كيف تُمهّد الأزمات لصعود الخطاب الهوياتي.. واليمين الشعبوي (2/1)؟

لم يعد الجدل الدائر في الغرب حول الهجرة أو الدين أو الهوية مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح مؤشراً إلى تحولات أعمق تطاول فكرة الدولة الوطنية نفسها. فما الذي جعل الهويات الفرعية تستعيد حضورها بعد عقود من هيمنة مفهوم "الدولة-الأمة"؟ وكيف تحولت هذه التحولات إلى البيئة التي ازدهر فيها اليمين الشعبوي؟

منذ الثورة الصناعية في أوروبا وما أحدثته من تحول في الوعي الثقافي الغربي، وبخاصة إبان عصر النهضة، بدأت عملية انتظام المجتمعات السياسية تحت عباءة الدولة – الأمة the nation state. وكان قد مهّد لهذا الأمر فلاسفة ومفكرين صاغوا نظريات خاصة بالدولة والعقد الاجتماعي، ولعل أبرزهم فولتير وجان جاك روسو وجون لوك وإيمانويل كانط. أدّى ترسيخ العقد الاجتماعي في معظم  الدول الغربية إلى ثقافة سياسية مؤسساتية قائمة على دولة القانون والمؤسسات، ودولة مرتكزة إلى حقوق المواطن – الفرد بغض النظر عن هوياتهم الفرعية التي أصبحت ” تحت دولتية “. إنّ عقود من تأصيل الممارسة السياسية جعل المواطنين يعبّرون عن هويتهم الجامعة لا الشخصية – مع المحافظة على تلك الخاصة – في إطار الحريات السياسية والثقافية والإعلامية والنقابية التي تكفلها أصلاً الدولة، بموجب دستورها ونظمها القانونية.

غير أنّ هذا المسار من اندماج الهويات ضمن الدولة- بموجب عقد اجتماعي رصين وثابت – بدأ يشهد مساراً إنحدارياً آيلاً إلى التفكك عندما بدأت الهويات الفرعية تطالب بخصوصياتها الدينية أو القومية أو الإثنية أو الثقافية، ضمن عملية تفكك للبنى الهوياتية الأصلية. جرى الاستثمار بهذا المنحى من قبل أفراد أو بنى حزبية لها المصلحة في ذلك، وأسّس هذا الخطاب الهوياتي المغلق لنمو ظاهرة تصاعد اليمين القومي الشعبوي في غير مكان من دول العالم الأول. في العقود الثلاثة الماضية، توافرت ظروف مؤاتية كي يستطيع هذا التيار شقّ طريقه إلى العامة والترويج لأفكاره:

أولاً: أدّت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ٢٠٠١ إلى تنامي الإسلاموفوبيا ليس في أميركا فقط، إنما في دول أميركا الشمالية وعموم الدول الغربية والأوروبية. في هذا السياق، كلنا نذكر الجدل السياسي – الإعلامي الذي بدأ في فرنسا عام ٢٠٠٤ حينما صدر قانون يمنع الرموز الدينية البارزة في المدارس والمدارس الإعدادية والثانوية العامة ما فجّر شخطاً شعبياً عارماً لدى النساء المسلمات المنقبات الذين اعتبروا – ومعهم منظمات حقوقية – أنّ القانون يستهدفهم على الرغم من علمانية النظام السياسي الفرنسي المشهود لها تاريخياً. هذا الجدل لم يتوقف يوماً في فرنسا إذ تعيد طرحه بعض الأوساط السياسية والثقافية في فرنسا بين حين وآخر. وفي العام الماضي، أعلن وزير الداخلية، برونو ريتيلو، عزمه حظر الحجاب في الجامعات والرحلات المدرسية، معتبراً أن الحجاب “غير مرغوب فيه” داخل الحرم الجامعي، ما أعاد النقاش مرة أخرى إلى الواجهة.  وفي العام ٢٠٢٣، أقدم زعيم حزب “الخط المتشدد” الدانماركي اليميني المتطرف، راسموس بالودان، على إحراق نسخة من المصحف الشريف قرب السفارة التركية في ستوكهولم، تحت حماية مشددة من الشرطة، تبعه بعد ذلك بيومين قيام إدوين واجنسفيلد زعيم حركة “بيغيدا” المتطرفة المناهضة للإسلام في هولندا بتمزيق نسخة من القرآن الكريم في مدينة لاهاي الهولندية. في بريطانيا، كشفت الشرطة عن ارتفاع حاد في حوادث العنف المرتبطة بالعداء للإسلام، حيث أشارت تقارير في نيسان/أبريل 2025 إلى زيادة بنسبة الجرائم تقدر بـ 73%، وسط تحذيرات من “التراخي” في التصدي لها. الولايات المتحدة، وعقب هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ٢٠٠١، أنشأت وزارة الأمن الداخلي الأميركي. وشكّل هذا التأسيس أكبر عملية إعادة تنظيم للحكومة الفيدرالية الأمريكية منذ إنشاء وزارة الدفاع عام 1947. أُنشئت وزارة الأمن الداخلي لتوحيد مختلف الوكالات، بما في ذلك دائرة الهجرة والتجنيس والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ، تحت مظلة واحدة لتعزيز الأمن القومي وتحسين التنسيق في مواجهة التهديدات المتطورة. كل هذه الإجراءات والتدابير والأفعال وموجات القتل وحوادث العنصرية المرتبطة بـ”الإسلاموفوبيا” في الغرب، أدّت إلى أن تخصص الأمم المتحدة يوماً عالمياً لمكافحة هذه الظاهرة يُحتفى به في الخامس عشر من آذار/مارس من كل عام.

ثانياً: أدّت الأزمات الاقتصادية الدورية التي عانت منها دول المركز الرأسمالي، بدءاً من أزمة عام ٢٠٠٨ العالمية مروراً بتعطل سلاسل التوريد وتوقف حركة الإنتاج إثر جائحة كوفيد ١٩ عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢١، وانتهاء بأزمة الطاقة الحالية ٢٠٢٦ على إثر الحرب الحالية المستمرة في الشرق الأوسط ، أدّت كل هذه المحطات إلى تضاؤل الفرص والموارد الاقتصادية، ما كثّف حملات الرأسمالية لتقليص حجم العمّال أو أجورهم أو خفض تكاليف الإنتاج ما انعكس سلباً على أحوال المعيشة في كل العالم سواء العالم الرأسمالي الأول أو الثاني أو الدول النامية – وإن بمستويات مختلفة ومتباينة.

هنا، وجدت النظم الرأسمالية فرصة بأن تنسب إلى العمال المهاجرين سبب هذه الأزمات، لتهرب من معالجة جذور المشكلة الأساسية. هكذا أصبح العمّال المهاجرون صيداً ثميناً وشمّاعة علّقت عليها النظم الرأسمالية الحاكمة، مسؤولية أزماتها الاقتصادية الدورية. فبات المهاجرون “غير الشرعيون” واللاتينيون هم سبب البلاء في أميركا، كما الجزائريون في فرنسا، والسوريون في لبنان. هذا مع العلم أن معظم دول المركز الرأسمالي قامت على أكتاف هؤلاء المغتربين عن أوطانهم، لأن الشعوب الأصلية لا تعمل في المهن التي يعمل فيها هؤلاء وتحديداً في المهن الحرفية واليدوية والتقنية أو ما يعرف بأدبيات تقسيم العمل بـ blue collar jobs. كثّفت النظم الحاكمة من حملاتها الدعائية على مجتمعات المهاجرين – والذين ما كانوا ليخرجوا من أوطانهم إذا ما توفر فيها حد أدنى من عدالة اجتماعية، مستفيدة من امتلاك هذه الأنظمة – بحكم موقعها – لآليات التأثير المجتمعي وخاصة وسائل الإعلام سواء التقليدية أو الجديدة. هذه الفئة، في وضعها الراهن في كل العالم، تعاني من استغلالين. الأول، مارسته بحقها النظم المحلية في مجتمعاتها الذين طردتهم إلى ما وراء الحدود سعياً للقمة عيش، والثاني، النظم الرأسمالية الحاكمة في البلد المضيف، والتي حملّتهم – إلى جانب الطبقة العمالية في كل بلد – حملّتهم وزر أزمة لم يصنعونها. أدّت هذه السياقات إلى وضع الأنظمة الحاكمة قوانين وإجراءات صارمة بحقّ العمال المهاجرين. عمدت الأنظمة الحاكمة إلى تركيب اصطفاف مشوه للحقيقة وهو العامل المحلي مقابل العامل الأجنبي. إنّ تنامي المظاهرات الشعبية في العقدين الأخيرين في أجزاء مختلفة من العالم لم يكن إلا حقيقة ساطعة عن اتساع حجم وهوة الصراع الطبقي بين النظم الرأسمالية الحاكمة من جهة والمستغلين – سواء أكانوا عمالاً محليين في المجتمعات الأصلية أو عمالاً مغتربين من جهة أخرى. وهنا بعض الأمثلة:

  • حركة احتلوا وول ستريت Occupy Wall Street 2008
  • مظاهرات شعبية في اليونان سبقت إعلان الإفلاس الرسمي (2010)
  • حراكات ومظاهرات في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا بين 2010 و2015
  • انتفاضات الربيع العربي سواء بنسختها الأولى (2011) أو الثانية ( 2019).
  • تظاهرات السترات الصفر في فرنسا (2018)
  • حراكات شعبية في دول عدة أعقبت الانقضاض على حقوق الطبقة العاملة ومكتسباتها على إثر جائحة كورونا.
  • نستطيع إحصاء عشرات الحراكات المنظمة أو غير المنظمة التي جرت بين عامي 2021 و2025، كنتيجة ولو متأخرة عن الإجراءات التي اتخذت لتقليص مكتسبات المحقّقة للطبقة العاملة.
إقرأ على موقع 180  "إف-16" لأوكرانيا وبيلاروسيا نووية.. الخطوط الحمر تتلاشى    

ثالثاً: بادرت روزان سميتس – وهي عالمة سياسية كانت قد ترأست سابقاً وحدة أبحاث النزاعات في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية وتشغل حالياً منصب رئيسة تحرير منصة الصحافة “دي كورسبوندنت” الهولندية- إلى تتبّع مسار صعود الفاشية في العقدين الأخيرين. تحاجج سميتس أنّ الفاشية تنمو في أجواء الاحتقان المجتمعي أو السياسي، كالحروب والأزمات والأوبئة والأزمات الاقتصادية والتأزم السياسي. وفي كتابها المعنون “الفاشية: جرس الانذار” تقول أن النظم الفاشية تتبّع مساراً واحداً يمر عبر الآتي:

الركيزة الأولى تستند إلى خلق تصور واهم بماضٍ متخيّل كان جميلاً ولكن تم تدميره، وما يقوم به القادة الشعبويون هو تخيل مستقبل قائم على أصالة هذا الماضي. إن غرس هذه الفكرة المفتاحية في أذهان العامة يولّد بحسب الكاتبة، مزيج من الشعور بالغضب وتوهم لديهم بأنهم ضحية أبدية continuous victimisation, إضافةً إلى شعور بالزهوّ والفخر.

الركيزة الثانية هي حاجة القائد أو النظام الفاشي لاختراع بروباغندا وذلك بهدف إثارة مشاعر انعدام الثقة وخلخلة النقاش العام في المجتمع. تلاحظ سميتس أنّ هدف البروباغندا هو جعل القيم والمبادئ والمعتقدات التي كانت تعتبر حتى الأمس القريب راديكالية ومتشددة، تعبر في سهولة بأذهان وتخيلات العامة.

الركيزة الثالثة والتي يتشارك فيها الفاشيون هي في عدائهم للتفكير الحر والنقدي لأن وجود هكذا قدرة سيهدّد مساحة البروباغندا الشعبوية التي قد يواجهها كتاب ومثقفين وأصحاب الرأي الحر. لذا تعمل الفاشية على الحد من دور هؤلاء في المجتمع (هنا استطراد من الكاتب: لاحظ عداء ترامب للنخب الأكاديمية والمثقفة حتى ضمن دوائر حزبه).

الركيزة الرابعة هي خلق “اللا واقع” من خلال تفكيك أو تشويه الحقيقة، وإعادة تركيبه بما يتلائم مع سردية المسؤول أو النظام الفاشي. إن الأكاذيب التي تروجها الأنظمة اليمينية المتشددة تهدف إلى تكريس التعبئة والولاء والهيمنة – ثلاثة أقانيم ضرورية لخلق تصورات مشتركة عند الجماهير تنمّط الفئات المجتمعية الأخرى.

الركيزة الخامسة تتمثل في لعب دور الضحية victimhood ولأجل القيام بهذا الأمر، ينبغي ترويج سرديات لدى العامة تقول بتفوقهم ـ إما كأشخاص أو مجموعات عرقية أو إثنية أو دينية أو طبقية، ما يسهّل عملية الخداع المجتمعي كما يتيح جعل هذا “الاستهداف” مادة تُحشد فيه العواطف وتُثار فيه الغرائز، وهي لعبة يتقن أدائها اليمين الشعبوي في كل مكان من هذا العالم. لذلك، تحاجج الكاتبة أنّ شحن العواطف والغرائز يتم بشكل أسهل في وقت الأزمات والحروب، إذ يشعر الفرد في هذه المحطات المفصلية، بتهديد وجودي يطال جوهر وجوده الإنساني. فينفخ اليمين الريح في الهواء ويطلق عندئذ الروح القومية الكامنة والتي تنفجّر في سلسلة من المحطات والمواقف.

إن المتتبع للمسار السياسي في معظم دول الغرب خلال العقدين الأخيرين، سيلاحظ بسهولة تنامي وصف أطلق عليه الأكاديميون والباحثون تعبير Xenophobia وذلك في إشارة إلى كراهية “الأجانب” وهو خوف غير منطقي أو كراهية أو نفور شديد من الأشخاص القادمين من بلدان أخرى أو من خلفيات ثقافية مختلفة. هذا التعبير بات رائجاً في حقل العلوم السياسية والاجتماعية. وليس أدلّ على ذلك حالة العداء المتنامية لكل طبقة أو هوية أو مجموعة يُنظر إليها بوصفها تحمل تهديداً مباشراً لسطوة الرجل الأبيض. لاحظوا مثلاً ازدياد خطاب الكراهية ضدّ المهاجرين والعمال الأجانب والنساء وأفراد مجتمع الميم – عين ومجموعات أخرى.

الخلاصة 

استعرض هذا الجزء من الدراسة تنامي الرهاب في المجتمعات الغربية من الفرد الآخر. هذا الرهاب بدأ يتكثّف عقب أحداث أيلول/سبتمبر ٢٠٠١ وبروز ظاهرة “الإسلاموفوبيا”. ولكنّه تطور اتساعاً ونطاقاً ليشمل رهاب تجاه كل ما هو مختلف عن الرجل الأبيض، سواء أكان هذا الاختلاف طبقياً أو قومياً أو دينياً أو إثنياً، فاسحاً المجال لبروز خطاب هوياتي ضيّق تمت صياغته ليتلاءم مع متطلبات المرحلة الفكرية التي ستبرز في السنوات الأخيرة: شقّ الهوية الواحدة عبر تأصيل الهويات الفرعية، وهي الهويات التي تمأسس عليها العقد الاجتماعي المعلن قولاً وممارسةً. بالتوازي، استعرض المقال أبرز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال العقود الثلاثة الماضية والتي كانت تنمو وتتطور في أفق تصاعدي ليس في دول المركز الرأسمالي فحسب (أميركا، أوروبا الغربية، أميركا الشمالية)، بل في دول الأطراف أيضاً، لاغيةً الكثير من المكتسبات الاجتماعية التي حصلت عليها الطبقة العاملة كتتويج لمسار طويل من نضالاتها بدءاً من أوائل القرن العشرين. ضمن هذا هذا المناخ وفي جوّ من زرع أجواء الخوف والقلق والفوبيا الوجودية، نما وترعرع خطاب الهويات الفرعية الذي حملت لواءه أحزاب وتيارات اليمين الراديكالي المتشدّد. هذا الخطاب، وقبل أن ينمو في الأوساط الشعبية، تمّ تعبيد الطريق إليه من خلال سيل من الأفكار والرؤى والنظريات، أطلقها أفراد ومؤثرون ومؤسسات، وجرى تضخيمها وبثها في وسائل الإعلام التقليدية أو الجديدة، فاسحة المجال لنموّ خطاب الهويات الفرعية. وهذا ما سنتاوله في الجزء الثاني من المقال.

Print Friendly, PDF & Email
عطالله السليم

كاتب وباحث سياسي

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  بولتون في "الغرفة"... "جمهورية الموز" الأميركية