أولاً: نظرية الاستبدال العظيم
صاغ الكاتب الفرنسي رونو كامو عبارة “الإستبدال العظيم” في كتابه الذي نُشر عام 2011، حيث ادّعى أن فرنسا والأوروبيين يتعرضون لـ«استعمار» سكاني وثقافي. وتنصّ النظرية على أن الهجرة الجماعية وانخفاض معدلات المواليد بين السكان الأصليين سيؤديان، في النهاية، إلى تغيير ديموغرافي وثقافي جذري، مما يهدد وجود الحضارة الأوروبية البيضاء.
ويؤمن كامو أيضاً بأن «الاستبدال العظيم» سيحدث نتيجة مؤامرة تنفذها «سلطة خفية»، هي النخب الرأسمالية الحاكمة والمناصرة للعولمة، والتي تدعم عمليات الهجرة الجماعية من أجل بناء عالم جديد تختفي فيه جميع الخصوصيات القومية والعرقية والثقافية، ويصبح قابلاً للسيطرة والتشكّل بما يلبي احتياجات الاقتصاد المعولم.
وجدت هذه الرؤية صداها لدى نخبٍ سياسية وإعلامية وثقافية تميل إلى اليمين القومي المتشدد، وسرعان ما انتشرت في أوساط أوروبية أخرى. بل إن بعض الأفراد الذين نفذوا عمليات قتل في الغرب لم يجدوا حرجاً في إعلان تأثرهم بهذه النظريات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قال أحد القوميين الذين نفذوا هجمات عام 2019 الإرهابية على مسجدين في كرايستشيرش بنيوزيلندا، وأسفرت عن مقتل 51 شخصاً، إنه متأثر بهذه النظرية.
شيئاً فشيئاً، بدأ هذا الخطاب الهوياتي الفرعي يشق طريقه إلى أحزاب اليمين التقليدي في أوروبا، التي ارتفعت شعبيتها نتيجة الاستثمار في الخوف، ودغدغة المشاعر العاطفية، وتنمية الغرائز الانفعالية، وهي سمات أي يمين قومي شعبوي في العالم.
وفي فرنسا أيضاً، برز إيريك زمور بوصفه أحد رموز التيار اليميني القومي. وزمور كاتب وروائي وصحفي وسياسي فرنسي يهودي، من مواليد عام 1958، رشّح نفسه للانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022. وقبل ذلك، أطلق حزب «استعادة فرنسا»، الذي روّج من خلاله لطرد الأجانب والمسلمين، واعتبرهم «أساس مشكلات فرنسا»، وجعلهم عنواناً لدعايته الانتخابية.
وعلى الرغم من خروجه خاسراً من حلبة الانتخابات الرئاسية، فإن الخطاب الذي يتبناه وجد صداه في البرامج السياسية لأحزاب وقوى سياسية وازنة في فرنسا. ويمكن الاستدلال على انتشار هذه النظرية بالنظر إلى تنامي شعبية حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، بزعامة مارين لوبان، خلال العقد الأخير.
فهذا الحزب، الذي كان حزباً هامشياً في الخريطة السياسية الفرنسية، حقق قفزة هائلة في شعبيته خلال السنوات الأخيرة، إذ وصلت لوبان إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في عامي 2017 و2022. وهذا ما يمنح العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية التي شرحناها أعلاه دوراً حاسماً في تفسير أسباب تنامي شعبية هذا الحزب وانتشار أطروحاته بين عامة الناس.
ثانياً: الخروج البريطاني من «البريكست»
لم يحدث خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بين ليلة وضحاها، بل كان تتويجاً لمسار طويل داخلي. وبوصفها ركناً أساسياً من أركان الثلاثي الأوروبي: لندن وبرلين وباريس، توهّمت بريطانيا أن في استطاعتها الاستغناء عن هذا الإطار، طارحةً نفسها قوةً اقتصادية مهيمنة في الفضاء الأوروبي، ولكن من دون الالتزام بالمجموعة الأوروبية.
وكانت أطروحات الانفصال مدفوعةً بتصور مفاده أن الهوية الوطنية أو القومية تسمو على الهوية الأوروبية، ضمن ما يُعرف بالتشكك في الاتحاد الأوروبي (Euroscepticism)، وأن الوقت قد حان لتعزيز هذا التوجه بعد عقود من الانضواء في الاتحاد الأوروبي. وكان معظم من نظّروا لحملة الانفصال شخصيات شعبوية تحمل خطاباً يمينياً غير متسق مع خطاب العولمة الليبرالي السائد في الغرب، ومعادياً للمهاجرين.
والمفارقة هنا أن معظم هذه الشخصيات كانت على هامش الحياة السياسية البريطانية، لا في صلبها، لكنها، بعد نجاحها في تنظيم حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، تحولت إلى شخصيات سياسية نافذة ضمن أطر حزبية قائمة أو مستحدثة. ومن أكثر هذه الشخصيات شهرةً نايجل فاراج.
كان فاراج عضواً في حزب المحافظين لمدة أربعة عشر عاماً (من عام 1978 إلى عام 1992)، وبرز بوصفه أحد أبرز المشككين في الاتحاد الأوروبي منذ أوائل التسعينيات، وانتُخب للمرة الأولى عضواً في البرلمان الأوروبي عام 1999. وفي العام 2004، أصبح رئيساً لمنظمة أوروبا للحرية والديموقراطية المباشرة. ثم انتُخب زعيماً لحزب استقلال المملكة المتحدة (UKIP) عام 2006، وقاد الحزب في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2009، حيث حصد ثاني أعلى نسبة من الأصوات في المملكة المتحدة.
وترشح فاراج من دون جدوى في دائرة باكنغهام في الانتخابات العامة عام 2010، قبل أن يعود زعيماً لحزب استقلال المملكة المتحدة في العام نفسه. وفي انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2014، فاز حزب استقلال المملكة المتحدة بأكبر عدد من المقاعد، مما ضغط على ديفيد كاميرون للدعوة إلى إجراء استفتاء حول عضوية الاتحاد الأوروبي عام 2016.
واستطاع حزب فاراج منافسة حزب العمال في الانتخابات المحلية التي أُجريت في إنجلترا في أيار/مايو الماضي، مما هدّد شعبية حزب العمال وخلق أزمة سياسية انتهت باستقالة رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على خلفية النتائج المخيبة للآمال التي حصدها حزبه في الانتخابات المحلية.
واستغل فاراج الهجمات الإرهابية التي وقعت في كل من باريس وبروكسل عام 2015 للدعوة إلى ضرورة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتحدث آنذاك عن أزمة المهاجرين المتفاقمة في دول الاتحاد الأوروبي.
وكان فاراج قد شارك في تأسيس حزب استقلال المملكة المتحدة عام 1993. ودعا البرنامج السياسي للحزب إلى انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكان يقوده حينذاك أستاذ الاقتصاد آلان سكيد، الذي شن حملة ضد معاهدة ماستريخت لعام 1991، التي وقعتها بريطانيا بشأن الاتحاد الأوروبي.
وتناولت خطابات فاراج مسألة الهجرة والمهاجرين، وانتقدت السياسات الحكومية في هذا المجال. كما حثّ أنصاره على التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مذكّراً إياهم بالأيام الخوالي، عندما كان «الاقتصاد أكثر صلابة، وكانت معدلات الهجرة محدودة، وكانت بريطانيا أعظم».
وكثيراً ما تعرض فاراج لانتقادات شديدة بسبب مواقفه وخطاباته التي وصفها معارضوه بالعنصرية ومعاداة المهاجرين، إلا أنه واصل حياته السياسية، محققاً حلمه بدخول البرلمان وطرح تشريعات وقوانين تدعو إلى ترحيل المهاجرين.
أما ثاني الأسماء البارزة فهو دومينيك كامينغز. فقد قاد، بوصفه خبيراً في استراتيجيات التواصل السياسي، الحملة ضد انضمام المملكة المتحدة إلى منطقة اليورو بين عامي 2000 و2002، وضد انضمام لندن إلى الجمعية الإقليمية لشمال شرقي البلاد عام 2004.
وبوصفه متخصصاً في أساليب التحشيد السياسي، تولى كامينغز منصب مدير حملة «التصويت للخروج»، التي نُظمت عامي 2016 و2017، وتُوّجت بإجراء استفتاء شعبي خلصت نتائجه إلى الموافقة على الخروج. وعلى غرار نايجل فاراج، تمكن كامينغز من صعود سلّم الحياة السياسية شيئاً فشيئاً؛ فقد شغل منصب كبير مستشاري رئيس الوزراء بوريس جونسون، ثم عمل مستشاراً لوزير التربية.
ويوضح إدوارد ألدن، وهو زميل أول في مجلس العلاقات الخارجية، كيفية تفاعل العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى نشوء رأي عام مساند لفكرة الخروج من الاتحاد الأوروبي. يقول ألدن:
«كان العامل المشترك في جميع الدول الغربية هو تأثير الركود الاقتصادي الكبير. وفي المملكة المتحدة، تزامن ذلك مع ازدياد الهجرة، ولا سيما من أوروبا الشرقية. وبرغم أن الاقتصاد البريطاني أثبت قدرته الفائقة على استيعاب المهاجرين الجدد، وكان ينمو بوتيرة أسرع من معظم اقتصادات أوروبا الأخرى، أعتقد أن الناس غالباً ما يربطون الأمور ببعضها ويخلصون إلى استنتاجات خاطئة. فهم ينظرون إلى ما مروا به خلال الركود الاقتصادي الكبير، وإلى تزامن ذلك مع ارتفاع مستويات الهجرة، فيعتقدون أن هذا يضر باقتصادنا. وأعتقد أن هذا هو الجانب الاقتصادي من المسألة».
ويضيف ألدن:
«هناك أيضاً جوانب ثقافية لا يمكن تفسيرها اقتصادياً. فالناس يشعرون بعدم الارتياح تجاه التغيير وتزايد أعداد الأشخاص من حولهم، حتى لو لم يروهم إلا على شاشة التلفزيون في لندن، ممن قد يتحدثون لغة مختلفة أو يختلف مظهرهم. ولا أعتقد أن هذا كان كل ما حدث في تصويت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأي حال من الأحوال، لكنه كان بالتأكيد عاملاً مؤثراً…».
وثمة عامل آخر يجب أن يُضاف إلى فهم كيفية تشكيل الرأي العام آنذاك، عدا خطاب التخويف من المهاجرين وشيطنتهم كما بيّنا، وهو امتلاك الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في الترويج لهذه الأطروحات أسهماً كبيرة في وسائل الإعلام، مما مكّنها من نشر هذا الخطاب.
ويشير تقرير صحفي منشور على موقع «Brexit Legal Guide» إلى أن حملة الخروج حظيت بتأييد معظم صحف التابلويد الشهيرة في البلاد، وهي: «ذا صن»، و«ذا ستار»، و«ذا ديلي ميل»، و«إكسبرس»، و«ديلي تلغراف»، و«صنداي تايمز».
والآن، وبعد مرور ست سنوات على الخروج رسمياً من الاتحاد الأوروبي، يتضح من خلال التقارير الاقتصادية الصادرة عن مراكز بحثية أن الفائدة الاقتصادية للخروج لم تكن بالشكل الذي جرى الترويج له أمام الرأي العام، إذ جرى تضخيمها لتتلاءم مع خطاب الخروج المرتدي ثوباً يمينياً قومياً، كان لا بد من إلباسه، أو تزيينه، بخطاب الفائدة الاقتصادية.
ثالثاً: الظاهرة الترامبية بوصفها تجلياً للشعبوية المفرطة
لا يمكن النظر إلى الظاهرة الترامبية إلا بوصفها عصارةً لشعبوية موغلة في إنكار كل ما هو قديم ومترسخ ومعمول به في التقاليد السياسية الأميركية ورفضه. كما أنها تمثل خروجاً غير مألوف على المؤسسة السياسية التقليدية، متحديةً تقاليد الدولة العميقة، وناحيةً بالديموقراطية الأميركية نحو اتجاهات غريبة وغير مألوفة في الحياة السياسية، ولا سيما عندما اقتحم مؤيدو دونالد ترامب مبنى الكابيتول في كانون الثاني/يناير 2021، على إثر اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي صبّت في مصلحة جو بايدن وقتذاك.
وفي الحقيقة، فإن المتتبع للأفكار الاجتماعية والثقافية التي يحملها هؤلاء الأفراد، الذين حوكم بعضهم أمام القضاء، لا بد أن يلاحظ وجود سمات مشتركة تجمعهم، ولا سيما حبهم لاقتناء السلاح، وكرههم للآخر، وتمجيدهم صفات البطولة الذكورية.
وتطالب الترامبية بفرض قيود صارمة على الهجرة وترحيل المهاجرين غير الشرعيين. كما يطالب أنصار ترامب بهوية وطنية واحدة، مفترضين أن كل وافد إلى المجتمعات الغربية من حضارات وثقافات أخرى ملزم بقبول قيمها التقليدية، لا بالانصهار في قيم ومفاهيم عالمية، كما تروج أدبيات الثقافة الليبرالية المتمثلة في الحزب الديموقراطي وأنصاره.
ويتشدد الترامبيون بصورة خاصة تجاه المهاجرين غير الشرعيين، ويقلقون من تدفق المهاجرين من أميركا اللاتينية، لأن هؤلاء، في نظرهم، يغيرون التوازن العرقي في الولايات المتحدة. ونلاحظ هنا التشابه بين هذه المقولات ونظرية الاستبدال العظيم التي شرحناها أعلاه.
كذلك يبدي الترامبيون قلقهم من الجاليات الإسلامية التي تتزايد أعدادها باطراد. وفي هذا السياق، اتخذت أجندة ترامب، منذ البداية، موقفاً أيديولوجياً معارضاً لثقافة «اليقظة» (Woke Culture)، التي تقوم ركائزها على احترام النوع الاجتماعي، وتطبيق سياسات الجندرة، والتسامح مع الهجرة، وقبول الاختلاف الثقافي، وإلغاء الرقابة الليبرالية، والإيمان بقيم ما بعد الحداثة.
ويقول المفكر الروسي ألكسندر دوغين، في معرض شرحه للظاهرة الترامبية، إنها تطورت تدريجياً من ولاية ترامب الأولى وصولاً إلى ولايته الثانية، إلى الحد الذي جعلها تكتسب طابعاً جماهيرياً.
ويسهب دوغين في شرح هذه الظاهرة، إذ يقول إن الترامبية مزيج متفجر من التطور التقني الهائل، من جهة، وحماية القيم المحافظة، من جهة أخرى. وبحسب دوغين، لا يمثل الأيديولوجيا الترامبية الجديدة المحافظون الأميركيون التقليديون والقوميون، مثل ستيف بانون على سبيل المثال، بل يمثلها نوع جديد من اليمين يُطلق عليه اسم «اليمين التكنولوجي»، في إشارة إلى الشخصيات النافذة في وادي السيليكون، مثل إيلون ماسك وبيتر ثيل. هؤلاء ـ حسب دوغين ـ يطمحون إلى تحقيق اختراق تكنولوجي متسارع وغير مسيطر عليه، أو ما يُعرف بالتنمية المتسارعة.
ويضيف دوغين أن ما يميز ترامب هو أنه يريد القضاء بالكامل على البيروقراطية الإدارية. كما يريد أنصاره تغيير النخب التقليدية بصورة فورية ومفاجئة.
ويتجلى جوهر الفكرة الترامبية في تفكيك الهوية الأميركية المعولمة، وفق الصورة التي وصلت إليها الولايات المتحدة خلال العقود الخمسة الماضية، وتحويلها إلى هوية وطنية خاصة. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (Make America Great Again)، الذي سبقه شعار «أميركا أولاً» خلال ولاية ترامب الأولى.
يريد ترامب أن تبقى أميركا قوية، لا بفعل شبكاتها المعولمة الواسعة التي مدت جذورها إلى القارات الخمس. فهذا الخيار، بالنسبة إليه، يمثل عبئاً، لأن تقاسم القوة مع قوى وتيارات أخرى يؤدي إلى تشتيت القوة المهيمنة وتقاسم نفوذها مع دول أخرى.
وبما أن ترامب يريد لبلده وحده أن يكون القائد والقدوة، فإن جوهر ما يطمح إليه يقوم على التنصل من مسؤوليات الولايات المتحدة وواجباتها تجاه المنظمات والوكالات الدولية، وتهديد أسس النظام الاقتصادي العالمي، وفض الشراكة مع أوروبا، وتبنّي خطاب عدائي تجاه الصين، وتقويض أسس التجارة العالمية.
ونجد هذه السمات في استراتيجيات الإدارة الأميركية الجديدة، وهي سياسات تقوم على الانكفاء إلى الداخل أو إلى المجال الحيوي لأميركا وحدها. وقد فصّلت إدارة ترامب عناوين هذه السياسات العريضة من خلال تبنّي استراتيجية جديدة للأمن القومي، تم الاعلان عنها في كانون الأول/ديسمبر الماضي.
ومن أجل الترويج لهذا الخطاب، وهو خطاب قومي بحت، استعمل ترامب في حملاته السياسية والانتخابية رموزاً ومقولات دينية يعرف أنها تمس المواطن المحافظ، وجعل قاعدته الانتخابية تتماثل مع رؤيته لكيفية تعزيز بقاء الأمة الأميركية وضمان قوتها.
وقد عرف كيف يستميل المواطن الأميركي الخائف من الهويات الأخرى، والقلق على مستقبله أمام الأمم الأخرى، والمحافظ دينياً واجتماعياً. فزرع الخوف لدى ملايين الأشخاص، وعرف كيف يستثمر هذا الخوف، ويبني عليه قاعدة سياسية صلبة باتت منفصلة عن القاعدة الجماهيرية التقليدية للحزب الجمهوري.
فأسلوب ترامب وخطابه السياسي لا يستفزان خصومه من الديمقراطيين فحسب، بل يستفزان أيضاً قسماً كبيراً من الجمهوريين، الذين يرون أن ترامب يقفز فوق الممارسات المؤسسية الأميركية والتقاليد السياسية المحلية، طارحاً خطاباً هوياتياً ضيقاً لم يسبق أن تبناه حتى أشد تيارات اليمين التقليدي في الولايات المتحدة تطرفاً، منذ تأسيسها حتى يومنا هذا.
الخلاصة
إذاً، بعد هذا العرض المكثف، رأينا كيف تطور خطاب تشظي الهويات في الغرب، والعوامل التي أدت إلى أن يصبح هذا الخطاب سائداً وذا مقبولية شعبية.
إن مسار تفكك الهوية الوطنية الواحدة جرى ويجري في سياق من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تتكثف دائماً في المسار السياسي؛ إذ إن الأخير يعبّر عن هذه العوامل الكامنة، لأن السياسة حقل من حقول الصراع الطبقي بمستوياته المختلفة.
وحاول المقال تتبع كيفية تقاطع الرؤى والأفكار المنادية بالهوية الخاصة والخالصة (Pure Identity) والهويات الفرعية (Sub-identities) مع سياق آخر يتمثل في العامل الاقتصادي وتنامي الفجوة الطبقية.
إن ازدياد سوء توزيع الثروة عالمياً أدى إلى أن تستغل النظم الرأسمالية الحاكمة هذه النتيجة، وأن تستثمر في خطاب التخويف من الأقليات الهوياتية، سواء أكانت هويات دينية أم طبقية أم ثقافية أم جندرية، بهدف تأبيد حكمها وتطوير وسائل سيطرتها على الأمم والشعوب، وجعلها تقع فريسة الخوف من الآخر.
وجرى هذا في خضم تحولات عالمية في النظام الدولي عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، التي يحيل إليها العديد من المفكرين بوصفها السبب الأساسي لنشوء ظاهرة الإسلاموفوبيا. وقد تطورت هذه الظاهرة بأشكال وأنماط مختلفة في العقدين الأخيرين، حتى أصبحت ظاهرة عالمية منتشرة في أماكن وجود الجاليات الإسلامية في الغرب.
إن الاستثمار في حالة القلق الفردي والاجتماعي، وخلق أعداء وهميين، وتنميط الآخر، ورفض الهويات الأخرى بحجة تهديدها الهوية الخاصة، وتحميل مسؤولية الأزمات الاقتصادية لفئات اجتماعية لا دخل لها فيها، كلها أسباب وعوامل برعت قوى اليمين القومي والشعبوي في الاستثمار فيها، وتضخيم أثرها، وترسيخها في الوعي العام السائد.
وبما أن القوى اليمينية المحافظة غالباً ما تسيطر على وسائل الإعلام، فإنها الأقدر على تحديد خيارات الرأي العام واتجاهاته، تبعاً لرأس المال الذي تمتلكه، والذي وظفته في إطار حملات سياسية وإعلامية مكثفة.
وقد مكّنها هذا الأمر من السيطرة على صناديق الاقتراع وجذب الناخبين، إلى الحد الذي تنامت فيه، خلال العقد الأخير، تيارات اليمين المتشدد، واستطاعت الفوز انتخابياً في العديد من الدول الغربية، وفي الكيان الصهيوني أيضاً.
(*) راجع الجزء الأول من هذه الدراسة بعنوان: كيف تُمهّد الأزمات لصعود الخطاب الهوياتي.. واليمين الشعبوي؟
عطالله السليم
كاتب وباحث سياسي
