اقتصاد الحرمان في لبنان.. كيف يتحول التهميش إلى سلطة؟

ليس أخطر ما في الحرمان أن يُبقي الناس خارج دائرة الفرص، بل أن يجعل حاجتهم جزءًا من العلاقة التي تربطهم بالسلطة. ففي لبنان، لم يعد التهميش مجرد نتيجة لفشل الدولة أو اختلال الاقتصاد؛ فالخدمة التي يُفترض أن تكون حقًا تصبح وساطة، والوساطة تتحول إلى نفوذ. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن والدولة، ازدادت قيمة من يستطيع ملء هذه الفجوة. هنا تتغير وظيفة الحاجة، ويبدأ اقتصاد الحاجة. حين لا تكفي الدولة لضمان الحق، يصبح من يملك طريق الوصول إليه جزءًا من السلطة.

عندها لا يعود السؤال فقط: لماذا عجز لبنان عن إنهاء الحرمان؟ بل كيف تحوّل الحرمان من مشكلة يُفترض أن تنتهي إلى علاقة يمكن أن تعيد السلطة إنتاج نفسها من خلالها؟

ليس كل فقر نتيجة فشل إداري، ولا كل تهميش نتيجة نقص في الموارد. فلبنان ومنذ نشأته الحديثة، تميز بموقعه الاقتصادي وقطاعاته النشطة والمميزة وموارده البشرية وانفتاحه الواسع على الخارج، لكنه لم ينجح في بناء تنمية متوازنة بين مناطقه وفئاته.

المشكلة ليست في وجود الحرمان وحده، بل في الطريقة التي تراكم بها، وفي العلاقة التي نشأت حوله بين المواطن والدولة والزعيم. فالحرمان، حين يطول، يتحول إلى حاجة، والحاجة إلى وسيط، والوسيط إلى نفوذ. عندها تنتقل المسألة من الاقتصاد إلى السياسة.

الفجوة بين المركز والأطراف

تطور الاقتصاد اللبناني منذ الاستقلال على قاعدة أعطت التجارة والخدمات والترانزيت وتدفقات الرساميل دورًا أساسيًا، مقابل ضعف نسبي في بناء قاعدة إنتاجية متوازنة. لم يكن هذا المسار منفصلًا عن بنية السلطة؛ فقد تداخلت مصالح الزعامات السياسية مع مصالح النخب التجارية والمالية، واحتاج كل طرف إلى الآخر بدرجات مختلفة.

فالزعيم يحتاج إلى الموارد التي تثبت حضوره في بيئته، والنخبة الاقتصادية تحتاج إلى بيئة سياسية تؤمّن مصالحها واستقرار أعمالها، وبين الطرفين نشأت علاقة جعلت الاقتصاد والسياسة متداخلين إلى حد يصعب معه الفصل بينهما.

ولا يمكن تفسير تمركز النشاط الاقتصادي في بيروت بمزايا العاصمة وحدها. فعندما تستمر الفجوة بين المركز والأطراف لعقود، يصبح السؤال مشروعًا عن طبيعة النظام الذي ينتجها ويعيد إنتاجها. ولم تكن الطائفية في لبنان مجرد انعكاس لتعدد المجتمع؛ مع الوقت، أصبحت أيضًا إحدى القنوات التي يجري عبرها تنظيم الوصول إلى الموارد والخدمات والنفوذ.

الزبائنية تترسخ

عندما لا يحصل المواطن على الخدمة بوصفها حقًا مضمونًا من الدولة، بل يحتاج إلى حزب أو زعيم أو شبكة علاقات لتأمينها، تتغير العلاقة بين الطرفين. تصبح الوظيفة خدمة، والمساعدة معروفًا، والاستشفاء وساطة، وحتى التنمية قد تتحول إلى مناسبة لإظهار من يملك القدرة على تأمينها.

لا تكمن المشكلة في غياب الدولة وحده، بل في الفراغ الذي تتركه، والذي تستطيع شبكات سياسية واجتماعية أن تملأه. وكلما تراجعت الدولة عن دورها كضامن للحق، اتسع موقع الوسيط، وترسخت الزبائنية، حتى تصبح مصلحة استمرار الوضع القائم أقوى من مصلحة تغييره.

قد لا يكون الحرمان قرارًا متعمدًا، لكنه قد يتحول مع الوقت إلى نتيجة نافعة لبنية سياسية واقتصادية اعتادت العمل من خلاله. فالمواطن الذي يحتاج إلى الوسيط كي يصل إلى حقه، يصبح الوسيط بالنسبة إليه أكثر أهمية من المؤسسة التي يُفترض أن تمنحه ذلك الحق. فتتشكل الحلقة: حرمان، ثم حاجة، ثم وسيط، ثم خدمة، ثم تبعية. وكلما تكررت هذه الدورة، أصبح كسرها أصعب.

في المناطق المهمشة، تبدو هذه العلاقة أكثر وضوحًا. فالمشكلة لم تكن دائمًا في غياب المشاريع، بل في محدودية قدرتها على تغيير البنية التي أنتجت التهميش. أُطلقت مشاريع تنموية حسّنت، في بعض المناطق، الخدمات أو البنية التحتية، لكن كثيرًا منها بقي محدود الأثر أو قصير المدى، ولم يتحول إلى دورة إنتاجية قادرة على خلق فرص عمل مستقرة.

الحرمان.. والسلطة

تظهر مفارقة التنمية في نظام يقوم على الوساطة. قد تصل الأموال، وتُنجز المشاريع، وتتحسن بعض الظروف، لكن إذا بقي المواطن بحاجة إلى الجهة السياسية نفسها للحصول على الوظيفة أو الخدمة أو المساعدة، فإن المشروع لم يغيّر العلاقة الأساسية.

لقد عالج بعض هذه المشاريع آثار الفقر أكثر مما عالج أسبابه. لذلك يبقى الحديث عن التنمية منفصلًا عن بنية السلطة ناقصًا؛ فالتنمية التي تخفف الحرمان من دون أن تمنح المواطن قدرة أكبر على الاستقلال الاقتصادي قد تحسن ظروفه، لكنها لا تنهي بالضرورة اقتصاد الحاجة.

تكمن المسألة الأعمق ليس فقط في أن السلطة قد تنتج الحرمان، بل في أن الحرمان، حين يستمر، يمكن أن ينتج بدوره حاجةً إلى السلطة.

مفارقة الأزمة

جاء انهيار 2019 ليكشف ما كان مستترًا خلف سنوات من الاستقرار الظاهري. فقد قام النظام المالي لفترة طويلة على جذب الودائع وتدفقات الرساميل وأسعار الفائدة المرتفعة، فيما راكمت الدولة الدين والعجز، وتراجعت قدرتها على الاستثمار في القطاعات الإنتاجية. ومع انهيار هذا النموذج، لم تكن الخسارة متساوية. فقد المواطنون جزءًا كبيرًا من مدخراتهم، وتراجعت قدرتهم الشرائية، واتسعت دائرة الفقر، فيما كانت المناطق التي عانت أصلًا من ضعف التنمية أكثر هشاشة أمام الصدمة. لكن الانهيار لم يُنهِ اقتصاد الحاجة، بل أعاد إنتاجه بصورة أقسى.

قبل الأزمة، كان المواطن يحتاج إلى الوسيط للوصول إلى وظيفة أو خدمة أو مساعدة؛ وبعدها، أصبح يحتاج إليه لمواجهة تبعات الانهيار. ومع تراجع الدولة، تحولت الأحزاب والشبكات المحلية إلى مزوّد بديل للاحتياجات الأساسية، من الغذاء والتعليم إلى العلاج.

إقرأ على موقع 180  فرنسا تتأرجح بين مصلحة لبنان.. والوصاية عليه! 

وهنا ظهرت مفارقة الأزمة اللبنانية: كلما ضعفت الدولة، اكتسب وسيط السلطة مصدرًا إضافيًا للقوة السياسية، وترسخت العلاقة واتسع نطاقها. فيصبح المواطن صاحب حاجة، وتتحول الجهة القادرة على تلبيتها إلى صاحبة نفوذ. ولا تحتاج هذه العلاقة دائمًا إلى إدارة مباشرة. يكفي استمرار عجز الدولة، وتفاوت الخدمات، وبقاء شبكات الوساطة قادرة على ملء الفراغ.

بهذا المعنى، لا يكون السؤال فقط: لماذا بقيت مناطق لبنانية محرومة رغم مرور عقود؟ بل لماذا بقيت البنية التي تنتج الحاجة أكثر قدرة على الاستمرار من البنية التي يُفترض أن تنهيها؟

هل نتجاوز الزعماء؟

لا يعني ذلك أن الفقر في لبنان صُنع دائمًا بقرار سياسي متعمد، أو أن الحرمان كان جزءًا من خطة لإخضاع الناس. فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى صناعة المشكلة كي تستفيد منها. أحيانًا يكفي أن تعجز عن حلها، ثم تصبح الجهة الأكثر قدرة على إدارة نتائجها. عندها لا يعود العجز مجرد مشكلة ينبغي التخلص منها، بل يتحول إلى مساحة للنفوذ، وتصبح الحاجة نفسها موردًا سياسيًا. فالفقر يولّد الحاجة، والحاجة تدفع إلى الوسيط، والوسيط يراكم النفوذ، فيما يساعد هذا النفوذ على بقاء البنية التي تعيد إنتاج الحاجة.

هل يستطيع المواطن الوصول إلى حقه من دون أن يعرف زعيمًا؟ هل يستطيع الحصول على وظيفة من دون واسطة؟ هل يستطيع دخول المستشفى لأنه مريض، لا لأنه يعرف من يتكفل بالفاتورة؟ وهل تستطيع منطقة مهمشة أن تحصل على التنمية لأنها جزء من الدولة، لا لأنها جزء من شبكة سياسية؟

حين يحتاج المواطن إلى وسيط ليصل إلى حقه، لا يعود الحرمان مجرد نقص في الموارد، بل يتحول إلى علاقة سلطة. وكلما ارتبط الوصول إلى الحق بمن يملك مفتاحه، ازدادت قيمة الوسيط، وتحولت الحاجة نفسها إلى مصدر نفوذ.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course
إقرأ على موقع 180  قمة "البريكس".. نحو عالم جديد