي.. وثقافة الخنازير!

Print Friendly, PDF & Email
داود رمال

صحافي لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180   عندما يتحدث ترامب مثل زعيم ميليشيا في بيروت