بعد هزيمة نابليون بونابرت، شكّل مؤتمر فيينا عام 1815 محاولة لإعادة تنظيم العلاقات بين القوى الأوروبية، ووضع أسس جديدة للتوازن الدولي، ولا سيما في ما يتعلق بمفهوم سيادة الدول.
وبعد الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، نشأ نظام دولي جديد تجسّد في معاهدات فرساي وتأسيس عصبة الأمم وبداية تحولات كبرى في بنية النظام الاستعماري القديم، إلا أن ذلك لم يمنع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، التي أعادت بصورة أعمق تشكيل النظام العالمي.
ومن رحم الحرب الثانية وُلدت منظمة الأمم المتحدة، وتراجع نفوذ القوى الاستعمارية التقليدية، وخصوصاً بريطانيا وفرنسا، لصالح قوتين صاعدتين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، لتبدأ مرحلة الثنائية القطبية التي طبعت سنوات الحرب الباردة.
ومع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، دخل العالم مرحلة جديدة عنوانها الأحادية القطبية الأميركية، حيث انفردت واشنطن بقيادة النظام الدولي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
غير أن التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولا سيما الحرب الروسية ـ الأوكرانية التي اندلعت في 24 شباط/فبراير 2022، والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط وصولاً إلى الحرب الأميركية ـ الإيرانية التي جاءت في سياق تداعيات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، تشير إلى أن النظام الدولي يمر مجدداً بمرحلة إعادة تشكيل وربما يكون ممرها الإلزامي تشكيل نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط.
فهذه الأزمات لا تقتصر تداعياتها على ساحاتها المباشرة، بل تمتد إلى بنية العلاقات الدولية نفسها، وقد تفتح الباب أمام صعود قوى جديدة باتت تمتلك قدرة أكبر على التأثير في القرار العالمي، بالتوازي مع تراجع قدرة القوى التقليدية على الانفراد بإدارة النظام الدولي.
فالنظام الدولي، في جوهره، هو انعكاس لتوزيع القوة بين الفاعلين الدوليين خلال مرحلة تاريخية محددة.
ومنذ نهاية الحرب الباردة، اعتمد هذا النظام في شقيه الاقتصادي والأمني على القيادة الأميركية، التي استطاعت من خلال مرحلة الأحادية القطبية تأمين مصالحها عبر شبكة واسعة من المؤسسات الاقتصادية والأمنية الدولية والإقليمية العاملة وفق الرؤية والمعايير الأميركية.
وكان الشرق الأوسط، بحكم موقعه الجيوسياسي وثرواته وموقعه في معادلات الطاقة والأمن، من أكثر المناطق تأثراً بهذا النفوذ، إذ شهد حضوراً أميركياً واسعاً بأشكاله السياسية والعسكرية.
لكن التحولات الدولية في القرن الحادي والعشرين فرضت ضغوطاً متزايدة على مسارات القرار العربي، سواء على المستوى الفردي للدول أو على المستوى الجماعي. ومع الوقت، تراجع هامش المبادرة العربية، وغابت سياسة الرفض التقليدية لتحل مكانها مقاربات أكثر حذراً، تراوحت بين الحياد، وتجنب الانخراط المباشر، والتحذير من مخاطر توسع الصراعات.
وفي هذا السياق، اتجهت بعض الدول العربية إلى لعب أدوار الوساطة وفتح قنوات الاتصال بين الأطراف المتصارعة، فيما ركزت دول أخرى على الدبلوماسية الإنسانية من خلال تقديم المساعدات والاستجابة للاحتياجات الناتجة عن الأزمات.
وفي المقابل، دفعت التحديات الأمنية المتزايدة في الشرق الأوسط عدداً من الدول العربية إلى تعزيز مستويات التنسيق والتعاون، ولا سيما في المجالات الأمنية والاستخباراتية، بهدف الحد من انعكاسات الصراعات الكبرى على استقرار المنطقة.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب ما هو أبعد من إدارة الأزمات. فالنخب العربية تدرك أهمية خفض مستوى التوتر في الشرق الأوسط، لكنها تدرك أيضاً ضرورة بناء مقاربة جديدة للتعامل مع التحولات الدولية، تقوم على قراءة موازين القوى الصاعدة، وتقدير المصالح المشتركة، وتطوير علاقات متوازنة مع مختلف القوى الفاعلة.
كما تبرز الحاجة إلى إعادة الاهتمام بمشاريع التكامل العربي، ليس بوصفها شعاراً سياسياً، بل كأداة لتعزيز القدرة العربية على التعامل مع عالم يتغير بسرعة.
فموقع العرب في النظام الدولي الجديد لن يتحدد فقط بحجم التحولات الخارجية، بل بقدرتهم على مواكبتها، وامتلاك رؤية مشتركة تسمح بتحويل الأزمات إلى فرص، واستعادة دور أكثر فاعلية في الإقليم والعالم.
