لامين يامال من الهامش المغربي إلى النجومية العالمية

في تسعينيات القرن الماضي رحلت الجدة فاطمة حدادي من منطقة الشمال المغربي، حاملةً جرح الطلاق الثقيل وخيبة الوطن الممتدة. لم تكن فاطمة مجرد مهاجرة عابرة، بل كانت الشخصية المحورية والقوة الدافعة التي ركبت حافلة بمفردها قبل أكثر من ثلاثة عقود، متوقفة في جنوب اسبانيا بين ألخِثيراس (الجزيرة الخضراء) وغرناطة، حتى استقرت في بلدة "ماتارو" الأندلسية.
 مع جدته فاطمة حدادي بالجلابة التقليدية المغربية في حفل توزيع جوائز الكرة الذهبية

بين الكدح في حقول الأندلس والعمل الدؤوب لادخار المال اللازم لجلب ابنها الذي تركته خلفها في المغرب، وعيش الكفاف في أحياء الصفيح الأوروبية، ربّت فاطمة ابنها منير في ظروف حياتية قاسية، لكنها كانت محاطة بحد أدنى من سيادة القانون والكرامة الإنسانية.

وفي سن مبكرة انخرط الابن منير (مواليد 1992) في كفاح اليوميات بقطاع البناء، معتمداً على طلاء المنازل ليُرسّخ قدميه في المهجر. وعندما تزوج منير نصراوي بالمراهقة المهاجرة الآتية من غينيا الاستوائية شيلا إيبانا، وأنجبا في 2007 طفلهما أمين جمال (لامين يامال)، لم تصمد الزيجة طويلاً وانتهت بالطلاق بينما كان الطفل في المهد.

وبرغم ذلك الانفصال، ظل الوالدان حاضرين في نشأته، وقضى أمين جمال جزءاً من طفولته بين مدينتي غرانويرس وماتارو، ليتولى الوالد منير، برفقة الجدة فاطمة، شحن عزيمة الفتى وتشجيع هوايته، حيث أصبح منير قوة دافعة حقيقية تحرص على مرافقة ابنه في مدارج برشلونة والمنتخب الإسباني والتعبير بافتخار عن إنجازاته.

علّمته الجدة فاطمة النطق بالدارجة المغربية، وكانت تُعدّ له طبق “الكسكس” وطبق “الرفيسة” لتبقي جذوره حية، وتدافع عنه أمام ضغط الإعلام الإسباني الذي انتبه لقصتها الملهمة. وبرغم اختيار لامين يامال تمثيل المنتخب الإسباني عوض المغربي، فلا تزال الصلة بجذوره المغربية والعربية تشكل جزءاً أصيلاً من هويته العائلية والثقافية. بل إن وعيه الإنساني تجلى بوضوح في موقفه اللامشروط تجاه القضية الفلسطينية، إذ لم يتردد في رفع العلم الفلسطيني بكل شجاعة خلال احتفالات نادي برشلونة بالتتويج بلقب الدوري لبطولة هذا الموسم.

وتحت سقف “لا ماسيا” (أكاديمية برشلونة المرموقة للناشئين)، أُعطيت الموهبة حقها، فلم ينبت أمين جمال في مجتمع يرى الفرد مجرد “رقم وطني” في سجلات الإحصاء أو عالة على الصندوق الوطني للدعم، بل في دولة تنظر إلى الإنسان، أي إنسان، بغض النظر عن أصوله وخلفية والديه الاجتماعية، على أنه مشروع استثماري وثروة وطنية مستقبليّة تستحق الرعاية والصقل منذ النعومة.

يامال وزياش.. وفلسطين!

لو قُدّر للطفل لامين يامال نصراوي أن يبحث عن مصيره في أحياء مدينة العرائش بالشمال المغربي، لكان اليوم يصارع تعقيدات “المؤشر الرقمي” ليظفر بدعم اجتماعي مشروط لا يتعدى 500 درهم (50 دولاراً)، أو لربما وجد نفسه واقفاً في طابور طويل أمام أحد محلات المأكولات السريعة، أملاً في فرصة عمل مضنية مقابل أجر زهيد.. هذا إن لم تبتلعه قوارب الموت في رحلة البحث عن الضفة الأخرى، أو تسقطه شباك الجريمة واليأس المنساب في الهامش!

بل لنذهب أبعد من ذلك.. لو كان يامال في المغرب، لما استطاع التعبير عن تضامنه الإنساني أو التلويح بالعلم الفلسطيني كما فعل مع ناديه برشلونة ومنتخبه الاسباني، دون أن يدفع ثمن موقف حُر..

ولعل في تجربة نجم المنتخب المغربي العميد حكيم زياش ما يختزل هذه المفارقة الصارخة.. فبمجرد أن عبّر عن تضامنه مع نضال الشعب الفلسطيني وإدانته للعدوان على غزة عبر حسابه في “إنستغرام”، وجد نفسه يواجه الاستبعاد والتحجيم داخل النخبة الوطنية.

ففي الوقت الذي حظي فيه يامال بمؤازرة طاقمه الفني وزملائه، بل وبإشادة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، واجه زياش ردّاً قاسياً من رئيس الجامعة فوزي لقجع، مفاده أن “المنتخب أكبر من الجميع ولا يحتاج لأحد”.. ردٌٌّ جاهر بإنكار الخدمات الجليلة التي قدمها زياش للكرة الوطنية، وتجاهل الضغط والشعبية العارمة التي يحظى بها في وجدان الجماهير المغربية.

قصة لامين يامال ليست شطحة استثنائية أو صدفة جغرافية، بل هي المانيفستو الحقيقي لغالبية أبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج. وحتى هذا المنتخب الوطني الكروي الذي نملأ به الدنيا ضجيجاً، ونصفّق له بحرارة بقيادة السيد فوزي لقجع، ليس في حقيقته سوى منتوج فاخر لمدارس ومراكز تدريب أوروبية. إنها دول لم تتعامل مع أبنائنا كفائض عن الحاجة، أو مجرد زوائد ديموغرافية، بل صنعت منهم نجوماً عالميين يساوون ملايين اليوروات.. لنعود نحن بكل بسالة ونستورد جاهزيتهم الفنية والبدنية، وننسب الإنجاز بأكمله لـ”العبقرية الوطنية والنموذج الرياضي الفذ”!

انفصام “الفيفا” وصدمة الواقع المحلي

يامين لامال مع والده منير نصراوي

الدليل على هذا الانفصام ليس بحاجة إلى معجزة أو تحليل جيوسياسي معقد، يكفي فقط أن نلقي نظرة بسيطة على اللاعبين القادمين إلى المنتخب الوطني من رحم البطولة المحلية.. أين هم على خريطة الملاعب؟ وما الذي انعكس من قفزات المنتخب في تصنيف “الفيفا” الدولي على أنديتنا المحلية ولاعبينا الشبان؟

تصنيف عالمي يطير بالمنتخب الأول في السحاب بين الستة الكبار.. وبطولة محلية تنتج مدرجات غاضبة، ولاعبون يركضون خلف أول عقد احترافي بائس خلف البحار.

إقرأ على موقع 180  رفيق الحريري الأول.. نجيب ميقاتي الأخير  

وفي النتيجة تبقى البطولة مجرد مشتل كروي تُباع فيه أوهام التطور، بينما البنية التحتية الرياضية في معظم المدن والجهات تعاني الموت السريري.

إن التأمل في هذه المنظومة يكشف عن مفارقة صارخة تختزل كل إعاقات النموذج التنموي، وتتجلى في ثلاثة أبعاد:

1- بينما يرفرف المنتخب الوطني كروياً بين الستة أو السبعة الأوائل عالمياً، بحسب آخر تصنيف لـ”الفيفا” لشهر يوليو(تموز) الحالي، نجد الوطن يترنح في مراتب متأخرة جداً على خريطة التنمية البشرية، ويعاني من تصنيفات مخجلة في مجالات التعليم العمومي والصحة والعدالة الاجتماعية.

  مع الملك الاسباني فيليبي السادس

2- تعتمد الطفرة الكروية بالأساس على استيراد مواهب صنعت وصُقلت في أكاديميات ومدارس أوروبية، في مقابل ضعف بائن وهشاشة مستمرة تعاني منها البنيات التحتية الرياضية المحلية داخل الوطن.

3- يقتصر العائد الكروي على صناعة التسويق الإعلامي و”البوز” السياحي المؤقت، بينما يكتوي المواطن في يومياته بواقع اكتظاظ المستشفيات العمومية، وتردي جودة الخدمات، وانهيار المرفق العام.

يتفاخر الجهابذة بكون المغرب يرفرف في العالي كروياً، متجاوزاً مدارس عريقة.. ممتاز! لكن، هل جرّب هؤلاء موازاة هذا التصنيف بوضع التنمية البشرية والتعليم والصحة والمساواة؟

نحن القوم الذين يلعبون في القمة كروياً، وينافسون على هبوط الكرامة في قطاعي الصحة والتعليم!

لا أحد ينكر أن المستطيل الأخضر يسوّق لاسم المغرب عالمياً ويجلب بعض السياحة، لكن الصورة التسويقية اللامعة تشبه إهداء لوحة فنية لبيكاسو لمريض يحتاج إلى جرعة دواء أو أوكسيجين. حتماً ستُعجبه اللوحة، لكن أولوياته في مكان آخر. تأمين الدواء والعلاج والبقاء على قيد الحياة!

بهذا المعنى، لا يُصرف تصنيف “الفيفا” في المخبزة وعند شراء قطعة من اللحوم والدجاج… والتأهل إلى المربع الذهبي لا يعالج مرض السكري في مستشفى إقليمي عمومي يفتقر للأوكسيجين والمضادات الحيوية.. وإشادة الإعلام العالمي بـ”أسود الأطلس” لا تدفع فاتورة الماء والكهرباء لمواطن يقتطع الدعم الاجتماعي المشروط من لحمه الحي.

وأين هي باقي الرياضات الأولمبية التي يغرق أبطالها في التهميش والجحود؟ أم أن المواطن المغربي مفروض عليه أن يأكل تكتيكات كروية في العشاء وينام مطمئن البال؟

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  هل يعترف مشروع الإسلام السياسي بالدرس المغربي؟