مُعاناةُ الجماعة أفضل على الصعيد النفسِيّ من المعاناة المُنفرِدة، يتشارك الناسُ الهَمَّ نفسه فتقلُّ حدتُه ويتضاءل الألمُ الناتج عنه؛ لكن الشعور بأن الآخرين يكابدون أوضاعًا شبيهة، وأنهم بالمثل يكتفون بالتبرُّم ولا يعملون على تغييرها؛ إنما يزين فكرة الاستسلام لها، فطالما شملَ التكدير الكلَّ؛ خفَّت وطأته الثقيلة المُوِجعة، وطالما تواطأت الأغلبية على التحمُّل والصَّبر والتزام الصَّمتَ؛ باتت الهُمومُ من المألوف الذي لا يَستوجِب الرَّفض.
***
إذا استعان الواحد بآخر كي يساعده في أمر استعصى عليه، فوجده متحيرًا هو الآخر لا يتمكن من التعامل معه، خطر إلى الذهن الوصفُ الطريف: “جبتك يا عبد المُعين تعيني؛ لقيتك يا عبد المُعين عايز تتعان“، والقصد أنهما تشاركا الخيبة والهمّ وتساويا في حال العجز. يغدو الوضع مُحبِطًا ومُثبطًا للهِمَّة؛ فإن يأمل المرءُ أن يعثر على الحلَّ، ثم تسقط توقعاته أرضًا ويخذله مَن كان فيه الرَّجاء؛ يشعر باليأس وتنغلق في وجهه الأبواب وتُسَدُّ الطريقُ؛ إلا أن يظهرَ في الأفق من يَحمل المفتاح على غير التوقُّعات.
***
كثيرًا ما نستعمل الأمثولة الشهيرة: “رضينا بالهمّ والهمّ مش راضي بينا“؛ إذ هي الأقرب للتعريف بأحوالنا المُؤسية الكئيبة. الهمُّ حاضر لم يبارح النفوسَ، ومواعين الصَّبر قد نضبت حتى وقفنا على حافة الجفاف والتيبُّس. تحمل الكلمات سُخرية واضحة، فمحاولة الحفاظ على هامش الرضاء؛ تؤدي إلى مزيد من التردّي والانهيار، وإذا بما استحال سلفًا قبوله؛ يصبح من الواقع المعتاد.
***
كثرت الهمومُ المُشتركة على المستوى المحليّ؛ بل وعلى مستوى الكوكب بأكمله. تضخَّمت الأزماتُ واستفحلت، فتخطت استنتاجات جُملة المُحللين، العقلاء، المُستبصِرين، وتجاوزت خيالات أعتى المتشائمين، والظنُّ أن شعوبَ الشرق والغرب قد توحَّدت في الهَمّ مع ظهور حكَّام ما انزل الله بهم من سلطان؛ منهم من أصابه مسٌّ من جنون ففقدت كلماتُه المعنى والأثر وصارت أفعاله من الخطورة بمكان، ومنهم مَن تفرَّغ لتأمين مَقعدِه وتوطيد سُلطته وأشاح بوجهه عن واجباتِه تجاه الناس، ومن تناسى هيبتَه ومكانتَه واحترفَ التذلل والسَّعي وراء مصالحه الشخصية؛ فأهان من ورائه أمة بأكملها.
***
هذا الذي “ركبه الهَمّ” مَكروبٌ حتى أذنيه، غارقٌ في أزماته حتى الثمالة، لا ينتظر أن تعتقَه الهمومُ عما قريب ولا أن يغادره البؤس. المَركوب صِيغة مَفعولٍ به، وهو خاضع بتعريفه للأمر الواقع، غير قادر على تبديله أو تعديله، أما الرَّاكب ففاعل مُستريح؛ لا تقضُّ مَضجعَه الحمولُ ولا تؤرقُه الهواجِس.
***
تدلل القولةُ الشعبية المُوجَزة “همّ ما يتلم” على تكاثر الأزمات وصعوبة التحكم فيها والسيطرة عليها. الوفرةُ هنا -وعلى عكس المألوف- مُزعِجة؛ فقد ينجح المرءُ في تذليل مشكلة عابرة وتخطي حاجزٍ يعترض مسيرتَه؛ لكن الهموم متى تعدَّدت وتكالبت عل عاتقه؛ أرهقت روحَه وأوهنت إرادته.
***
في فيلم “جحيم تحت الماء” الذي أخرجه نادر جلال وعُرِضَ بنهاية الثمانينيات تقريبًا، يخاطب سمير صبري ابنه الطفل من خلال الأغنية الخفيفة: “اضحك يا ابو علي يا خفيف الدم.. روق يا بو علي واخلع م الهم“. جرى العرف على أن يربأ الناسُ بالصغير الغضّ عن حملِ الهموم، فمتى رأوه مكروبًا مستاءً سارعوا لمداعبته وإضحاكه، وقد جاء اللحن في هذا الإطار؛ ليبتسم حسن في النهاية وينفض عن ملامحه الحزن.
***
إذا قال واحد لآخر: “همّي همّك“؛ فمشاركة وجدانية مشكورة، وسعيٌّ طيبٌ لكسرِ أسوار العزلة، والتخفيف من أحاسيس الوحدة التي تنتاب المرءَ ما تكالبت عليه الرزايا، لكن حقيقةَ الأمر أن “اللي إيده في الميَّه مش زيّ اللي إيده في النار” والمعنى أن التعاطُف وإن بلغَ ذروته؛ يبقى قاصرًا عن مطابقة مشاعر المُتعاطِف والمَهموم سويًا؛ إنما لا بأس أحيانًا من المحاولة، ولا غضاضة من مبالغة مشفوعة بحسن النوايا.
***
ينصح العارفون بالدنيا وتقلباتها هذا الذي عَبَس وجهه وحفرت أخاديد السنين ملامحَه: “فكها شويه“، القصد أن يتحلل من بعض همومه ويلقي بها عن كاهله، وأن ينظر في أمر نفسه فيترفق بها ويطببها. كثرة الحزن تورث العجز وتبكر بعلامات الشيخوخة، والقلب الشاب الضحوك الذي لا يعبأ بالنوازل ولا يحمل الضغائن؛ يلين قسمات صاحبه ويحررها من أصفادها.
***
تملك البلدانُ العربية موارد اقتصادية متنوعة؛ بينما تشترك في اللغة والحدود الجغرافية ومساحة لا بأس بها من التاريخ، ومن الطبيعيّ إذًا أن تكون رؤيتها للحاضر واحدةً وأهدافُها واحدةً، والتهديدات التي تخشاها أيضًا واحدة؛ لكن ثمَّة صدوع وتشققات سَرَت في البنيان، وأفرزت همَّا عظيمًا مُتناميًا؛ يُثقِل كاهلَ الأمة العربية ويشدُّها إلى الوراء، فما عادت لشديد الأسف وحدة واحدة مُتكاتفة؛ إنما تشرذمت اهتماماتُ حكوماتها وتوجهاتُها، وانحرِفت عن الطريق المَنطقية المُمهَّدة.
***
في قصيدته الفاتنة “سَلامٌ من صَبَا بَرَدي أرَق“؛ يقول أمير الشُّعراء أحمد شوقي: “نُصحت ونحن مُختلِفون دارًا.. ولكن كلنا في الهَمّ شَرق.. ويجمعنا إذا اختلفت بلاد.. بيانٌ غير مُختلِف ونُطق.. وللأوطان في دمِ كلّ حرّ.. يدٌ سَلفت ودين مُستحَق“. تلك دعوة أكيدة للعمل على استدراكِ الواقع المُؤسي وتَصحيحِه؛ وبرغم تقادمها في الزَّمن، فقد بقيَت صالحةً للتأمُّل والتدبُّر إلى يومنا هذا؛ ولم تزلْ لوافر الأسف مُستعصِيَة على التطبيق.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
